جوليا بطرس وغياب المغامرة والسجن في غناء الثورة!

هذه أصواتهن وتجربتهن في الميزان النقدي الحلقة 9 من 12

كتب جهاد أيوب: 

جوليا بطرس : صوتها (  alto )، ألتو، وهو صوت هادئ، وثاقب، ولماح، يأخذك إلى أفاق ناعمة دون إزعاج، له خصوصية شفافة، ومن قماشه حساسة، ونظراً لعدم المغامرة والتنويع يصلنا بمحدودية ضيقة مع إن الفاهمين بعلم الأصوات يجدون فيه أكثر من ذلك، ولو أن صاحبته غامرت لكانت النتائج مغايرة كلياً، وأحياناً كثيرة صاحب الصوت لا يكتشف قدرات صوته، ولا يعرف بواطن اسراره وامكانياته، وقد يعطينا نصف ما لديه، والنصف الآخر تسكنه العتمة، وجوليا من هذا النوع، ورغم أنها استطاعت أن تصل إلى الناس، وتترك لديهم شغف البحث عنها، وحب لونها، إلا أن الفن لا يسكنها باستمرار، وتتعامل معه بخصوصيتها وبمزاجيتها، ربما يعود السبب إلى عدم وجود من ينافسها في لونها، والذي سبقتها إليه مطربة مصرية قديمة، تدعى فايدة كامل، وهذه الآخيرة انشغلت بالسياسة والتنظير بعد الشهرة، والفن يُقتل من جراء التنظير والسياسة!

وبصراحة، ورغم أسلوب جوليا في إتقان الغناء الثوري، هي تتعامل مع صوتها بكسل لا يستحقه، وعلى ما يبدو لا تحب المغامرة ونشدد على المغامرة وسنكررها كثيراً، ولا تسعى للسفر إلى نمط تلحيني وشعري مغاير لخطها، وهذا إن وافقت أو انزعجت يضر بصوتها وبتجربتها، ويضعها في مساحة تتكرر، وتضيق عليها وعلى مسامعنا، ولا أفهم لماذا لا تغامر وتنوع ولديها جمهورها الذي يحبها بتعصب، ويتقبل منها كل ما تغنيه، ويتبعها حيث تذهب في أنواع ما تغنيه وألوانها الفنية؟

 

▪النوع

نوع صوتها التو، تؤدي 11 مقاماً سليماً، يليق صوتها النابر بالوطنيات حتى الآن، وإذا غامرت وغيرت النوعية اللحنية والشعرية، وذهبت إلى من يسعى للبحث في صوتها داخل خبايا قد تجهلها هي سنتلمس تجارب ذهبية لأنها متزنة مثقفة ومؤمنة بما تقوم به!

جوليا هي مارسيل خليفة النساء في الخط والاتجاه مع فارق أنها لا تلحن لكنها تشعر بفيض ما تغنيه وما يعانيه محيطها وأهلها، وتحس بما تقدم، وتتقن ظهورها بالشكل والمضمون، ولا تتنازل عن المهرجانات الكبيرة لصالح حفلة عابرة، وتدفع من كيسها للموسيقيين لتطل بأجمل اطلالة مع خلفية سينوغرافيا بصرية وسمعية مدروسة ومتقنة، وهذا يقدمها على غيرها، ويميزها عن غيرها، ويصب في صالحها .

تمتلك جوليا حساً مفرطاً، وهذا تملكته من موهبة التمثيل، وقراءة الشعر بأنواعه، والأهم لديها شخصية مسرحية محببة حتى البرهة لم تكشف عنها، ولا تسعى إلى إظهارها، وقد تلغيها من قاموسها، ولو إنها كشفت الستارة عنها، واقتحمت جنون التمثيل والغناء المسرحي لأحدثت ضجة وجدلية تصبان في صالح صوتها ومسيرتها…

للمسرح الغنائي سحره وخصوصيته وثقافته وتلوينه تحتاجه قيمة كقيمة جوليا، وهذا يعطيها إضافة واللمعان والبريق وصفحات جديدة تبقيها في الذاكرة أطول، وهي تحتاجها الآن لأن العمر يمر، والصوت مع الأيام يتعب وقد يشيخ، بينما الغناء المسرحي يشبشبه، ويعطيه أسرار الرشاقة والانتشار، ومنافسة الأيام المقبلة!

