لبنان بين الانقطاع وسندان الاحتكار: أزمة أخلاقية واضحة!/ ريم عثمان

يعود قدم العلاقة بين الاقتصاد والفلسفة إلى زمن بعيد، مع أوائل الفلاسفة، وهذه العلاقة عززت وأثرت المجالين، دون شك. فاذا عدنا الى التاريخ، لا يخفى علينا تجذر العلوم الاقتصادية في الفلسفة الاخلاقية، ففي القرن الثامن عشر برز الاقتصاد كحقل مستقل ارتبط بشكل خاص بتوجهات فلسفية. “لا نستغرب وجود مغامرات مشتركة والاسئلة الجوهرية التي يطرحها الاقتصاديون حول الظواهر التي تجبر على إعادة فحص الأطر المفاهيمية والميثولوجية مما قرّب المسافة بين المجالين”: يقول إيمانويل بيكافي، الفيلسوف الفرنسي، في إحدى مقابلاته. يكمل “في الحقبة المُعاصرة، يُمكن أن نقول إنّ ثمةَ “تبادُلًا للإشكاليات بين الفلسفة والعلوم الاقتصادية، هذا التبادل الذي يدلّ بوضوح على ثمرة الانفتاح على الفلسفة، من وجهة نظر الاقتصاديين. وهذا على الأرجح هو ما يهمّ أكثر إن كنا نتساءل عمّا يُمكن أن تمنحه الفلسفة للاقتصاد اليوم. في الواقع، قد منح بعض الفلاسفة مادّة خام للعلوم الاقتصادية”

فما هو الاحتكار من منظور الفلسفة الاخلاقية؟ وكيف أصبح اليوم واقعا مطبقا في ظل النظام اللبناني الذي يسوده الاحتكار الداخلي، مع غياب القوانين الرادعة؟

لعل آدم سميث كان أكثر المفكرين الذين تناولوا الاحتكار من وجهة نظر الفلسفة على وجه الخصوص، ففي كتابه الأول نظرية المشاعر الأخلاقية، اعتبر سميث أن السلوك الإنساني يخضع لبواعث ست: حب الذات/التعاطف/الرغبة في الحرية/الإحساس بالملكية/عادة العمل/والميل للمبادلة. ليتوصل عبر ما سبق إلى أن الفرد هو أفضل حكم على تقرير مصلحته الخاصة متروكا حرا لسلوكه. وقد أدى اعتقاد سميث في وجود نظام طبيعي إلى القول بأن هذا النظام من شأنه أن يحقق التوافق والانسجام بين المصالح الخاصة للأفراد وبين المصلحة العامة وفقًا للبواعث المذكورة. وهذه هي فكرة “اليد الخفية” التي تعني أن الأفراد اثناء سعيهم لتحقيق مصالحهم الخاصة يحققون بطريقة لا واعية المصلحة العامة وبناء على ما سبق، فان الاساس النظري لفكر سميث، هو دور المصلحة الخاصة والدافع الشخصي ليشكلا اكبر ضمانتين للصالح العام، وتوضح لنا مقولته الشهيرة نقطة سميث «ليس بفضل وكرم الجزار أو صانع الجعة أو الخباز ما يسمح لنا بتوفير الطعام لعيشنا، بقدر ما يرجع ذلك إلى نظرتهم إلى مصالحهم الخاصة. وعندما نطلب خدماتهم، فإننا لا نتوسل إلى إنسانيتهم بقدر ما نستحث مصالحهم الشخصية؛ فلا أحد سوى الشحاذ الذي يمكن أن يعتمد في حياته على أفضال الآخرين». نخلص اذا ان الدافع الشخصي في رأيه هو مجرد وسيلة والصالح العام هو دائما الهدف. يبدو جليا هنا، ان لبنان، يعاني من أزمتين متلازمتين اخلاقية واقتصادية، لا نعلم اي بدأت قبل الاخرى.

