مخزومي صوت ضد الموازنة: ليست إصلاحية.. وغياب قطوع الحسابات امر لا يصدق

اكد ان إنشاء محرقة في بيروت مرفوض بالمطلقِ لأنه يشكل خطراً أكيداً على البيئة والصحة

رأى رئيس حزب “الحوار الوطني” النائب فؤاد مخزومي ان “غياب قطوعات الحسابات منذ 1993 أمر لا يصدق، وخفض اعتمادات وزارة التربية والتعليم أمر غير مقبول”، مؤكدا أن “انشاء محرقة في بيروت مرفوض بالمطلق لانه يشكل خطرا اكيدا على البيئة والصحة العامة”.

ولفت الى أن “العالم من حولنا في حراك والمخاطر تشتد ونحن نغرق في “شبر” موازنة ويا ليتها كانت حسنة، كما تأتي دون قطع حساب”، معتبرا أن “أمور البلاد تدار على مبدأ التسوية، وهذا النهج بات هو القاعدة، لكن هل يمكن لهذا النهج أن يحفظ ​الدستور​ من غير شفافية ولا حوكمة”.

وفي مداخلة له خلال الجلسة الثالثة ل​مجلس النواب​ لمناقشة مشروع موازنة 2019، شدد مخزومي على أن “الحل يكمن في نهضة ​الدولة المدنية​ وليس الدينية، الإصلاح يبدأ من مجلس النواب الذي تقع على عاتقه المحاسبة والمساءلة إلا أن التوازن فيه كما هي في ​الحكومة​”، مشيرا الى أن “الأزمات كثيرة وليس أقلها تثبيت سعر صرف الليرة، هذه المشلكة تتحملها الحكومات المتعاقبة وتقف وراء الانكماش ونتطلع الى حلها”.

وذكر أن “​الدين العام​ وصل الى 82 مليار دولار وماذا فعلنا لخفضه، وكل ما يشاع عن تخفيض ​العجز​ هو حبر على ورق خصوصا أننا شارفنا على نهاية العام ويجب إنجاز موازنة 2020 قبل نهاية آب المقبل”،

وجاءت كلمة مخزومي على النحو الآتي: “نحن في نهايات العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين. العالم من حولنا في حراك شديد، الصراعات في الإقليم تتصاعد، المخاطر من حولنا تشتد ونحن نغرق في “شبر” موازنة، ويا ليتها كانت حسنة تخرج من هذا المجلس من غير تشوهات ليس أقلها أنها تأتي من غير قطع حساب.

مع ذلك نحن ندرك أن أمور البلاد تدار على مبدأ التسوية. فهذا النهج بات هو القاعدة، إذ تتحرك قضايا البلد بين ثلاث: الدستور، الميثاقية، والأعراف. لكن هل يمكن لهذا النهج أن يحفظ الدستور؟ من غير شفافية ولا حوكمة.. نخرق الدستور باسم الميثاقية كل يوم بل كل ساعة وكل دقيقة. لا شك بأن الحل يكمن في نهضة الدولة الوطنية لا الدولة الطائفية أو الدينية أو المذهبية. ومع تقديرنا لمجلس النواب وعمل لجانه الدؤوب، على دراسة نوعية تُعتبر الأولى في تاريخ المجلس وضعت المداميك والأسس لنقاش أي موازنة مقبلة. ومع علمنا بأن الإصلاح يبدأ من مجلس النواب الذي تقع على عاتقه مسؤولية المراقبة والمحاسبة، لكن الواقع يفيد بأن التوازنات في مجلس النواب هي نفسها التوازنات القائمة في الحكومة العتيدة. فماذا نفعل سوى أن نرفع الصوت؟ ولا بدّ أن يصل هذا الصوت. لأن المواطن اختارنا من أجل التغيير.

الأزمات كثيرة ليس أقلها مشكلة تثبيت سعر صرف الليرة. فهذه المشكلة القائمة منذ العام 1992 والتي تتحملها الحكومات المتعاقبة وتقف وراء الانكماش والتراجع الاقتصادي اليوم، نتطلّع إلى حلّها والحد من الخسائر الناتجة عنها.

الدين العام بلغ رسمياً حوالى 81.9 مليار دولار. التساؤل المشروع هنا هو: ماذا فعلنا لخفض هذا الدين؟ وماذا ستفعل هذه الموازنة لحل هذه الأزمة في ظل غياب السياسات النقدية الواضحة؟ وماذا ستفعل أيضاً في ما يتعلق بالنمو الذي يقدره صندوق النقد الدولي بـ 0%؟ جميعنا نعلم أن كل ما يشاع عن تخفيض العجز هو حبر على ورق، خصوصاً أننا شارفنا على نهاية العام وكان من المفترض أن الحكومة قد أنجزت موازنة العام 2020 قبل آب المقبل، وهذا الوضع لا يحسِّن مالية الدولة. فالهيئات الاقتصادية العالمية والبنك الدولي ينتظران منا الكثير، عدا عن الوعود التي قدمتها هذه الحكومة لـ “سيدر” بإنجاز إصلاحات هيكلية حقيقية في الاقتصاد.

