لا إصلاح قبل كسر ثنائية الفساد والسلاح

العميد الركن نزار عبد القادر

كعادته في مواجهة تأزم الأوضاع الداخلية لجأ الرئيس ميشال عون إلى دعوة المجلس الأعلى للدفاع للاجتماع بعد ظهر أمس الثلاثاء للبحث في التطورات الدراماتيكية التي تشهدها البلاد في ظل التدهور الكبير الحاصل في قيمة الليرة، وانعكاسات ذلك على أسعار السلع الأساسية، بالإضافة إلى أزمة المحروقات المستمرة منذ بضعة أسابيع. ويبدو بأنه قد غاب عن ذهن الرئيس بأنه لا يمكن معالجة مثل هذه الأزمات ونتائجها من خلال قرارات أمنية يتخذها المجلس الأعلى للدفاع، والذي من المفترض ان تأخذ مقرراته طابع التوصيات التي يرفعها إلى مجلس الوزراء لاتخاذ القرارات اللازمة لتنفيذها، وذلك انطلاقاً من النص الدستوري الذي وضع صنع القرارات الوطنية حصراً في مجلس الوزراء. كان الأولى بالرئيس عون وتياره السياسي ان يبذلوا جهودهم لاطلاق المبادرات لتشكيل الحكومة منذ الاسابيع الأولى التي كلف بها سعد الحريري بتشكيلها، وهو الأمر الذي لم يفعلوه، بل بذلوا كل ما يملكونه من قدرات لفرض شروطهم التعجيزية عليه، لتعطيل التشكيل، وتعميق الأزمة الاقتصادية والمالية التي تواجهها البلاد.
ad

لبنان متروك لمصيره، بعدما تخلى عنه الأشقاء والأصدقاء وذلك نتيجة الخيارات والقرارات الخاطئة التي اعتمدها سيّد العهد وحزبه وحلفاؤه في حزب الله. في ظل السياسات الخاطئة المتبعة داخلياً وخارجياً فقد العهد وحكوماته ثقة الشعب اللبناني، كما فقدوا ثقة المجتمعين الدولي والعربي، بحيث بات لبنان في حالة «حجر» سياسي واقتصادي ومالي، وهذا ما اشرت إليه جميع الجهود التي بذلها رئيس الحكومة المستقيلة حسان دياب لزيارة إحدى الدول العربية المؤثرة ولكن دون جدوى، كما تؤكده العقوبات الأميركية التي فرضت على عدد من الوزراء بتهمة الفساد، وعلى رأسهم وزير الخارجية الأسبق جبران باسيل، صهر الرئيس وقائد تياره السياسي.

صحيح ان لبنان يُعاني من أمراض بنيوية في اقتصاده وماليته منذ منتصف التسعينيات، وقد فشلت الحكومات المتلاحقة في الاستفادة من الفرص التي قدمها أصدقاء لبنان من خلال المؤتمرات التي عقدوها لمد يد العون له، ابتداءً من باريس واحد وباريس -2 وباريس -3 وأخيراً من خلال مؤتمر «سيدر» حيث وعدوا بتقديم ما يزيد على 11 مليار دولار كمشاريع قروض ومساعدات لقاء قيام السلطات بعدد من الخطوات الإصلاحية، لكن وكالعادة في العهود السابقة، فقد فشل عهد عون وحكومة الحريري بالقيام بأية خطوة للاصلاح المالي والاقتصادي، ولضبط استشراء آفة الفساد.

نتلهى الآن بالنقاش الفارغ من أي مضمون سياسي أو إصلاحي عن المكاسب التي يمكن ان يحققها هذا الفريق أو ذاك من خلال توحيد المعايير في التوزيع والتشكيل أو من خلال الحصول على «الثلث المعطل» في الحكومة، أو عن الحفاظ على حقوق المسيحيين، وفق جنوح دعوات جبران باسيل لشد العصب المسيحي للتعويض عن خسائر التيار لنسبة كبيرة في قواعده الشعبية، في الوقت الذي يبدو فيه البلد بأمس الحاجة لحكومة تبطئ الانزلاق إلى قعر الهاوية.

يخطئ من يعتقد بأن الحكومة العتيدة ستنجح في انتشال البلد، وتصحيح مساره الاقتصادي والمالي في ظل المساعي الحثيثة الجارية لتعويم الطبقة السياسية، والتي يرعاها حزب الله، وبحماية القوى الأمنية وبدعم من «محور الممانعة» وذلك حفاظاً على الحلفاء وعلى ما يؤمنونه من تغطية داخلية لاستمرار الدويلة في الداخل، والدور الإقليمي في الخارج.

في رأينا ان أقصى ما يمكن ان تحققه الحكومة، في حال تشكيلها، لن يتعدى بعض الحلول والتدابير المؤقتة لمعالجة بعض وجوه الأزمة الحياتية والتموينية، وذلك بهدف امتصاص النقمة الشعبية المتفاقمة ضد السياسيين والحكام، وتحضيراً للانتخابات المقبلة في أيّار 2022.