في حديثي مع “وسام سعادة”، استاذ جامعي وباحث في الفكر السياسي وتاريخ الافكار حول الإشكالية المطروحة يجيب:
“الاحتكار هو مفهوم مرتبط بشكل أساسي بالفكر الاقتصادي، وبالتالي لا يمكن أن يبحث فلسفيا بمعزل عن الفكر الاقتصادي، فالاحتكار ينطبق على حالة أو وضعية معينة في إطار تبادل السلع ضمن العرض والطلب من قبل بائع واحد وتعدد المشترين. هذا من حيث الناحية الاقتصادية.

ما قبل العصور الحديثة وما قبل هيمنة قانون القيمة على العلاقات التبادلية المتصاعدة ورسملتها، أي في أواخر القرن 18 حتى اليوم، لا يمكن البناء على فلسفات العصر القديم، العصر الوسطي وحتى مطالع الحديث منه، لشرح الاحتكار من وجهة نظر الفلسفة الاخلاقية لقياسه،تحديده أو تقديم تصور منهجي نحوه.

فأرسطو مثلا، تناول موضوع الاقتصاد على شكل التدبير المنزلي على مستوى المدينة وكان له اعتراض وانتقادات عدة على عدة ممارسات، كالربحية  والمال عندما يكونان غاية في حد  ذاتهما. هذه المواضيع من الممكن أن تصب في موضوع الاحتكار ولكن لا يمكن ان نعتبر انه تم معالجته في الفلسفة الماضية، فهي لم تبحث من ناحية فلسفية اقتصادية  بوجه التحديد.
يكمل سعادة “في وقت لاحق، اعتبر جون لوك إن التملك فطرة عند الإنسان والملكية الخاصة هي امتداد لجسده، فهذا التكريس للملكية هو تحديد لها، لأنه في نفس الوقت يصبح معيار تملك الأشياء يكون عبر مقدار استطاعتنا تخيل امتداد الأجساد للشيء  والنقطة الأساسية هنا، ان الاحتكار يرتبط بالناحية الفلسفية بموضوع الملكية لنطرح السؤال التالي إلى أي حد تتمدد الملكية وهل لها نهاية؟ اعتبر لوك ان حب التملك هو امتداد للإنسان نفسه وامتداد لجسده. لكن فعليا بدأت معالجة موضوع الاحتكار مع الاقتصادي السياسي “آدم سميث” في نهاية القرن الثامن عشر، حيث برزت إشكالية حول مسارين في وقته: أحدهما ينمي حرية التجارة والتبادل ويؤدي الى التنافسية مما يساهم بمواجهة الاحتكار والثاني يتعارض مع حرية التجارة فيؤدي إلى الاحتكارات التي تتجسد بالسياسات الاحتكارية التي استخدمتها الدول. التفكير الليبرالي الذي كان قريبا لفكر سميث قائم على نقيضين أساسين: الاحتكار والتنافس. والاحتكار هو غير أخلاقي لأن التنافس هو أخلاقي فهو ينمي المهارات والمبادرات والطبيعة الخلاقة للإنسان ويضبط الغريزة العدوانية للبشر، بعدها أضيف لما سبق، أن التنافسية وحدها لا تؤدي الى الاحتكار هذا ما تناوله “برودون” في فلسفة البؤس عام 1846 حينها اعتقد انه لا يوجد نقيض للتنافس كما الاحتكار مما يتشابه مع رأي سميث،  الا انه توصل الى ان كل انواع التنافسية تؤدي للاحتكار حكما.

لاحقا في التصور الماركسي تناول التفكير كارل ماركس الاحتكار ولكن دون مقاربته مع الفلسفة الأخلاقية متناولا البؤس الناتج عن الرأسمالية، مختصرا “ماركس” هذا  الخط الاقتصادي بأنه نظام لا تكون فيه السعادة سبيلا للأفراد حيث يسود النظام الرأسمالي حتى بين الرأسماليين أنفسهم؛ فهو نظام لا يستطيع توفير السعادة والاستقرار اللذين يحتاجهما الإنسان الاحتكار يولد التنافس والتنافس يولد الاحتكار بين المحتكرين أنفسهم فهذين النقيضين يجذبان بعضهما البعض”