ومع ذلك لن أطيل عليكم، فإذا كانت البنود والمواد التي نتحفظ عليها كثيرة، لن نركز إلا على بعض منها:

تخفيض الضريبة على إعادة تقييم الأصول من 5% إلى 2%. هو واحد من المكتسبات التي يحققها أصحاب الشركات والرساميل في الموازنة، وهذه خطوة تسهم في زيادة ثرواتهم من دون عناء… هذا البند إضافة إلى بند زيادة ضريبة 3% على الأصول غير الثابتة، عند إعادة تقييمها، كلها بنود ورقية هم المستفيدون منها. إن المتضرر من التخفيض هو الخزينة التي ستنخفض عائداتها من تلك الضريبة ومن ضريبة الأرباح، خصوصاً أن 0.3% من اللبنانيين يستحوذون على 48% من هذه الأصول. وتخفيض مصروفات الموازنة سوف ينعكس سلباً على الخدمات والتقديمات الضرورية لأصحاب الدخل المحدود والفئات الأكثر فقراً.

زيادة الضريبة 2% على الصناعة لا يخدم مصلحة لبنان لا سيما أن البلد يحتاج إلى زيادة صادراته التي لا تتجاوز 3 مليارات دولار سنوياً. من المهم إعادة النظر في بروتوكولات وضعت منذ اتفاق الطائف في العام 1989 بما يخدم تحسين ظروف هذا القطاع.

أما الضرائب على معاشات التقاعد فقد أثبتت أن الموازنة ليست إصلاحية وجلّ ما يتم القيام به هو محاولة تخفيض الصرف والإنفاق وبالتالي محاولة تخفيض الأرقام، وليس العمل على التنمية، فالبنود التي أضافتها الحكومة إلى الموازنة من أجل تحسين الدخل العام لم تمسّ سوى جيب المواطن ومعاشات التقاعد وهذا الأمر غير مقبول. ألم يحن الوقت لإعادة الاعتبار لوزارة تخطيط، بديل ضروري عن المجالس والهيئات القائمة بلا حسيب أو رقيب وتكلف الدولة مليارات الليرات سنوياً. إن لبنان لا يحتاج إلى مجالس وهيئات موازية لإدارات قائمة وللوزارات المعنية أيضاً، وهذا ضروري لمنع الجمع بين وظيفتين ووضع حد للهدر والفساد والبطالة المقنعة. والمشكلة أننا ما زلنا نمرر قوانين لننشئ هيئات ناظمة لمشاريع كان يجب أن تكون تحت رقابة مجلس النواب والهيئات الرقابية ذات الصلة، وكل ذلك يجري مع مواصلة التوظيف بطريقة المحاصصة.

لكن من الثغرات الكامنة والأساسية أيضاً هو عدم قيام الحكومة بعمليات قطع الحساب على مدى 20 عاماً لمعرفة الصرف الفعلي مقارنة بما تمّ رصده في الموازنة. فغياب قطوعات الحسابات منذ العام 1997 أمر مستغرب وغير مقبول، فماذا نحن فاعلون؟ علماً أن قانون مجلس النواب يفرض أن يصدق المجلس قطع الحساب قبل الموازنة. والواقع يفيد أن مجلسنا الكريم سيجد في المحصلة فذلكة قانونية كي يقرّ الموازنة.

إن تخفيض اعتمادات وزارة التربية والتعليم غير مقبول، لما للتعليم من دور في تعزيز التنمية الاقتصادية فضلاً عن تطوير قدرات ريادة الأعمال، وهذا يجب أن يكون عليه طموح الحكومة برفع مستوى التعليم وتطوير المناهج في زمن الثورة الرقمية والتكنولوجية. وهذا ما دفعنا إلى إطلاق “مركز فؤاد مخزومي للابداع” في الجامعة اللبنانية الأميركيةLAU ، ونطمح أن تكون مبادرات مماثلة برعاية الدولة لا أن تخفَّض موازنة الجامعة اللبنانية.