التزمت جوليا بالغناء الوطني، وأجادت لا بل تفوقت بغناء القضية، وقلما أقنعتنا بالغناء العاطفي، والأغرب أننا نشعر كما لو كانت لا تجيد الغناء الدرامي لكونها لم تجرب الألحان والكلام خارج الخط الذي سجنت صوتها فيه، وهي هنا أصبحت نمطية الحضور، وغريبة البحث عن تلوين لا بد منه، وإن فعلت يحسب لها ولمشوارها، وعلى المطرب أن يلون وينوع مهما حاول أن يسجن صوته بخط يعتقد انه بصمته، البصمة في روحية ما يقدم وليس في نمطية ما يقدم، والصوت يعشق البحث والجديد والتجديد، ولا يقف عند لون معين، بل خصوصيته أن يسبح في كل الألوان وأنواع الغناء حتى يتألق أكثر… لذلك ادعوها إلى توسيع دائرة الملحنين والشعراء، وخلع معطف كلاسيكية الأداء والفكرة والشعر، وكما لا بد من لفت نظرها إلى أن نوعية الشعر الذي تقوقعت في داخله لم يعد يضيف إليها مسافات ومساحات جديدة مهما ضرب على وتر الأوجاع وقضايا الساعة!

 

▪ السفر

في أغنية “وين مسافر” عبرت الدراما التراجيدية بذكاء يدل على ان التجريب تستحقه، وقد تعطي أفاقاً يحتاجها صوتها وتجربتها وجمهورها، ومع  الموسيقار إحسان المنذر في “وقف يا زمان”، وتحديداً في المقطع الأخير الذي يتسم بالحماس الوطني أجادت فيه، ولكن المطلع الذي فيه عاطفة ووجدان لحني وكلامي لم تخدمه جيداً، ولا أدري لماذا لم يطلب منها صاحب اللحن أن تعيشه حتى الإحساس الحقيقي والمطلوب؟!

هذه الأغنية تتطلب إعادة انشادها على المسرح، والأخذ بما طرح من ملاحظة، لا بل عليها خلال الغناء أن تعيد المقطع العاطفي بذكاء استخدام عاطفة المرأة لا بالأسلوبها الثائر حيث يضر، وتفاعل الجمهور سيضيف رونقاً خاصاً، وحماسية درامية تفيد الأداء!

من المعروف أن جوليا حساسة جداً، وتعيش دراما إنسانية مفرطة إذا تلمست أوجاع الآخرين، وهي متصالحة جداً مع روح جوليا وتصرفها الخارجي، ولكن هذا لا يظهر أو يستغل في الغناء الدرامي والعاطفي، ومن هنا دعوة صافية وصادقة للمغامرة ونكرر المغامرة على أكثر من صعيد خاصة في الغناء العاطفي، في الغناء التراجيدي، في الغناء الرومانسي، وفي غناء ألوان وأنواع موسيقية مختلفة مما هي عليه، ومما يقدمه زياد بطرس، والأهم الدخول في عالم ومعمعة المسرح مع الاستعراض!

 

صوت جوليا نحتاجه، ونتعامل معه بحكمة وبمسؤولية، ومع الزمن لن يستمر في فوضوية الانتشارات الفنية المنوعة والكثيفة والمتجددة والغبية والتافهة والعاجزة لكنها تأخذ مساحة في زمن استهلاكي وسريع، على الصوت الجيد أن يثابر كي يبقى لا أن يعيش النق والهروب!

مقالات ذات صلة