البستاني: أعطي صوتي للموازنة والموافقة عليها لا تعبر عن رفض الأسوأ

إعتبر النائب فريد البستاني، في كلمته خلال مناقشة مشروع موازنة 2019، انها “ليست موازنة نهوض او اصلاح”، منوها بلجنة المال والموازنة على “عملها الدؤوب”.

وقال: “مناقشتنا للموازنة كأرقام تفصيلية تمت في اللجان وخصوصا لجنة المال والموازنة، الي تستحق التنويه والتقدير على الجهد المشكور الذي بذلته، رئيسا وأعضاء ونوابا مشاركين، في حضور ومشاركة فاعلة ومشكورة أيضا لوزير المال.

وسلفا أريد القول للذين سيتساءلون عن قيمة كل كلام إنتقادي، ويقولون إن المهم هو كيف سنصوت مع او ضد، أستطرد: إن التصويت بالموافقة على الموازنة لا يعبر عن الرضى بل عن رفض الأسوأ، والأسوأ هو أن نبقى من دون موازنة أو بلا قطع حساب، كما كانت حالتنا منذ 20 عاما، ونبقى نصرف على القاعدة الإثني عشرية وتصبح الموازنة غير ذات جدوى، أو نصوت مع، لأن اقتناعنا بأنها موازنة الضرورة وإلتقاط أنفاس، لكنها بالتأكيد ليست موازنة خطة نهوض ولا موازنة إصلاح. وهنا أسمح لنفسي بعراض مجموعة نقاط اتركها بين ايديكم جميعا وايدي الحكومة على أمل أن تكون بنودا أساسية في موازنة الـ2020 التي يجب درسها وإقرارها قبل آخر السنة، وطبعا نضعها في تصرف الراي العام المعني الأول والأخير بأي ممارسة ديموقراطية، فما قيمة الديموقراطية كنظام سياسي إذا لم يكن مجلس النواب هو المنبر الأساسي للتعبير أمام الراي العام، عن مشاكلنا ونظرتنا إليها وتقويمنا لسبل المعالجة”.

وأضاف: “لست هنا كي استهلك وقت المجلس والحكومة لطرح نظريات، لكن من الضروري عندما نتكلم بملف شديد الدقة، فما من علاج لمشكلة او مرض بدون تشخيص ووضع خطط وقائية وعلاجية.

نحن مجمعون على أن وضعنا المالي والاقتصادي دقيق وصعب، لكي لا نستعمل كلمات تهويلية، ومجمعون على أن مشاكلنا المالية محورها، دين عام مرتفع، يرتب كل سنة علينا مزيداً من الدين لنسدد الفوائد المرتفعة، ولو لم تكن خدمة الدين موجودة لكان وضع المالية العامة سليم وكانت الواردات توازن النفقات وحتى يمكننا تحقيق فائض، في وجود خدمة دين يشكل ثلث نفقات الموازنة يعني ست مليارات دولار تقريبا ونيف، وما يوازيها من عجز للموزنة، وفي المقابل من الواضح ان النفقات تشكل التضخم في القطاع العام ولتوظيف العشوائي للتلزيمات القائم بعضها على محاصصات أو فساد أو استهتار أو غياب خطة أو فوضى أو تسيب، وابسط مثال هو قطاع الكهرباء الذي استهلك بين عدم الجباية من اللبنانيين ومن سلفات الخزينة لدعم سعر الكيلوواط الذي يباع بأقل من كلفته والديون الخارجية للتجهيز خلال 30 عاما ما يعادل كامل الدين القائم على الدولة واكثر ولكننا تأمل انه وأخيرا تم وضع قطار الكهرباء على السكة الصحيحة مع خطة معالي الوزيرة بستاني، واذا فهمنا وضع الكهرباء نتفهم وضع الدولة كلها، والمشاكل هي هي، مشاكل التوظيف والادارة ومشاكل جباية الواردات والتهرب من دفع المتوجبات ومشاكل التلزيمات والتخطيط”.

وتابع: “اصل المشكلة هو في الدولة ومشكلة المالية العامة هي مجرد فرع من اصل.

