دعوة رياض سلامة للتنحّي أو الاستقالة

كتب العميد الركن نزار عبد القادر :

أراني مدفوعاً بفعل المعلومات المتوافرة مؤخراً لدى السلطات القضائية السويسرية، أو في الإعلام الفرنسي حول الثروة الضخمة التي يملكها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة من الأموال المنقولة وغير المنقولة، ان أعود بالذاكرة إلى عام 1972، حيث كنت أدرس في أحد المعاهد المتخصصة في لندن، عندما انفجرت فضيحة الفساد المعروفة بقضية جون بولسن، والتي طالت عدّة شخصيات رسمية بريطانية، وأبرزها وزير الداخلية في حكومة ادوارد هيث المحافظة ريجينالد مودلينغ، والذي كان يعتبر من أبرز شخصيات حزب المحافظين في حينه. قدّم مودلينغ فوراً استقالته من وزارة الداخلية وجمّد كل مسؤولياته في الحزب، معلناً بأنه يتقدّم من التحقيق القضائي بصفته كمواطن عادي لا يتمتع بأي نفوذ أو حصانة. وتابعت فصول الفضيحة في الصحافة البريطانية، دون ان ألاحظ وجود أية محاولات للفلفة الموضوع أو حماية أي من المتورطين في الحكومة أو البرلمان أو الإدارة.

وردتني قبل أيام المطالعة التي وضعها المدعي العام الفدرالي السويسري، والتي شرح فيها بالأرقام والتواريخ والمصارف التي حوّل فيها حاكم مصرف لبنان وشقيقه رجا والموظفة العاملة في مكتبه ماريان حويك اعتباراً من عام 2002 من مصرف لبنان عبر النظام المصرفي السويسري وإلى شركة Forrty Associated في الجزر العذراء البريطانية وإلى جنات ضريبية أخرى مثل بنما في أميركا الوسطى. وتصف المطالعة هذه العمليات المالية ضمن إطار عمليات تبييض الأموال، والتي تجري ملاحقتها دولياً، بتهم تتعلق بالجرائم المنظمة والفساد. وبالفعل بعد أخذ ورد، وضجيج اعلامي رافق استدعاء سلامة للاستماع إليه من مدعي جبل لبنان الاستئنافي القاضية غادة عون، والتي جرى كف يدها من قبل مدعي عام التمييز غسّان عويدات، فتح هذا الأخير تحقيقاً لجمع المعلومات اللازمة للاجابة عن «التهم» التي ساقها المدعي العام السويسري ضد سلامة وشقيقه واشخاص آخرين. وكانت الخطوة الاجرائية الأولى التي اتخذها مداهمة مكتب رجا سلامة ومصادرة مستندات واجهزة «كمبيوتر» واقفاله بالشمع الأحمر. في هذا السياق لا بدّ من الاعتراف لمدعي عام التمييز باتخاذ خطوة إجرائية على طريق البحث عن الفاسدين الذين شاركوا في تبديد أموال المصارف وودائع المواطنين اللبنانيين. ولكنني اسارع للقول بأنها خطوة أولى في رحلة الألف ميل لكشف الفاسدين، تمهيداً لاستعادة بعض الأموال المنهوبة من المال العام أو أموال المواطنين.

لم تقتصر الشبهات التي تدور حول الثروة الضخمة التي يملكها رياض سلامة وشقيقه على ما ورد في مطالعة المدعي العام السويسري بل توسعت لتحط رحالها في باريس، حيث أقامت منظمة «شيربا» غير الحكومية دعوى قضائية بشأن مزاعم فساد ضد رياض سلامة وشقيقه واحد مساعديه على خلفية امتلاكهم لعقارات تقدّر اثمانها بملايين اليوروهات.

في رأينا، وعلى قياس ما جرى في بريطانيا عام 1972، وما جرى في عدّة ملاحقات للأموال المنهوبة حول العالم وأبرزها الملاحقات التي طالت فرديناند ماركوس الرئيس السابق للفيليبين، لم يعد من الجائز ان يستمر رياض سلامة في موقعه كحاكم لمصرف لبنان، المؤتمن على إدارة النقد الوطني وتغطيته الذهبية، التي تقدر بـ14 مليار دولار، وحماية الثروة الوطنية، وإدارة مجموعة من الشركات الهامة التي يديرها مصرف لبنان، وعلى رأسها الميدل إيست، وانترا.

