من “قبرشمون” الى بلدية طرابلس

البحث عن المفتاح

الحركة السياسية في لبنان، ومعها مصير الحكومة من حيث الاستمرار أو البقاء، في حالة الشلل والتعطيل متوقفة عند “حادثة قبرشمون”.

وفي طرابلس، المتضررة كغيرها من المدن بما آلت اليه الأوضاع في لبنان من تردٍ وتراجع وجمود، تشكو من مصيبة أخرى وهي تعذّر انتخاب رئيس ونائب لرئيس مجلس بلدية طرابلس، بعد أن سُحِبت الثقة من الرئيس السابق أحمد قمر الدين وانعقدت ثلاث جلسات لعملية الانتخاب أخفقت في نيل المراد. وبات والأعضاء أمام امتحان جديد غداً علّهم يفلحون هذه المرة في إعادة الانتظام للعمل البلدي ومن خلاله تلبية متطلبات المدينة وان كانت نسبة النجاح ضئيلة جداً.

في موضوع “قبرشمون” تزداد الأمور تعقيداً ،بعد أن ظن كثيرون أن ما سُميَّ بـ “مبادرة جنبلاط” ستلقى قبولا لدى “رئيس الحزب الديمقراطي اللبناني” النائب طلال أرسلان الذي يصر على إحالة القضية الى المجلس العدلي، فيما كان جنبلاط يرفض الأمر قطعاً. ويرى أن بإمكان القضاء العادي الامساك بها والتحقيق بشأنها على أن يقرر في النهاية ما اذا كانت تستدعي تحويلها الى المجلس المذكور أم لا.

من هنا ارتأى رئيس الحكومة سعد الحريري أن يتمهل قبل الدعوة لانعقاد مجلس الوزراء، من منطلق أن هناك وزيراً (صالح الغريب) كاد يُقتل في الحادثة وأمامه (كما يتهيأ له) وزير متهم  بالوقوف ورائها. واذا ما تواجها معا فمن يضمن عدم حصول صدام بينهما على حد قول أكثر من مسؤول وزاري ونيابي بلغ مسمعي.

المبادرة الجنبلاطية، القائلة بتلازم مساري “حادثة الشويفات” التي وقعت العام الماضي وقضى فيها مناصر من “الحزب التقدمي الاشتراكي”، وحادثة “قبرشمون” وامكانية احالتهما الى المجلس العدلي لم تعمّر طويلا، علما أن آمالاً عُلِّقت عليها، حيث اعتبرها رئيس مجلس النواب نبيه بري فرصة للخروج من الأزمة. ونشط على خط اعتمادها مدير عام الأمن العام اللواء عباس ابراهيم . وارتفع منسوب التفاؤل بـ “قرب الفرج” ليتبين بعد أقل من ثماني وأربعين ساعة أنها لم تلق قبولاً من جانب ارسلان ومعه حلفاؤه (التيار الوطني الحر – حزب الله)، إذ سارع أحد أبرز القريبين منه الى ابلاغي بأنه لا يجوز تسمية ما اقترحه جنبلاط بـ “مبادرة”. وهي “هرطقة” و”عمل صبياني” من وجهة نظره، موضحا أن ما جرى في “الشويفات” حادثاً فردياً بينما الذي وقع في “قبرشمون” استهداف مباشر للاستقرار والسلم الأهلي. ولا أذيع سراً هنا إذا قلت بأن هذا الكلام سمعته من مسؤول بارز من “حزب الله”، قبل خطاب أمينه العام السيد حسن نصر الله يوم الجمعة الماضي الذي أكد فيه وقوف الحزب خلف “المير طلال”، واستغرب امتناع البعض عن طرح الموضوع داخل مجلس الوزراء والذهاب الى البنود العادية.

وها هو ارسلان يطلع في اليوم التالي (السبت الماضي) بتغريدة يحمل فيها على “مبادرة جنبلاط” ويصفها بـ “المقايضة” التي يحترفها تجّار الدم، مما يعني نعياً للاقتراح الجنبلاطي وعودة الى نقطة الصفر. لا بل ربما أدنى من الصفر مع الاعلان عن سفر الرئيس الحريري في “إجازة عائلية” فُسِرت لدى أوساط سياسية على أنها رسالة انذار أو تحذير لمن يعنيهم الأمر مفادها بأن صبره نفذ والكيل طفح، كما قال النائب سمير الجسر متوجهاً الى وزير الخارجية والمغتربين على خلفية “تجميد” التوقيع الرئاسي على الموازنة اعتراضا على ما وصف بـ “الاختلال الطائفي” في لائحة الفائزين بامتحانات “مجلس الخدمة المدنية”.

من هنا تبدو الصورة قاتمة. إذ لا إمكانية لالتئام مجلس الوزراء في وقت قريب. والمخافة أن يتعرض مصير الحكومة بذاته للاهتزاز.

على الصعيد الطرابلسي يبدو أفق التوصل الى اتفاق على رئيس للبلدية مسدوداً، حتى ساعة كتابة هذه السطور صبا ح الاثنين الماضي. كما ان الاتصالات التي أجريتها مع أكثر من عضو في المجلس لم تفدني بأن هناك جديداً نستبشر معه خيراً. وللحقيقة نقول أن الثقة انعدمت في المجلس البلدي الحالي، الذي لم نسمع عنه سوى المناكفات والصراعات داخله والتصويب على رئيسه السابق. وإذا كانت العلّة، كما يدّعي فريق من هذا المجلس بمن أزيح عن كرسيه، فما الذي يحول دون ايجاد البديل، أم أن الخلاف يكمن تحديداَ  في وجود كثرٍ يطمحون لخلافة قمر الدين، بينهم من يجاهر بذلك علنا وآخرون يبقون الرغبة دفينة الصدور.

واذا كانت قيادات المدينة لم تتدخل مباشرة في عملية الانتخاب هذه وأعلنت بأنها ستتعاون مع من يختاره الأعضاء رئيساً، والى أي جهة انتمى، وهذا مشجع دون شك، لكن المشكلة يا حضرات القادة أنهم عجزوا عن فعل ذلك. ونتمنى ألا يبقوا على حال المراوحة هذه غداً. أما إذا أخفقوا ومضوا في “سوق عكاظهم” فمن الأفضل أن يقدموا استقالة جماعية كي يتسنى للطرابلسيين انتخاب مجلس بلدي جديد لا تكبّله المصالح والحسابات الشخصية والسياسية والنزعات النرجسية.

(عن “البيان الطرابلسية)

مقالات ذات صلة