نحن لغاية اليوم لم نهتد إلى شكل الدولة المناسبة لتنظيم أمورنا، ورغم تسليمنا باعتبار التنظيم الطائفي سبب تحول الدولة الى نوع من الفيديرالية غير المعلنة، بالتوظيفات ويمكن بالتلزيمات، نشأت بسببه عمليا دول داخل الدولة لا نعترف بوجودها، لكنها موجودة، واحياناً اقوى من الدولة وتستقوي عليها، والدولة ترضى أن تكون مجرد شرطي سير بين حركة الدويلات الي تتوزع سلطاتها ومواردها.

في المقابل الخروج من النظام الطائفي ليست مشكلته البديل علمنة او دولة مدنية أو الغاء طائفية، نقدر أن نتشاطر على بعضنا البعض ولكن المشكلة الحقيقية هي انه بوجود قلق وجودي يسكن الطوائف والمذاهب، في منطقة تعيش زلازل التطرف والفتن والتهميش للأقليات، يصبح لبنان مساحة مطلوبة ومفقودة عند الغير للتنوع والتعايش، ولم نستطع أن نتفاهم على طريقة طمأنة مخاوف البعض للذهاب سويا الى دولة المواطنة، التي لم تبق فيها دولة بل أصبحت تكتل جماعات بل مواطنين ودولة، وتصبح ملاحقة الفاسد اعتداء على طائفته، وكل ملاحقة لفساد تخضع ل 6 و6 مكرر والا يهتز استقرار البلد، ويعود خطاب الغبن والاستهداف والشعور بالقلق والتهميش، وأحيانا يمكن أن يكون الخطاب في محله لانه تحت عنوان مكافحة الفساد قد يتم تنفيذ ممارسات كيدية، لأن النظام الطائفي قائم على الخوف من الآخر وعدم الثقة به”.

وسأل: “ما الحل؟ المسيحي اللبناني المؤمن بالدولة المدنية حلا يخشى الذوبان داخل غالبية مسلمة لا يستطيع إخفاء خوفه من وجود صحوة للتيارات المتطرفة في صفوفها، والمسلم اللبناني الداعي الى الغاء الطائفية صار مجموعة مذاهب يحسب لها ألف حساب، كلما تكلمنا على الغاء الطائفية، يبدأ العد الطائفي او المذهبي، يعني الغاء طائفية لمزيد من الطائفية، ودولة مدنية لزرع الخوف وليست لتعميم الامان والسكينة، فإذا تصارحنا حول الموضوع فيجب أن نعترف بان الطائفية مرض يفتك بنا والغاءها مصدر خوف وجودي يسكننا كلنا، والجميع متساوٍ في الخوف.

نحن في حاجة لإيجاد صيغة تحدد ما نحتاج إليه من الطائفية للإطمئنان والشعور بالثقة، وفي المقابل نحدد الامراض التي تشكل الطائفية مصدرا لها، ونقول آن الأوان للاستغناء عنها لبناء دولة، وبدون هذا الحوار المطلوب بشجاعة وصدق وتفاهم متبادل من دون تعال أو استقواء بالعدد أو بالخارج أو بالشعور بالتفوق، لن يكون في مقدورنا بناء دولة ومن دون دولة تصبح المؤسسات مزارع، و”حارة كل مين أيدو الو”، وببساطة هذه هي حالتنا.

والبلد المفكك لا يتحول فقط إلى كانتونات وفيديراليات، ولكنه يستدرج الخارج للتدخلات، ويصبح صندوقة بريد بين الأقويا في العالم والمنطقة، وغالباً في حروبنا التي نحب أن نسميها تعففا حروب الاخرين، وهي حروب تطوعنا لنخوضها بواسطة أولادنا ودمنا وارزاقنا بأوهام الاستقواء.

وقال: “مثلما التفكك والانتداب توأمان كذلك الوحدة والاستقلال توأمان، ولكي يكون لدينا دولة مستقلة يجب أن يكون لدينا دولة موحدة بقوة، وهنا مشكلتنا الكبيرة.