لا ينطلق مطلب تنحي الحاكم عن مسؤولياته من أي مطلب ثأر أو ضغينة ضده، كما ان لا يعني تبني فرضية ثبوت التهم المنسوبة إليه في سويسرا أو باريس، وبالتالي الاقتصاص منه، بل تقتضي حالة الحس بالمسؤولية الوطنية من قبل الحكومة اللبنانية، كما يقتضي الحس بالمسؤولية ومقتضيات الشفافية والحس بالكرامة الشخصية من قبل رياض سلامة شخصياً ان يجمّد صلاحياته ويتنحى مؤقتاً إلى حين جلاء نتائج التحقيق.

أقول هذا الكلام انطلاقاً من فهمي وادراكي لمسؤولية الاضطلاع بالوظيفة العامة، وما تفرضه على القائم بها من شفافية، والتزام بالقانون، والشعور بالمسؤولية الوطنية وتجاه المواطنين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باساءة إدارة ودائعهم وصونها والحفاظ عليها، وحمايتها من الفاسدين، سواء كانوا من طبقة السياسيين أو من طبقة أصحاب المصارف وأعضاء مجالس ادارتها أو مديريها العامين.

لم تعد الشبهات والاتهامات المساقة ضد رياض سلامة محصورة في الشبهات التي ساقتها ضده المدعي العام غادة عون، بل باتت تثار هذه الشبهات على صورة دعاوى امام القضاءين السويسري والفرنسي. وهنا ننوه بمدى جدية وخطورة الأمر. لم يعد يكفي ان يطل رياض سلامة على الإعلام ليشرح للناس حجم ثروته عام 1993، وقبل ان يتولى منصبه كحاكم للمصرف المركزي، بل بات عليه ان يواجه التحقيق مسلحاً بالقرائن والمستندات التي تبرر بشكل لا يحتمل اللبس أو التأويل مدى جنيه للثروة الكبيرة التي يملكها، وايضاً مدى قانونية الأعمال التي وظفها فيها، والضرائب التي دفعها عنها، ولاية دولة.

في رأينا تعدت المسألة المثارة ضد رياض سلامة حدود لبنان، حيث يمتلك الحاكم الصلاحيات وحرية القرار في تداول المعلومات والاسرار المالية التي يملكها مصرف لبنان، والتي كان من أبرز شواهدها رفضه تقديم المعلومات بواسطة وزارة المالية إلى شركة «الفاريز» المكلفة باجراء التدقيق الجنائي بقرار متخذ في مجلس الوزراء، وذلك بحجة ما يفرضه عليه قانون السرية المصرفية من ضوابط والزامات. وهنا اطرح السؤال: هل يجوز ان يحمي القانون جريمة سرقة للبنانيين؟

كان من الممكن ان يطمئن الحاكم على موقعه ومستقبله الوظيفي أيضاً من خلال الحصانة التي يؤمنها له موقعه واصدقاؤه من السياسيين والمصرفيين الكبار، والذين يشكلون شبكة أمان لا يمكن التشكيك بها أو بقدراتها على مواجهة التحديات والحملات المركزة ضده، وذلك انطلاقاً من تحكمهم بمفاصل السلطة والقضاء، في بلد مثل لبنان حيث القوانين والعدالة والمسؤولية هي فارغة من أي مضمون، ويبدو بأن ضمانة هؤلاء الأصدقاء ما زالت فاعلة.

في الواقع، ووفق تقييمي الشخصي وتتبعي للشأن العام في لبنان خلال ما يزيد عن ستة عقود هناك جبهة عريضة لحماية الفساد والفاسدين، وهي تجمع إلى جانب السياسيين المتموّلين الكبار والمصارف وطبقة التجار، وهم يتعاونون ويتعاضدون لحماية بعضهم البعض، مسخرين في نفس الوقت المطالب والحقوق العائدة للطوائف لتغطية تجاوزاتهم وحماية مكاسبهم.

في النهاية أرى من الضروري ان أذكّر سعادة الحاكم بانتقاداتي في عدّة مقالات في «تحليل الديار» عامي 1997 و1998 حيث انتقدت سياساته النقدية، وعلى أساس انها تحمل مخاطر تبديد الثورة الوطنية والتوفير العام للمودعين، وقد اجتمعت به في مكتبه وصارحته بافكاري، وذلك بناءً لطلبه الاجتماع بي.

ولذلك أراني مدفوعاً، وحرصاً على سمعته وأهمية موقع الحاكم وضرورة الحفاظ عليه، ان يبادر إلى التنحي بانتظار نتيجة التحقيق أو الاستقالة على غرار ما فعله مودلينغ عام 1972.

مقالات ذات صلة