اللبناني بين تصدير الحرف وحلم الهجرة

كتب د. حسان فلحة*

عندما أطلق الصادق النيهوم مقولته الشهيرة بأن الشعوب التى تفشل في تشخيص أمراضها بشجاعة تموت نتيجة تناولها الدواء الخطأ، حينها لم يكن يعلم أنه سيأتي يوم على اللبنانيين تمسي أحلامهم أسلاكا من كهرباء أو صفوفا من أرغفة أو طوابير من الوقود أو حبات دواء تستعطف من أهل الاغتراب، ولكنّه سيتيقّن بأنهم رموا شعاراتهم الأرجوانية بتصدير الحرف وأشرعة سفن تَعِبُّ البحر واستبدلوا بطاقات السفر بها إلى وجهة واحدة بلا عودة حتى بلغ اليأس عندهم مقاما “أنهم لا ينظرون وراءهم لأنهم يعلمون أن النحس يلازمهم وأن الشقاء يطاردهم” مثلما وصف فيكتور هيجو بائسيه، إلا أن المفارقة اللافتة أنه ‏لم يعد اللبنانيون مكترثين وفق انطباعاتهم المتقلبة على زحمة الأزمات الكبرى من التراجع الحاد والانكفاء المتسارع لمساحة الحضور الوطني إزاء تزايد النزوع نحو الطوائفيّة والمذهبيّة التى لم تهن من طغيانها الانهيارات الماليّة والاقتصاديّة والمعيشيّة وضمور الثقة بالدولة إلى حدود العدم.

ومهما حاول هؤلاء المتعبون من ثقل انتمائهم الطائفيّ وتاهوا في معادلات الذود عن براهين تبعات تموضعهم السلفي والعصبيّ، فإن اللبنانيين يخطئون في حسابات تطرفهم حتى يظنّ الواحد أن في البلد مرضا عامّا يسقط طبيعة الأشياء ومآل المسارات ويعاندون أن الكرة ليس لها إلا سطح واحد وأن سقوط بلدهم متعدد القعر.

لم يعد لمعتقداتهم شديدة التنافر الضمنيّ والمراوغة العلنيّة، أصل وطائل، ومع هذا فان سحر الانتماء والانشداد إلى حفظ ذات النوع تطيح بالورود إلى الإطار الوطنيّ والانجذاب الى الاندماج العام، والمثالية في الحالين طاغية على مجمل التكذاب والمجاملة ذات الابتسامات الصفراء.

لقد وهن لبنان من كثرة الاستقواء الخارجي وتعب من التراخي الداخلي وأن الدولة عند أهله، هي ليست إلا انقلاب الزمان ويقرون بأنها حصرًا عندهم، لا تحتكر ممارسة القوة الشرعيّة ولا “تحتكر وسائل العنف الشرعيّ في المجتمع” كما ذهب إليه العالم الألمانيّ ماكس فيبر.

ليس هينا أن يستبدل اللبنانيّ انفتاحه المشهود بين أقرانه بتعدد الانتماءات وتمددها، بانطواء حاد يختصر ابلغ طموحاته بالسعى إلى اكتساب الهجرة والجنسية بدلا عن مواطنة مفقودة حتى إشعار اخر …

* مدير عام وزارة الاعلام