الشِرك بالدولة (2)

كتب زياد شبيب في “النهار”:

في حوار بيني وبين صديق “مثقف” قبل أيام، فوجيء برأيي في الأزمة الأخيرة مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج، وهو كالعادة رأي حقوقي مجرّد. في العادة تكون المواقف في لبنان على صورة المحاور وعليك أن تنتظم هنا أو هناك ولا يحق لك أن تكون منطلِقاً من قناعاتك.

في موضوع الصراع مع العدو، إذا كنت تحمل حساً وطنياً طبيعياً، أنت تقف مع أي شخص أو حزب أو تنظيم يناضل في سبيل تحرير الأرض المحتلة، ولكن بالمقابل لا يمكنك أن تقبل الشِرك في مفهوم الدولة ومهامها الأساسية في استعمال القوة المسلحة كما لا يمكنك أن تقبل بأن ترسل تنظيمات وقوى سياسية لبنانية مقاتلين إلى سوريا أو اليمن أو أي بلد آخر بما يتعارض مع المصلحة الوطنية ويخالف القانون، لأن قانون العقوبات اللبناني يجرم هذا العمل ويعاقب عليه.

لا تزال أجزاء من أرضنا اللبنانية محتلة ومنها مزارع شبعا الاستراتيجية وتلال كفرشوبا وقرية الغجر. كلها أجزاء عزيزة من أحد الاقضية اللبنانية الاربعة التي تكوّن منها لبنان الكبير الذي أُعلن قيامه سنة ١٩٢٠، والذي حظي بالموافقة على قيامه بحدوده تلك من قبل المنظمة الدولية آنذاك وهي عصبة الأمم، ولاحقاً عند البت بالخلافات الحدودية الموضعية مع سوريا جرى التأكيد على أن الحدود في المواقع الملتبسة هي حدود قضاء حاصبيا وبالتالي حدود القرى التي يتألف منها، والمزارع طبعاً منها كما تثبته جميع الوثائق، أما التباس الخرائط فلا شأن له لان المعيار الأول والأخير هو قرارات الشرعية الدولية أي عصبة الأمم المنظمة السابقة للأمم المتحدة.

تحرير الارض المحتلة واجب ومهمة الجيش اللبناني وهو أيضاً حقٌّ للشعب يقره القانون الدولي، بأن يقاوم الاحتلال. ولكن، الوسيلة لتحقيق التحرير وهي مقاومة الاحتلال، لا يعقل أن تتحول إلى غاية بذاتها. ولا يعقل أن تصبح الاراضي المحتلة ومنها مزارع شبعا من أكثر المناطق هدوءاً وأن تتوقف أعمال المقاومة فيها ويُنسى أمر تحريرها، وبالمقابل تتحوّل القوة العسكرية المقاوِمة غايةً بذاتها وتنطلق نحو معارك في لبنان والخارج وفق أولويات لا يعلم الشعب بها وهي تتم باسمه ولا تجرؤ السلطات الدستورية أن تسأل عنها أصلاً لكي توافق عليها.

المقاومة الخاملة ليست مقاومة ولا يمكن أن يجبرنا أحد على إعطائها هذه الصفة، والعمل العسكري خارج إطار القرى والمزارع والتلال اللبنانية المحتلة ليس عملاً مقاوماً سواء كان في لبنان أم في السيدة زينب أو في مأرب وتعز. المقاومة ليست هدفاً أو غاية بذاتها بل هي وسيلة لتحرير الأرض ومتى توقفت أو هادنت في تحقيق مهمتها انتفى سبب وجودها وأصبحت في حالة من البحث عن الذرائع والمبررات التي لا يمكن أن تضفي عليها طابع الشرعية. والصراحة تفرض القول بأن كل من يؤيد هذا المفهوم المتحوّر، ممن يتولون المناصب الدستورية أو من القوى السياسية، إنما يقوم بذلك بدافع الخوف أو المصلحة وليس القناعة.

في ما يتعلق بالمشاركة في القتال في أرض دولة أخرى، هناك فريقان لبنانيان على الأقل أقدما على ذلك أثناء الحرب السورية وفريق واحد في اليمن كما يبدو، وفي هذا الصدد نصت المادة 290 من قانون العقوبات على أنه : “من جند في الارض اللبنانية دون موافقة الحكومة جنوداً للقتال في سبيل دولة اجنبية عوقب بالاعتقال الموقت او بالإبعاد.”

المسألة إذاً مسألة قانونية لبنانية وعلى المعنيين اتخاذ المواقف من هذا المنطلق وعدم انتظار غضب دولة عربية شقيقة تضررت من هذا التدخل اللبناني لكي “يقوموا بالواجب” تلافياً للأضرار.

مقالات ذات صلة