بيار جاميجيان سافر مع الموت مودعاً وتاركاً الألم!

كتب جهاد أيوب: 

الممثل اللبناني بيار جاميجيان مات!!!

“ليش رحت بكير؟”.

ليش ذهابك بصمت، مع وداع بسيط لأعضاء النقابة قبل ساعات؟

ليش تركتنا في بلد أهله زعامات يعشقون الدماء، ويتسلون بالفن والفنانين، ويخجلون من وضعه زراً على ألأثواب البالية؟!

بيار …لم نتمكن الارتواء من شخصك وفنك، هكذا بهدوء تزرع الحزن الصافع كما فرضت حضورك اللافت في البسمة في لحظة تقاتل في الوطن، ورغبة بتخريب الوطن من أعداء الوطن!

بيار إبن 72 عاماً لا يزال شاباً بالروح، وبالتصرف، وبالقرار، وبالهضامة، وحينما يجسد دوره يلعبه بخميرة تلك التجربة المشاكسة المنوعة، والغنية مع كبار الفن في لبنان.

في أواخر أيامة تخلى عن الكوميديا مرغماً لغياب من يكتبها، ومن يؤديها، ومن يعرف إخراجها، فما يقدم اليون يعتبر تهريجاً بلسان الشهوة، وبحركة الجسد العشوائية، ابتعد عن ملعبه الاحب، وذهب للمشاركة بأعمال درامية تلفزيونية كثيرة بتراجيدية أكدت موهبته، وتفوقه، وتصالحت مع الزمن والدور والحكاية والتواجد والحضور القوي، وقد تكون ” الهيبة” بكل فصولها آخر ما قدمه على الشاشة الصغيرة!

بيار الصديق الواضح، الغني بمواقفه الأوضح سياسياً ووطنياً واجتماعياً وفنياً!

يعطي رأيه بكل ثقة، لا يجامل، ولا يأسف على حوار لا فائدة منه، هو ليس ساذجاً، وليس للتسلية، هو مسؤول، ويعرف قيمة المفردة التي سيقولها، سيناقشها، وسيدافع عن الموقف القضية!

نعم لا يجامل على حساب حضوره، لكنه ليس وقحاً، ولا يؤمن بقلة الأدب والغرور وصيد الضعيف!

بيار جاميجيان هو ذاك الفارس الذي انهكه من يعيش في الوطن، وكيف موهبته مع بقايا حركة انتاجية لبنانية تغامر دون قاعدة، ولا بد من التواجد حفاظاً على اسمه ولقمة العيش!

هو دائماً أكبر من الدور الذي أسند إليه، وحبه للفن يجعله يتصالح مع الدور دون الغرور، ويتفوق مهما كان الدور!

يأتي إلى التصوير مكتمل الحضور، يحفظ دوره ودور زميله، وهذه تحسب للفنان الصح، وهو فنان صح، وأمثاله قلة في هذا الزمن غير الصح!

لا ينتقد زملاء الغفلة، وشباب الواسطة في الفن، وادعياء التخرج من المعاهد دون موهبة، يحاول مساندتهم، يصوب اللحظة، ويبتسم من الألم!

في لقاء تلفزيوني جمعنا منذ مدة ليست ببعيدة كان مزاجه فيه الكثير من التعصيب والقلق، والخوف، وحينما سألته عن سبب ذلك، رد فوراً:” يا صديقي أنت تعيش في لبنان”!

الرد لا يتطلب التعليق، بل إلى تقديم تحية إكبار ومحبة لشخصية مناضلة في كل شيء، شخصية على الصعيد الشخصي تصادقها، ولا تخف من وضوحها.

وعلى الصعيد المهني تستفيد منها، وتتعلم من تواضعها، وحسمها…وعلى الصعيد الاجتماعي أنت مع الحنون المندفع!

بيار بعد بكير، بعد المشوار يليق بك، ولكن هذا هو القدر، وقدرنا أن نودع الأحباب غفلة من أعمارنا الشقية، والمتعبة من بحور الظلام!

بيار والفن مع زياد الرحباني ومن ثم الأخوين رحباني، وهنا المدرسة الأهم، ولم يسلمه زياد إلى جامعةالرحباني إلا بصبر الموافقة!

وقد تكون شخصية “بيارو” في المعلمة والاستاذ مع ابراهيم مرعشلي وهند أبي اللمع من انجح أدواره الشعبية التي زرعت له مساحة واسعة من الشهرة وأكثرها انتشاراً، ولاقت نجاحاً كبيراً لا يوصف .

ومن خلال مسيرته قدم اعمالاً مسرحية وتلفزيونية وسينمائية، نذكر منها مسرحيات ” سهرية”، و”نزل السرور”، و”فيلم اميركي طويل”، و” شي فاشل”، و “لولو”، و”ميس الريم”، و” بترا”، و” بيارو حظو زيرو “، و” بين حانا ومانا” ، و” بيارو او لا احد”.

ومن المسلسلات نذكر “يسعد مساكم”، و” المعلمة والاستاذ”، و”ابراهيم افندي”، و” الدنيا لمين”، و ” الغالبون”، و” قيامة البنادق”، و” بدل عن ضايع”، و ” جنى العمر”، و” هي وهي”، و” اوتيل الافراح”، و” حبيب ميرا”، و ” الطرابيش”، و” كلام على ورق”، و ” حد السكين”، و” لعبة الموت”، و “مالح يا بحر”، و “صائمون ولكن”، و” حكاية امل”، و “سكريتيرة بابا”، و “سجن الايام “، و” اول ع اخر”.

ومن الافلام التي شارك فيها نذكر ” بيبي”، و “فيتامين”، و “السيدة الثانية”، و “اهلا لبنان”.

أمثال بيار جاميجيان لا يموتون، بل يرحلون بغتة، يسافرون مع الموت ليرتاح من تكالب البشر على عيش ليس لهم، وليس بيدهم، ويرتاح من تكالب شعوب لبنانية همها أن تغدر بوطنه الذي أحبه لبنان…بيار ودع الأحباب، واقفل الأبواب، ووضب ذاكرته، وسافر إلى مكان يليق به وبروحه، وبنفسيته المسامحة…

بيار جاميجيان سفرك المباغت صفعنا، واتعبنا من الألم…كم أحببت صداقتك…

.

مقالات ذات صلة