22 تشرين الثاني استقلال دون سيادة…

كتب خضر رسلان:

السيادة مفهوم قانوني وسياسي له علاقة مباشرة بأصل قيام الدولة التي من أهمّ أسباب وجودها وأبرز خصائصها ممارسة دورها وصلاحياتها وعلاقاتها بمواطنيها وبغيرها من الدول، وهذا المدخل الرئيسي والأساسي لإطلاق صفة الدولة على الكيان السياسي، كما أنه لا دولة بدون استقلال، فلا دولة دون سيادة. والسيادة هي التي تعطي للدولة الحق بالتشريع وإصدار القوانين والمراسيم وتنفيذها على ارجاء الدولة، وهي التي تسمح وتشرّع لها بعقد الاتفاقات وإبرام المعاهدات الدولية، والسيادة هي التي تضمن المساواة مع غيرها من الدول، وتمنع اي جهة من التدخل في شؤونها الداخلية والخارجية.

وتتميّز عملية بناء الدولة الوطنية في لبنان بسيادة محدودة في الواقع، أو منتقصة، وذلك مردّه الى طبيعة النظام الطائفي اولًا ثم الى الانتهاكات والاعتداءات «الإسرائيلية»، هذا فضلاً عن التدخلات الأجنبية المتكرّرة سواء كان ذلك عبر حكومات او سفراء، حيث لم يعرف لبنان منذ الاستقلال سوى فترات قصيرة لم يتعرّض فيها للنيل من سيادته الوطنيّة.

وفي إطلالة الى عهد الانتداب نجد انّ غالبية القوى اللبنانية كانت منقسمة بين كتلة توالي الفرنسيين وأخرى تعارضهم ونتيجة للتطورات التي حصلت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية التي أفرزت قوى عالمية جديدة على الساحة الدولية وكان أبرزها الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية اللتان تعاونتا في مجلس الأمن الدولي على إخراج بريطانيا وفرنسا من المناطق الخاضعة لانتدابهما. وقد استخدم السوفيات الفيتو في مجلس الأمن لإجلاء القوات الأجنبية عن سورية ولبنان. وأصبح لبنان دولة مستقلة شاركت في توقيع بروتوكول الاسكندرية وتأسيس جامعة الدول العربية.. ودخل لبنان في الأمم المتحدة عضواً مؤسّساً.

حين تسلّم قادة الاستقلال مقاليد السلطة، في العام 1943 سار معظمهم على النهج الانتدابي السابق، متجاهلين وضاربين عرض الحائط بتضحيات الذين جهدوا وكافحوا لتحقيق الاستقلال وذلك تحت ستار المحافظة على علاقات جيدة مع فرنسا بعد انسحاب قواتها من لبنان، وتبنّوا الصيغة الطائفية باسم الميثاق الوطني غير المكتوب لتوزيع المراكز الأساسية محاصصةً في دولة الاستقلال، وتأسّست معها قواعد صلبة لنظام طائفي تحوّل أخيراً إلى نظام مذهبي يجدّد أزماته الدورية.

واستمرّ حكم الزعامات ذات الجذور العائلية الاقطاعية منذ ما قبل الاستقلال في قيادة النظام السياسي اللبناني ولعقود طويلة، وتبنوا شعارات خلافية أبرزها: «قوة لبنان في ضعفه» و»لبنان تحميه صداقاته الخارجية»، و»الحياد الإيجابي» في الصراع العربي ـ «الإسرائيلي». علماً أنّ تلك الشعارت لم تثبت جدواها على أرض الواقع بل عرّضت وحدة لبنان للتفكك وأراضيه للاحتلال. وكان مهندس الصيغة الطائفية في لبنان، ميشال شيحا، من أوائل الذين نبّهوا إلى أخطار المشروع الصهيوني على لبنان، في كتابه «فلسطين».

أسّست قوانين الإنتخاب في عهدي الانتداب والإستقلال لحياة برلمانية في لبنان أنتجت دولة طائفية وهشّة بسبب فساد التمثيل الشعبي الذي بُني على قوانين غير عادلة ترسّخ منطق التسوية اللبنانية على قاعدة «لا غالب ولا مغلوب».

شاهد تاريخي مستنسخ

للانتهاك الأميركي للسيادة اللبنانية:

1 ـ أوّل تدخّل مباشر للحكومة الأميركية في لبنان كان في عهد الرئيس كميل شمعون وتحديداً عام 1958، وذلك بعد أن دفعت بحلفائها في المنطقة الى تمويل حلفاء كميل شمعون في انتخابات عام 1957.

