الولاية القضائيّة العدليّة الشاملة لملاحقة رئيس مجلس الوزراء والوزراء والتحقيق معهم ومحاكمتهم

كتب الوزير السابق سليم جريصاتي

هل يمكن ملاحقة رئيس مجلس الوزراء والوزراء والتحقيق معهم ومحاكمتهم لدى القضاء العدلي، وتحديداً أمام المجلس العدلي والمحقق لديه، بعد أن أحال مجلس الوزراء جريمة انفجار المرفأ على المجلس العدلي بالمرسوم رقم 6815 تاريخ 12 آب 2020، وبادرت وزيرة العدل إلى تعيين محقق عدلي عملاً بالنصوص المرعيّة ؟

استمع المحقق العدلي إلى رئيس حكومة تصريف الأعمال بصفة شاهد، وذلك بعد أن انتقل وكاتبه إلى مقرّ المستمع إليه عملاً بالمادة 85 من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة، علماً أن الاستماع إلى الشهود هو جزء من التحقيق وتكتنفه بالتالي السريّة التامة حتى صدور القرار النهائي عن المحقق العدلي بنتيجة التحقيق، كما ادّعى على وزراء سابقين، ثلاثة منهم نواب حاليون.

كلّ هذا أثار جدلاً، جلّه سياسي ومتمظهر بعريضة نيابيّة واقتراحات قوانين، حيث لا يسعنا إلا قول الحقّ من منطلقين اثنين:

المنطلق الأوّل: الولاية الشاملة للقضاء العدلي العادي:

إنّ ملاحقة رئيس مجلس الوزراء والوزراء والتحقيق معهم ومحاكمتهم هي إجراءات لا تدخل حصريّاً في اختصاص مجلس النواب والمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، على ما يتبيّن صراحةً من المادتين 70 و 71 من الدستور والمادة 18 من القانون رقم 13 تاريخ 18/8/1990 (أصول المحاكمات أمام المجلس الأعلى المنصوص عنه في المادة 80 من الدستور)، ذلك أنّ مبادرة مجلس النواب إلى اتهام رئيس مجلس الوزراء والوزراء بالخيانة العظمى أو الإخلال بالواجبات المترتبة عليهم إنما تقع في دائرة الاختصاص الجوازي وليس الوجوبي، وكذلك بالتالي محاكمتهم أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء على عكس ما هي الحال بالنسبة لاتهام رئيس الجمهوريّة ومحاكمته وفقاً لأحكام المادة 60 من الدستور التي تنصّ أنّ تبعة الرئيس في ما يختصّ بالجرائم العاديّة إنما تخضع للقوانين العامة، في حين أن لا تبعة عليه وظيفيّاً إلا عند خرقه الدستور أو في حال الخيانة العظمى، ولا يمكن اتهامه بالجرائم العامة أو الوظيفيّة تلك “إلا من قبل مجلس النواب بموجب قرار يصدره بغالبيّة ثلثيّ مجموع أعضائه ويحاكم أمام المجلس الأعلى …”. إنّ مردّ هذه الخصوصيّة الدستوريّة هو فرادة وظيفة الرئيس (رئاسة الدولة) ورمزيّة موقعه (وحدة الوطن) وقسمه دون سواه اليمين الدستوريّة فور انتخابه من مجلس النواب، السلطة الأكثر التصاقاً بالإرادة الشعبيّة، فيُتهم منها ويُحاكم حصريّاً لدى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. إلا أنّ كلّ ذلك لم يحل دون وضع الرئيس نفسه بتصرّف القاضي المختصّ، وفقاً لسلطان تقديره، لسماع إفادته في الجريمة المحالة على المجلس العدلي والتي هزّت الضمير المجتمعي والعالمي.

إضافةً إلى ما سبق لجهة الاختصاص الجوازي لمجلس النواب والمجلس الأعلى، يبقى أنّ المادة 70 من الدستور تنصّ على أنّ لمجلس النواب أن يتهم رئيس مجلس الوزراء والوزراء في حال ارتكابهم الخيانة العظمى أو إخلالهم بالواجبات المترتبة عليهم، ولا تشمل هذه المادة الجرم الجنائي الذي قد تتم بموجبه ملاحقة الوزراء السابقين (سواء كانوا نواباً أم لا)، الذي يخرج عن دائرة اختصاص مجلس النواب اتهاماً، والمجلس الأعلى محاكمةً.

