دراسة قانونية للخليل حول رسالة عون: لماذا إعادة التمييز؟

أعد عضو كتلة التنمية والتحرير النائب أنور الخليل دراسة قانونية حول رسالة رئيس الجمهورية لمجلس النواب: “تكرّم فخامة رئيس الجمهورية بإرسال كتابٍ إلى دولة رئيس مجلس النواب يطلب منه باختصار أن يفسّر مجلس النواب المادة 95 من الدستور نتيجةً لما وَرَدَ في المادة 80 من قانون الموازنة 2019 فيما يتعلق بأحقيّة حفظ حقوق التوظيف كأولوية لمن نجحوا في امتحانات مجلس الخدمة المدنية وأُبلغوا بذلك.

لا أريد استباق البحث في مجلس النواب، ولكنني على سبيل التفاهم والتفهّم أردت ان أعرض ما يلي:

لقد أقرّ الدستور اللبناني المعدل بموجب اتفاق الطائف في مقدمته مبدأ إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية، واعتبر هذا الإلغاء هدفاً وطنياً اساسياً لانه يعيد المواطن إلى كَنَف الدولة، ويجعل العلاقة بين المواطن والدولة علاقة مباشرة، لا تمرّ عبر الطوائف ومؤسساتها، ومرجعياتها، مما يزيد الصلة بين المواطن والدولة ويحقق مزيداً من الديمقراطية على قاعدة المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات.
منذ صدور الدستور اللبناني في 23 ايار 1926 جاءت المادة 7 منه لتؤكد على أن “كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء، بالحقوق المدنية، والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات دون ما فرقٍ بينهم”.

وفي حقل الوظيفة العامة نصّت الماة 12 من الدستور على أن “لكل لبناني الحق في تولّي الوظائف العامة، لاميزة لأحد على الآخر إلا من حيث الإستحقاق والجدارة حسب الشروط التي ينص عليها القانون”.

قاعدتان أساسيتان لم يطرأ عليهما أي تعديل طيلة المسار التاريخي والدستوري للدولة اللبنانية، أي قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين. وقاعدة الإستحقاق والجدارة في التعيين في الوظائف العامة. وفي السياق نفسه، جاء البيان الوزاري لأول حكومة استقلالية عام 1943 ليؤكد على ضرورة العمل على الخروج من الطائفية الى رحاب الوطن، لما في تكريس الطائفية من إيهانٍ للحياة الوطنية.
ثم أتى الطائف وأراد إلغاء الطائفية السياسية، وعلى صعيد الوظيفة العامة أيضاً، على مراحل. فنصّت المادة 95 منه المعدلة بالقانون الدستوري الصادر في 21/9/1990 على تشكيل “هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية الخ….، مهمتها دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية الخ….”.

“أما في المرحلة الإنتقالية:

1. تُمثّل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة.

2. تُلغى قاعدة التمثيل الطائفي ويعتمد الإختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية، والمؤسسات العامة، والمختلطة وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها، وفي مايعادل الفئة الأولى فيها، وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص أيّ وظيفة لأي طائفة مع التقيد بمبدأي الإختصاص والكفاءة.”

إذاً استثنى الدستور وظائف الفئة الأولى فقط من قاعدة إلغاء التمثيل الطائفي، وحتى في هذه الحالة ألزم باعتماد مبدأ الإختصاص والكفاءة في التعيين. وألغى قاعدة التمثيل الطائفي في التعيين في سائر الوظائف العامة الأخرى مع اعتماد الاختصاص والكفاءة.

أما ورود عبارة وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني فلا تعني التراجع عن قاعدة إلغاء التمثيل الطائفي في التعيين في هذه الوظائف، لأن المشرّع الدستوري استثنى فقط وظائف الفئة الاولى من إلغاء قاعد التمثيل الطائفي دون غيرها، ولأن القوانين المرعيّة الإجراء هي التي تؤمن مقتضيات الوفاق الوطني، وليس المناصفة، وذلك عن طريق إعتماد المباريات في التعيين في الوظائف التي يخضع التعيين فيها لمباراة لأن المشاركة فيها متاحة أمام جميع الطوائف، كما تؤمن سلطة التعيين هذه المقتضيات، في الوظائف الأُخرى التي لا يتم فيها التعيين عن طريق مباراة ويكون فيها لهذه السلطة صلاحية إستنسابية في الإختيار من بين الناجحين كالتعيينات مثلاً التي تجري عن طريق التعاقد، عندما لا ينص القانون على اجراء مباراة بشأنها أو التعيين في وظائف الفئة الثانية التي يترك فيها القانون للإدارة سلطة استنسابية في التعيين، ومع الحرص على مبدأ الاختصاص الكفاءة في سائر التعيينات التي تراعى فيها مقتضيات الوفاق الوطني وليس المناصفة.

إن هذا التمييز بين وظائف الفئة الأولى وسواها من الوظائف العامة يعبّر بوضوح عن إرادة المشترع التأسيسي في حصر قاعدة التوازن الطائفي والمناصفة التي كانت معتمدة في ظل النص القديم للمادة 95 بوظائف الفئة الأولى دون سواها، واعتماد قاعدة دستورية في سائر الوظائف العامة تقوم حصراً على الاختصاص والكفاءة بما يستجيب لمقتضيات الوفاق الوطني.

وإن تطبيق هذه القاعدة يجب أن لا يكون قائما على التوازن الطائفي الذي كان معتمداً في ظل النص القديم للمادة 95 في كل مشروع مرسوم أو قرار تعيين. وإلا لما كان من موجِبٍ لتعديل أحكام هذه المادة في الدستور الحالي للتمييز بين وظائف الفئة الأولى وسائر الوظائف الأخرى.

هذا ما اقتضى شرحه، فخامة الرئيس.

وأخيراً وليس آخراً وبصفتك الأب الروحي لكل اللبنانيين دون أي مناصفة، يصعب عليّ أن أفهم محاولة إعادتنا الى التمييز بين إبن أو إبنة لك لإنه مسلم أو إبن أو إبنة لك لإنها مسيحية. فالأب الروحي لجميع اللبنانيين أراه يتعالى على مثل هذا التمييز، وأنت، فخامة الرئيس، خير أبٍ لخير شعبٍ في هذا الوطن الحبيب”.

مقالات ذات صلة