ما هو تأثير الاحتكار على سعادة وقيمة الفرد الإنسانية؟

“الاحتكار يمكن أن يشمل مواضيع عديدة، مثل الحديث عن احتكار الثروة، الحقوق الفكرية، التكنولوجيا والمعلومات الطبية وغيرها..لنطرح سؤالا هنا: اين يقع نطاق الملكية الفكرية؟ ان مفهوم الملكية الفكرية، يهدف الى حماية الابتكار والابداع، الا انه لا يوجد حدود مسبقة لهذه له، اما اذا سألنا اين يقع الاحتكار تحت يافطة الملكية الفكرية، فإنه لا يوجد اجوبة او تصريحات وأحكام قبلية من قبل الفلسفة، بل هو يخضع للممارسة. أما عن علاقة كل هذا بالسعادة، فالسعادة على علاقة بالابتكار وحفظ حقوقه والاعتراف به، وهذا جزء من مفهوم السعادة الذي يرتبط بسعادة الخلق، التحصيل والإسهام المجتمعي، السعادة لا تنفصل عن الذكاء برأيي، وهو غير محصور طبعا بالإنسان يكمن عبر إثارة المشكلات والبحث عن حلول لها، وكلما كان الذكاء قادرا على التمدد بطريقة شبكية وحيوية انتشرت معه السعادة، اما اذا طرحنا السؤال التالي هل السعادة
تؤمن ضمن السوق الاستهلاكية أو ضمن المنافسة؟ فالسعادة بالنسبة لي، هي تقاطع بين الذكاء وما بين علاقة ذكية مع اللذة، أي الاستمتاع بالأشياء وزمنيتها، فهي اللذة محكومة بالوقت..

أما عن الحالة السائدة في لبنان وهي حصرية الوكالات، التي لا تتشابه فيه حالة الاحتكار مع الكثير من البلدان الأخرى التي ينحصر فيها الاحتكار بحصرية الإنتاج أما هنا فيسود على شكل حصرية الاستيراد. في المحصلة نحن من البلدان الأولى التي تسارع على الاستيراد والبقاء على معرفة بكل جديد في العالم في مقابل عدم الإنتاج والابتكار. هذه العملية كلها اظهرت فجوة كبيرة تعاظمت منذ وقت  لتظهر نتائجها الآن..

قد يتشابه لبنان مع المدينة الفاضلة التي لطالما حلم بها أفلاطون ولكن فقط بقلّة عدد السكان، وانقسام المجتمع إلى ثلاث فئات -كما المجتمع اللبناني قبل الانهيار- عندما كانت الطبقة الوسطى، الخط الفاصل بين القلّة التي تشكل ما يقلّ عن 10% من السكان والتي تتمركز لديها الثروة وبين الفئة المزجوجة في الصراع لتتمركز تحت خط الفقر، لتتشكل مدينة أخرى كان قد ذكرها الفارابي وهي “الضالة” منها، وهي التي يكون رئيسها ممن يوهم أنه يوحى إليه فيضلل أبناء مدينته ليبقى الخلود في الانحلال مصيرهم. المشكلة هنا أننا نعاني من كثرة الرؤساء والسلاطين. جميعهم محتكرون إلّا أنّ أحدهم غير مسؤول. فالاقتصاد اللبناني يقوم على مجموعة كارتيلات، تحتكر تصريف السلع اللبنانية. أيضا، في ظل الاقتصاد المتدهور اليوم، وعدم وجود نص قانوني واضح يوقف عمل هذه الكارتيلات أو يحدد أعمالها، تتفاقم الأزمة ويزداد المحتكرون توحشا، حتى أصبح الاحتكار نظاما متجذرا له أساس سياسي-طائفي يشكل اليوم “بنية اقتصادية” بغطاء نظام اقتصادي حر يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة، كما ينص الدستور اللبناني؛ لتطغى مصالح عدد قليل من الناس على مصالح الأكثرية، وتهيمن المصالح الفردية على المصلحة العامّة وبهذا نجد غيابا لتفضيل المصلحة الأخيرة التي تكلم عنها أفلاطون مما ينتج حرمانا من مفهومي السعادة والعدالة.

 

  • “هذا الموضوع تم إنتاجه بدعم من برنامج النساء في الأخبار التابع للمنظمة العالمية للصحف وناشري الأنباء “وان-ايفرا”.

مقالات ذات صلة