في رأينا لن تستطيع الحكومة العتيدة اجتراح الحلول الإصلاحية وبما يفتح امامها الباب لاستعادة ثقة الخارج والداخل، وبالتالي القيام بالاصلاحات المطلوبة، وبما في ذلك محاربة الفساد، وكشف الناهبين للمال العام من خلال اجراء التدقيق الجنائي في مصرف لبنان وفي مختلف وزارات ومجالس وصناديق الدولة. ان فتح الباب لمثل هكذا تدقيق يعني إصدار حكم الإعدام أو الالغاء لعدد كبير من السياسيين ولعدد من التيارات والأحزاب.

ستتطلب عملية الإصلاح في لبنان قدرات لا تملكها أية حكومة يمكن ان تتشكل في لبنان في ظل حالة الفساد السياسي، وفي ظل نظام الدستور الحالي الذي كرس سلسلة من التوازنات والميثاقيات المذهبية والطائفية، والتي تسببت خلال ثلاثة عقود بمنع حصول أية عملية إصلاحية مطلوبة من أصدقاء لبنان.

تدفعني هذه الرؤية لقطع الأمل بنجاعة ما يمكن ان تقدمه أي حكومة يمكن ان تشكّل في ظل الظروف الراهنة. كما انني ألفت الانتباه إلى ضرورة عدم التفاؤل بما يمكن ان تحققه الدعوة للانتخابات المبكرة أو في استحقاقها عند نهاية دورة المجلس الحالي، في ظل استمرارية ممارسة هذه الطبقة السياسية لدورها في التحضير للعملية الانتخابية مع الإبقاء على قانون انتخابي «مقيت» يكرّس المذهبية والطائفية في أضيق مفاهيمها، والذي من المتوقع ان يأتي باكثرية نيابية خاضعة لاوامر ومصالح حزب الله، ومحور «الممانعة والمقاومة».

تتطلب العملية الإصلاحية في رأينا، إعادة نظر شاملة بالنظام السياسي، ويستدعي هذا الأمر مؤتمرا واسعا للحوار الوطني، وبرعاية دولية وعربية، يؤسّس لوضع دستور جديد لدولة مدنية حديثة، تحل مكان دولة الطوائف والمذاهب المتنابذة والمتصارعة. لكن، في خضم هذا الاختلال الحاصل في موازين القوى بين الدولة والدويلة، فإنه لا بدّ من حل الدويلة، وبالتالي تخلي حزب الله عن سلاحه ودوره كقوة إقليمية تعمل لصالح إيران، وبما يؤي إلى تحرير الحوار الوطني من قوة الضغط القاهرة التي يمكن ان يستغلها الحزب للتأثير على خيارات المتحاورين. ولكن لا تعني الدعوة للحوار الوطني الاستمرار في النهج الراهن بالدعوة لمؤتمر تأسيسي، يكرّس «المثالثة» بدل «المناصفة»، بل يجب ان يجري على أساس اعتماد المقاربة الواضحة لقيام دولة مدنية وعلمانية، دولة المواطنة التي ستحل مكان دولة المذاهب.

السؤال المطروح: كيف يمكن ان يقبل حزب الله بالتخلي عن سلاحه؟

لا بدّ من اعتماد مقاربة مرنة، تستعمل عامل الوقت بالإضافة إلى السعي لتأمين الظروف السياسية الدولية والإقليمية لدعم هذه العملية.

في هذا الإطار، يمكن العمل منذ الآن على تطوير مبادرة البطريرك بشارة الراعي بالدعوة لمؤتمر دولي، يُساعد على حل قضية السلاح كمخرج دولي لازم لحل أزمة لبنان السياسية والاقتصادية.

لا بدّ من ادراج مسألة عودة النازحين السوريين إلى بلادهم في جدول أعمال المؤتمر الوطني للحوار، بغية الاستفادة من الدعم الدولي والإقليمي.

في النهاية حان الوقت لكي يُدرك اللبنانيون بأن بلدهم مخطوف من قبل حزب الله منذ خروج الجيش السوري في ربيع عام 2005، وبأنه قد عمل كل ما باستطاعته لمنع قيام الدولة المستقلة والسيدة، وهذا ما تسبب باضعاف جمهورية الطائف وتفكيكها، بحيث انه لم يعد بامكانها القيام بأدنى وظائفها، التي نص عليها الدستور والقوانين.

ويمكن اللجوء إلى معالجة الأوضاع المتدهورة من خلال العمل على مسلكين: الأوّل، الضغط لتشكيل حكومة تهتم بمعالجة الوضعين المالي والمعيشي. والثاني، احياء إعلان بعبدا والالتفاف حول مبادرة البطريرك الراعي بالحياد وبعقد مؤتمر دولي يفتح الباب لضمان قيام الدولة المدنية العلمانية القادرة.

مقالات ذات صلة