ما بعد العقوبات الأميركية/ غالب قنديل

تستخدم الإمبراطورية الأميركية أدوات سيطرتها على أسواق العالم المالية والمكانة المهيمنة للدولار في حركة التجارة العالمية في فرض هيمنتها السياسية والاقتصادية وفي خوض حروبها الاقتصادية لإنهاك المتمردين والمنافسين على مساحة العالم.

تتجسد هيمنة الإمبريالية الأميركية في احد وجوهها عبر ما يسمى سيادة الدولار والتحكم الأميركي بالقسم الرئيسي من حركة التحويلات المصرفية التي تجري بنظام السويفت وتمر حكما بنيويورك كمركز للمقاصات البنكية العالمية وقد طورت الولايات المتحدة عبر هذه الهيمنة المالية والمصرفية العالمية الواسعة سلاحا إضافيا لإخضاع الدول المتمردة على مشيئتها والتي تدافع عن استقلالها الوطني وترفض الإذعان عبر العقوبات الأميركية المتلاحقة منذ اكثر من ثلاثة عقود.

توسعت إدارة ترامب في فرض العقوبات وإحكامها خلال السنوات الأخيرة وشملت بها مروحة واسعة من الدول المنافسة والشريكة فشملت بلدان الغرب الأوروبي شريكة الإمبراطورية في حلف الناتو كما طالت دولا عظمى كروسيا والصين وهي تشمل بالطبع ومنذ أربعين عاما الجمهورية الإسلامية وحليفتها الجمهورية العربية السورية وفي لبنان تطال العقوبات الأميركية القطاع المصرفي برمته وبتفاصيل حركته اليومية الخاضعة لرقابة اميركية محكمة تحت عنوان هو فعليا عنوان صهيوني صريح “تجفيف موارد حزب الله.”.

تصنف اللوائح الأميركية حزب الله كقوة إرهابية بسبب مقاومته الباهرة “لإسرائيل ” خلال اكثر من ثلاثين عاما وقدرته على إلحاق الهزائم بحروبها العدوانية ودحر احتلالها عن التراب الوطني اللبناني وبعدما تمكن الحزب في السنوات الأخيرة من التحول إلى قوة إقليمية فاعلة وحاسمة في النضال ضد غزوة التكفير وعبر مواصلة السعي لردع العدوانية الصهيونية وحماية لبنان بجعل الحروب خطرا بعيدا خشية الكلفة المرتفعة لردود الحزب المرجحة التي يعرف الغربيون والصهاينة ما تستطيع توليده من الخسائر المؤلمة والمكلفة.

العقوبات الأميركية تطال القطاع المصرفي اللبناني وتخضعه لوصاية مباشرة من خلال الانصياع اللبناني باعتبار تعاميم وزارة الخزانة الأميركية قوة ملزمة لإدارات جميع البنوك اللبنانية التي تجمد حسابات لعملائها وترفض فتح اعتمادات لشركات لبنانية مرخصة قانونا وتغلق حساباتها وتقيد استخدام آلاف المودعين اللبنانيين والسوريين لأرصدتهم المقدرة بالمليارات بناء على مراسلات واشنطن وتعليماتها فوظيفة العقوبات تتخطى الاقتصاد اللبناني إلى فرض الحصار على سورية من لبنان.

استجابت السلطة السياسية ورضخت لاستباحة مفوضي العقوبات الأميركية جميع خلايا القطاع المصرفي اللبناني دون أي اعتبار للسيادة الوطنية وهي لم تسجل حتى موقفا لفظيا كما تفعل في بياناتها عن الخروق الجوية الصهيونية. والكذبة الاميركية الكبيرة السارية هي القول إن العقوبات تستهدف حزب الله بينما يعترف العديد من الخبراء ورجال الأعمال بان نتائجها التخريبية تطال معظم نشاطات الاقتصاد اللبناني وتستهدف تحويلات المغتربين اللبنانيين والمقيمين السوريين وودائعهم وتهدد الولايات المتحدة بتوسيع نطاقها سياسيا وماليا تحت شعار محاصرة داعمي حزب الله لترهيب العديد من الأطراف السياسية.

أعلن حزب الله دائما انه لايطلب من أحد شيئا وان لاقيمة للعقوبات التي يتركز هدفها في توليد ضغوط إضافية سياسية ومعنوية لمحاصرته داخل لبنان بينما هو قادر على احتواء النتائج ومواصلة نضاله الوطني دفاعا عن لبنان والمنطقة في وجه الحروب الأميركية الصهيونية والأكيد ان حزب الله أثبت قدرة عالية على التكيف رغم ما لحق من أضرار مباشرة بمؤسساته الإعلامية والصحية والاجتماعية التي تلكأت السلطات اللبنانية في حمايتها عملا بأبسط الاعتبارات السيادية التي ترد كثيرا في الخطب اللبنانية لكن ذلك لا يعفي من مناقشة سبل المواجهة.

ينطلق حزب الله من مبدأ عدم مطالبة الجهات التي يشاركها المساكنة داخل النظام بما يتخطى استعدادها وقدرتها على التحمل ومن اعتبار المعركة المركزية على مستقبل المنطقة كفيلة بتغيير كل شيء ومن هنا تتركز جهوده على الجمع بين الإدارة الهادئة لحركته في قلب التوازنات اللبنانية الحساسة بطلب الممكن والمثابرة على مراكمة عناصر القوة الفاعلة للمقاومة وتوسيع دوائر تأثيرها الإقليمية في صنع المعادلات الكبرى الجديدة.

السؤال المطروح على كل وطني لبناني غيور من خارج حزب الله ما هو الممكن بعد العقوبات لتفكيك هذه الوضعية ولتحريك ركود الإذعان والتمرد على الترويض الأميركي وهل هناك إمكانية واقعية لتحريك تيار شعبي لبناني رديف يدافع عن السيادة والاستقلال ضد إمبريالية القروض والعقوبات التي تمس سيادة البلد التي انشاها المقاومون بدمائهم وأرواحهم ؟ هل يصح الصمت على استهداف المقاومة وحزبها الرئيسي لمصلحة إسرائيل وتسويغ التكيف مع ادوات الاستهداف ؟ وما هو المانع الذي يحول دون إطلاق تحرك عابر للطوائف والمناطق والعقائد يخوض معركة الدفاع عن الوطن ضد الهيمنة الاستعمارية بجميع ادواتها؟

إننا نوجه الدعوة إلى جميع المؤمنين بالاستقلال والتحرر من الهيمنة وإلى القوى الوطنية على اختلافها بجميع مشاربها العقائدية والسياسية لتحريك ديناميكية جديدة في الحياة السياسية بعمل شعبي مبادر ضد الهيمنة الاستعمارية الأميركية التي تحاصر لبنان ومقاومته المنشئة للسيادة الوطنية وهي تمنع أي خيارات لبنانية للشراكة الإقليمية مع جوارنا الطبيعي بدءا من سورية والعراق وإيران وصولا إلى الصين وروسيا … دعوا حزب الله يقوم بعمله ويضمن تعاظم قدرات الحماية والردع واهتموا بجدول الأعمال الذي يرفد قدرته الجبارة على التحمل ومواصلة بناء المقاومة بهدوء ومثابرة وحرصه على عدم هز التوازنات القلقة سياسيا وطائفيا.

(التحليل الاخباري)

مقالات ذات صلة