كثر يريدون الذهاب بعيدا في الانتقاد ليرفعوا السقف على أساس أنههم هكذا يتحولون إلى إصلاحيين أكثر، فيقولون ان المشكلة سببها عدم وجود رجال دولة، وهذا الشيء وبإنصاف اعتبره كيدية وافتراء، لأن اقتناعنا يقول إن لدينا رجال دولة ولكن ليس لدينا مخطط لقيام دولة، لأن رجال الدولة هم زعماء طوائفهم، والثقة التي يجب أن تكون بينهم للتوازن بين الدولة والطوائف هي خارطة طريقنا”.

واضاف: “اذا تطلعنا إلى التوزان بين الاقتصاد والمال والنقد والادارة، نرى بوضوح حجم الخلل، الإقتصاد اضعف الحلقات، ادارة مضخمة بحجمها ونفقاتها، وسلطات نقدية تملك موارد هائلة وسلطات فعلية، ومال متوافر بوفرة في المصارف، لكنه مفقود في الاقتصاد ومالية الدولة، وهذا التوازن لا يشكل ادانة لسلطات النقد ولا للمصارف، هو تعبير عن الخلل البنيوي والذي يجب أن يكون فيه الاقتصاد القوي والاكبر، وفي خدمته تكون مفردات الادارة والنقد والمال”.

وتابع: “ننظر إلى الادارة فنرى انها من الستينات شيدت كعمارة مرتبة مهندسة لها مخطط ومداخل ووضعت لصيانتها موارد، أما اليوم، ماذا نرى؟

نرى بجانب البناء مجموعة خيم وابنية عشوائية تضخمت وصارت اكبر من البناية، كل ما احتجنا ننشئ مؤسسة عامة أو مصلحة او نتخطى مجلس الخدمة أو ديوان المحاسبة، ونفصل مرات على قياس المدير صلاحيات المؤسسة وطرق التوظيف فيها وسبل انفاق مواردها، وأصبح السور الذي يشكله التفتيش والبوابة التي يمثلها مجلس الخدمة وصمام الامان للطاقة الذي يمثله ديوان المحاسبة، لان عشوائيات الادارة مثل عشوائيات السكن تأخد مال بلا رقابة مثلما تأخد عشوائيات السكن كهرباء التعليق.

في وضع كهذا، لا ينهض اقتصاد ولا تتعالج مشاكل، ولكن نمنع انهيار البناء في احسن الاحوال، وهذه حال الموازنة عمليا، لذلك سنصوت معها. نريد أن نحضر موازنة حقيقية تقوم بنهوض اقنصادي حقيقي، يعني أننا نريد دولة حقيقية”.

وقال: “موازنتنا اليوم هي موازنة من دون روح مثل اداراتنا، الموارد لتغطية حاجاتها تحكمها لعبة التجريب والخطأ، والتوازن بين ضغط الشارع والقطاعات وحاجات الدولة، وكل مجال انفاق او مصدر واردات لا تجمعه بالتالي الا عمليات الجمع والطرح بعد كل جلسة أين أصبحنا بنسبة العجز، لكن من دون روح، والموازنة ينقصها روح لكي تكون خطة اصلاح ونهوض. ولكي نتمكن من الوقوف يجب أن نقوي ارجلنا يعني اقتصادنا لاننا نرتكز عليها والا نبقى واقفين على أيدينا يعني مصارفنا ومصرفنا المركزي ونقع على رؤوسنا بسبب عدم التوزان.

ونحن فيديراليات في السياسة والمال والاقتصاد والادارة والنقد. مجلس النواب هو مصدر السيادة والسلطة لانه يمثل الشعب وهو الهيئة السيادية الاعلى المنبثقة من ارادة الشعب”.

وسأل: “هل نحن كمجلس نيابي لنا سلطة كافية على مؤسسات يمكن أن تكون ناجحة من دون تدخلنا؟ هذا بالمعنى الدستوري، يجب أن يكون لدينا سيادة على كل المال العام، والمقصود بالمال العام كل مال ليس خاصا، نفهم استقلالية المؤسسات عن الحكومة، من غير المقبول استقلاليتها عن رقابة مجلس النواب، وفي ظرفنا الحالي نقول الحمدالله لدينا هذه المؤسسات التي ما زالت تعمل، وناجحة لكن بمفهوم السيادة والدستور هذا الوضع غير طبيعي ولا يجوز أن يستمر اذا أردنا بناء دولة لتصبح مناقشة الموازنة ذات قيمة”.

