أمّي التي لا تغيب

د. فيصل طالب*

ثمّة أشياء في الحياة متمرّدة على التفسير والتبرير؛ إذ كيف لغيمات الدَكَن المتّشحة بوجوم القلق أن تنفرج أساريرها بضمّة مشبعة بطاقة الخروج من ظلام النفق إلى رحاب الضوء، ومن مضيق الاختناق إلى وسع المدى، ومن حفرة النكوص إلى تلال التبشير بأنّ الخير الكامن في حبات القمح لا يموت؟!

كيف للحقيقة العارية من وهْم السراب في مدى الصحراء اللاهبة أن تتدثّر بثوب الأمل الذي، وإن تغِبْ ملامحه، فإنّه يرهص بوجوده في طيّات البسمة الواعدة والمتغلغلة في رحيق الأمومة المنتشر ضوْعُه في فضاء العطاء الذي لا ينتهي برحيل صاحبته؛ لأنّه، ولشدّة دفْقه ورسوخه وتجذّره، قوّة دفع غير قابلة للنفاد، ما دامت تتناسل مفاعيلها مضاعفةً مرات كثيرة، تماماً كحال السنبلة الطالعة من حبّة قمح زُرعتْ في أرض رُوِيَتْ بتعب السنين، وأُعدّتْ بكدح الصابرين، لتكون وفيرة الجنى؟!

كيف لعينيك يا أمّي أن تخزنا كلّ ضوء الشمس الذي يسطع كلّما أظلمت الدنيا، فينير درباً تكوّر حول نفسه إلى حدود الاختناق، ويشرق مع رذاذ الفجر كلّما انسحب البِشْرُ وحلّ الضيق والكدر؟!

كيف لسحاب الضنْك أن يمطر فرحاً في حقولك، وموجِ الغضب أن يتلاشى زَبَداً فوق شطآنك، وجروحِ الحياة أن تبرأ ببلسم يديك الطاهرتين، وتعبِ السنين أن يرتاح على كتفيك، وهاجرةِ الأيّام أن تبرد في ظلالك، وهمومِ العيش أن تتخفّف من حمْلها بدروس التحمّل والتجاوز والاحتواء في مدرستك الزاهرة؟!

أمّي التي إن غابت شمسها عن الدنيا، فإنّ نورعطائها ساكن أبداً في قلوبنا، يقيم فيها منازلَ للحبّ لا يقوى على هدمها هادم حتى ولو كان الموت!

أمّي العاصية على التعب والانهزام والوهْن واليأس … عاصيةّ أيضاً على الغياب!

أمّي التي غادرتنا جسداً، وتجذّرت فينا روحاً ونهجاً وقِيَماً، وأودعت فينا عِبْرةَ الرجاء وقتَ الشدائد، وقوّة الصبر في الملمّات، وفضيلة العطاء في كلّ الأوقات… كيف لها أن تغيب؟!

 

*المدير العام السابق لوزارة الثقافة         

 

مقالات ذات صلة