إنّ الولاية الشاملة للقضاء العدلي بملاحقة رئيس مجلس الوزراء والوزراء لارتكابهم أفعالاً جرميّة في معرض ممارستهم مهماتهم أو خارجها، والتحقيق معهم ومحاكمتهم، لا يحول دونها أيّ حصانات، لا ينصّ عليها الدستور أصلاً، بحيث لا يجوز اعتبار أنّ الأصل هو أن تتم الملاحقة من مجلس النواب، والاستثناء من القضاء العدلي المختصّ، وأن تتم المحاكمة لدى المجلس الأعلى وليس أمام القضاء العدلي المختصّ.

إلا أنّ الاجتهاد القضائي اللبناني لم يستقرّ على تفسير واحد للإخلال بالموجبات الوظيفيّة، إذ في حين بادر بعضه إلى ملاحقة الوزراء ومحاكمتهم قضاءً، امتنع اجتهاد آخر عن محاكمة وزير عن أفعال جرميّة ارتكبها في معرض ممارسة مهامه وأحاله بالاختصاص إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، وقد بادرت الهيئة العامة لمحكمة التمييز إلى التفريق بين الموجبات المترتبة على رئيس مجلس الوزراء والوزراء المتصلة مباشرةً بمهامهم، وبين الأفعال الجرميّة التي يرتكبها رئيس مجلس الوزراء والوزراء في معرض ممارسة هذه المهام، وسواها من الجرائم، ما أضاف إلى الغموض والتبعثر عاملاً آخراً يتعلّق بالتوصيف الجرمي.

أما الولاية الشاملة للقضاء العدلي العادي في الملاحقة والمحاكمة، فهي ترتكز على الحجج الآتية :

1 – إنّ مبدأ المساواة بين اللبنانيين أمام القانون من دون تمايز أو تفضيل في ما بينهم هو من المبادئ العامة الدستوريّة النصيّة، التي لا يمكن الخروج عنها إلا بموجب نصّ دستوري خاص وصريح، على غرار المادة 60 من الدستور، ويلاقيه ويوازيه مبدأ عدم الإفلات من الملاحقة والعقاب قضاءً.

2 – إنّ المساءلة والمحاسبة القضائيّة هما من أسس نظامنا الديمقراطي البرلماني، لا سيّما في ضوء مبدأ فصل السلطات وتعاونها وتوازنها، والولاية القضائيّة إنما يخصّها الدستور، في مادته العشرين، بالمحاكم على اختلاف درجاتها واختصاصاتها بموجب قانون يحفظ بموجبه للقضاة والمتقاضين الضمانات اللازمة، على أن يستقلّ القضاة في إجراء وظيفتهم وعلى أن تصدر القرارات والأحكام من قبل كلّ المحاكم وتنفذ باسم الشعب اللبناني. هذا ما يفسّر، على الأقلّ، أن يتمّ التحقيق مع القضاة المشتبه بهم ومحاكمتهم عند الاقتضاء وفقاً لأصول خاصة معمول بها لدى القضاء نفسه، حيث لا حصانة للقضاة تمنع ملاحقتهم جزائيّاً، تلك الملاحقة غير المعلّقة على أذونات مسبقة.

3 – لم ينصّ الدستور على أيّ حصانة لرئيس مجلس الوزراء والوزراء تحول دون الملاحقة والمحاكمة أمام القضاء العدلي المختصّ، وأنّ أيّ تبرير بأنّ للنواب الوزراء حصانة من حيث أنّهم نواب تحول دون ملاحقتهم كوزراء عملاً بنصّ المادتين 39 و 40 من الدستور، إنما هو تبرير لا يقع صحيحاً في موقعه القانوني، ذلك أنّ المادة 39 من الدستور تحظّر إقامة أيّ دعوى جزائيّة على أيّ نائب بسبب الآراء والأفكار التي يبديها خلال فترة نيابته، وهي حصانة لا تنسحب على الأفعال الجرميّة التي يرتكبها النائب، في حين أنّ المادة 40 من الدستور تحظّر اتخاذ إجراءات جزائيّة ضدّ أيّ نائب أو إلقاء القبض عليه أثناء دورات انعقاد مجلس النواب في حال اقترف جرماً جزائيّاً، إلا بإذن المجلس، ما خلا حالة الجرم المشهود، ما يعني أنّ هذه الحصانة غير متوافرة خارج الدورات ولا شيء يحول دون ملاحقة النائب المرتكب، على أن تحصل الملاحقة خارج عقود انعقاد مجلس النواب.

نداء الوطن

مقالات ذات صلة