في تلك الفترة شعرت الولايات المتحدة بما أسمته «خطر تمدّد حركات التحرّر الوطني على المنطقة، فسعت إلى دعم عددٍ من الأنظمة العربية الحاكمة؛ كحال شمعون في لبنان والسلطة الملكية في العراق عبر حلف بغداد الذي شكّلته عام 1955 لهذا الهدف. ومنذ ثم، بدأ التحضير الأمريكي لإنزال عسكري في لبنان حيث نزلت قوات البحرية الأميركية في بيروت وظلت حوالي ثلاثة أشهر إلى حين انتهاء ولاية شمعون وإنقاذ النظام.

وفي سياق سيطرة السردية التاريخية الممنهجة التي تدخل في إطار الترويج للولايات المتحدة كواحة للحرية والديمقراطية، جرى إسقاط الدور الأميركي عن إشعال الحرب الأهلية اللبنانية عام 1958، وهذا التعتيم التاريخي هدفه تزييف الحقائق وكيّ الوعي عن السبب الرئيسي للانتهاك الاميركي للسيادة الوطنية وإشعالها للحرب الأهلية، ألا وهو خوف الولايات المتحدة الاميركية من أن يصبح لبنان ضمن المعسكر المناوئ لها، وبالتالي تفقد مصالحها فيه، هذا فضلاً عن الخوف على أمن وسلامة الكيان الصهيوني في فرضية تحوّل لبنان الى دولة مقاومة.

ومنذ عهد الرئيس شارل الحلو عاد الحديث داخل مجلس الأمن القومي الأميركي عن إمكانية غزو لبنان (على غرار ما حدث عام 1958) وحينما قامت الحكومة الأميركية، في العام 1970 بتسليح الجيش اللبناني كان ذلك الدعم حصرا لقمع أيّ تحرّك شعبي داخلي، على أن لا يسمح للدولة ان تطلب من الجيش الوطني استخدام هذه الأسلحة لصدّ أو ردع أيّ عدوان صهيوني على غرار ما حصل في مطار بيروت عام 1968 أو ما يشهده الجنوب من اعتداءات يومية أو حتى في مواجهة الكومندوس الصهيوني الذي نفذ عملية فردان في قلب بيروت في العام 1973.

هذا المشهد التاريخي يتكرّر بعد نيف وستين سنة، بأدوات جديدة إنما الأهداف واحدة وإنْ كانت الأساليب مختلفة. وفي قراءة للمشهد الحالي مقارنة مع واقع العام 1958 فإنّ الصورة تكاد تكون متطابقة ومستنسخة والأهداف الاستراتيجية لم تتغيّر وزاد الانتهاك الأميركي للمشهد اللبناني بعد الفشل واليأس من إسقاط الدولة والدور السوري الممانع، وبالتالي تحوّل الجهد الأميركي الى مسارات موضوعة سلفا وجاهزة ومنها الاستمرار في دعم وتسليح الجيش اللبناني مع لحاظ ضمان عدم استعمال أيّ من الأعتدة الأميركية ضدّ الكيان الصهيوني، إضافة الى الإيغال في الحصار الاقتصادي للدولة والشعب اللبناني، والشروع في سنّ ما يُسمّى «قانون قيصر» لمحاصرة سورية والذي ساهم بشكل فاعل في زيادة الأعباء على كاهل الشعب اللبناني، إضافة الى رفع وتيرة التدخل السافر والمستمر عبر سفارة عوكر في كلّ ما يساهم في إفشال الدولة اللبنانية، فضلاً عن دعم مجموعات وشخصيات تحت عنوان المجتمع المدني في محاولة مكشوفة لانتزاع اكثرية نيابيّة في الانتخابات المقررة ربيع 2022، وأيضاً وأيضاً كما الحال في القرن الماضي عبر الدعم المالي المفروض تأمينه من الأنظمة العربية التي تدور في الفلك الأميركي… كلّ ذلك من أجل استعادة أو فرض السيطرة من قبلهم على مفاصل السلطة والتحكم بالقرارين السياسي والاقتصادي، فالاستراتيجية الأميركية المعلنة والتي تعمل دائما لأجلها هي منع تحوّل لبنان الى دولة ذات سيادة حقيقية، كلّ ذلك حرصاً كما في السابق على سلامة وأمن الكيان الصهيوني الغاصب.

مقالات ذات صلة