كنائب عن الأمة انتخبني أهل بيروت لا يسعني إلا أن أتحدث أيضاً عن القضايا التي تمس أهل بيروت معيشة وبيئة وأملاكاً عامة وبحرية، فمن الضروري بمكان أن تكون مشاريع بلدية بيروت تتواءم مع هواجسهم وحافظة لحقوقهم وهي البلدية الأغنى بين بلديات لبنان ومع ذلك فأولوياتها غير ذات صلة بمصالح أهل بيروت، فلماذا لا تشغّل مستوصفاتها الصحية؟ ولماذا لا تفعّل دفاعها المدني بالتعاون مع المؤسسات ذات الخبرة في لبنان كالصليب الأحمر والدفاع المدني؟ أين البطاقة الصحية التي وُعد بها اللبنانيون؟ وأين مشاريع التنمية المستدامة التي تهتم بجميع المكلّفين من المواطنين بدل توزيع المكرمات على بضعة منهم؟ أين السياسة البيئية المستدامة؟ هذا عدا عن مشكلة مرور المشاريع في غياب الشفافية في المناقصات وعبر ترسية العقود بالتراضي الأمر الذي ينتج عنه هدر بملايين الدولارات. أليس ضرورياً اعتماد المكننة في زمن الثورة الرقمية لتحقيق الشفافية؟

عدا عن عدم الاهتمام بالبيئة وأكبر دليل ملف النفايات الذي يؤرق عيش ليس أهل بيروت بل أهل لبنان جميعاً. وهنا أُجدد التأكيد أن إنشاء محرقة في بيروت مرفوض بالمطلقِ لأنه يشكل خطراً أكيداً على البيئة والصحة العامة.

هذا عدا أيضاً عن أن المساحات الخضراء في بيروت وحتى المساحات الموجودة في حرش بيروت تتقلص. فأين أصبح القانون الذي أقريناه لحماية الحرش والتوقف عن قضمه لأنه المتنفس الوحيد لأهل بيروت؟ وكنا قد توجهنا أيضاً برسالة إلى معالي وزيرة الداخلية نلفتها فيها إلى ما يجري في الحرش من مخالفات وتعديات.

كما أن ملامح البحر تغيرت ومؤخراً شهدنا عدة مشاكل أبرزها التلوث والتعديات على الأملاك البحرية، خصوصاً التعديات الواضحة على الرملة البيضاء. فمساحة التعديات على واجهة بيروت البحرية يفوق الـ90 ألف متر مربع علماً أن الاستثمار الحقيقي لهذه الأملاك من شأنه أن يؤمن ملايين الدولارات لخزينة الدولة وهذا البند كان يجب أن يكون على رأس البنود التي تمت مناقشتها في الموازنة.

وهناك مزيد من علامات الاستفهام على مياه الصرف الصحي لا سيما بعد الفيضانات التي شهدتها بيروت في موسم الأمطار، وأبرزها فيضان الرملة البيضاء. فلماذا لم يتم العمل على تشغيل محطتي التكرير الموجودتين ومواكبتهما بمحطات تكرير إضافية؟

وماذا أيضاً عن مرفأ بيروت؟ لماذا لا يتم العمل على تنميته وتوسعته كمرفأ تجاري وتطويره شمالاً باتجاه مرفأ جونية؟ المطلوب أيضاً توسيع وتأهيل مرفأ طرابلس.

يبقى الأهم في هذا الإطار تعديل قانون البلديات كي لا يبقى السجال في بيروت قائماً حول على من تقع المسؤولية المحافظ أم رئيس البلدية ومجلس بلدية بيروت.

بالتأكيد كنا نتمنى لمصلحة البلد أن تأتي الموازنة إصلاحية فعلاً، فالمهم ليس تخفيض الأرقام نسبياً بل كيفية فرض الرسوم والضرائب، أي قانون ضريبي جديد، وتحقيق العدالة في توزيع العبء الضريبي، ووضع خطة ورؤية اقتصادية للسنوات المقبلة. فغياب التخطيط والسياسة النقدية كلفنا ولم يزل يكلفنا كل مرة ابتعاداً عن الإصلاح ومراوحة في العملية الإصلاحية. مع إصرارنا على أن تتضمن الموازنة القادمة كل ما طرحناه أثناء دراسة هذه الموازنة من إصلاحات فعلية وهيكلية جديدة للاقتصاد ولإدارات الدولة وشفافية ضرورية ومراقبة مباشرة لمجلس النواب، تضع حداً نهائياً للإنزلاقات الخطيرة في أوضاع البلاد الاقتصادية والاجتماعية، وحتى الأمنية والسياسية.

نظراً الى ما تقدّم من معطيات موضوعية ومعضلات تجاهلتها الموازنة الموضوعة بين أيدينا أو قصرت عن معالجتها، ومع تقديري للجهود المبذولة وأصحابها واحترامي لأشخاصهم ولحسن سعيهم الى حلول ليتها أتت ناجعة، يملي عليّ الواجب والحسّ بالمسؤولية وتيقني من حجم المخاطر وعجز الحلول المقترحة عن مواجهتها، أن أصوت ضد هذه الموازنة”.

مقالات ذات صلة