وأضاف: “نحن، وبسبب سوء ادارتنا لاحوالنا خلال 30 عاما، منها 20 عاما من دون لا قطع حساب، وصلنا إلى مكان لم تعد السيادة في أيدينا بالمفهوم الكامل للقرار المالي، يكفي تعديل تصنيف مؤسسة ائتمانية لنهتز، لأننا أوصلنا أنفسنا إلى هذا الوضع: استنزفنا قدرات الدولة بالتوظيف العشوائي وفوضى التعويضات والرواتب، والانفاق بلا حساب والاستدانة بفوائد مرتفعة، وصارت المالية تحت عجز ودين وخدمة دين، واليوم نحن ماليا وسياسيا، في حاجة الى خارطة طريق تحفظ قدر الاستقلالية اللازم لمؤسسات مهمة في الدولة مثل مصرف لبنان ومجلس الانماء والاعمار و”أوجيرو” وغيرها. وتضع، في المقابل، الحد اللازم من الرقابة والاشراف من مجلس النواب على عمل المؤسسات، مواردها وتوظيفاتها، وهيكلية ادارتها ومشاريعها”.

وتابع: “من المهم أن يكون لدينا موازنة في اول السنة وليس في آخرها، ولكن الاهم أن يكون لدينا موازنة. من المهم أن يكون قطع الحساب عن السنة الي مرت وكيف انفقت الحكومة ومعرفة مقدار تقيدها بقانون الموازنة مرفقا بالموازنة، لكن الاهم انه صار لدينا قطع حساب”.

وقال: “ناقشنا ارقاما كثيرة عندما كان النقاش ضروريا أي في لجنة المال والموازنة ولذلك سأمنح صوتي للموازنة كموازنة ضرورة ومنع انهيار والتقاط الأنفاس والدعوة الى بدء النقاش الجدي حول خطة نهوض واصلاح تعبر عنها الموازنة المقبلة. لكنني سأتحفظ عن موازنة مجلس الانماء والاعمار لأنها لم تتضمن تمويلا لاكمال “مستشفى دير القمر” الذي أصبحت قصته مثل “حكاية ابريق الزيت”، ونتكلم على الانماء المتوزان. وانا كنائب للشوف وعدت والتزمت لابناء الشوف بجعل “مستشفى دير القمر” ميزانا للحكم على الموازنة، وهذه المرة سأكتفي بالتحفظ عن بند من الموازنة، والمرة المقبلة أتمنى ألا أضطر الى حجب صوتي عن الموازنة”.

وأضاف: “سأتحدث عن تجربتي الخاصة في ممارسة الديموقراطية لكوني أمضيت سنوات طوال في الخارج، لا تستقيم الممارسة الديموقراطية إلا بوجود حكم ومعارضة. وأستغرب أن يقوم أفرقاء في الحكومة لا يؤيدون الموازنة التي أحالتها الحكومة نفسها على ىالمجلس النيابي، ولا سيما أن الجميع شارك في وضعها ومناقشتها في الحكومة وفي لجنة المال والموازنة، من هنا أسمح لنفسي وهنا أعبر عن موقفي وليس عن موقف التكتل الذي أنتمي إليه بوجوب اعتماد الحكومات المتجانسة لأن حكومات الوحدة الوطنية لم تشكل التجربة الناجحة التي ينبغي الحفاظ عليها”.

وختم: “الوضع في الجبل والشوف الذي لي شرف الانتماء إليه مثله مثل كل الجبل صعب. وقد يستغرب البعض انني لم آت على ذكر الوضع بكلمتي سواء بالنسبة الى أهل الجبل او للرأي العام، لكن انا تجنبت الحديث عن قصد، أولا نزولا عند رغبة دولتك بالإبتعاد عن هذا الموضع الحساس منعا للمزيد من التعقيد، وثانيا إفساحا في المجال للمعالجة في المكان اللازم. وكلنا ثقة بأنه موضوع بين ايدي فخامة الرئيس وايديكم دولة الرئيس وأيدي دولة رئيس الحكومة وأنا متأكد أنه سيصل إلى بر الأمان”.

مقالات ذات صلة