مأساة العمل والعمال

“عندما يكون العمل متعة تكون الحياة مبهجة..”، على ما يقول الروائي مكسيم غوركي، فكيف بشخص فقد الإثنين معًا. هذا هو واقع العامل اللبناني الذي يعيش في حالتين: فئة دخلت حالة البطالة، وفئة لم تعد رواتبها تتلاءم مع الوضع المعيشي المنهار منذ سنتين تقريبا، وتحديدا حين فقدت رواتبها قدرتها الشرائية مع انهيار سعر الصرف، وايضا جراء تراجع القيمة الفعلية للحد الأدنى للأجور بسعر متوسطي من 450 دولارا إلى 72 دولارا.

لا تقتصر المشكلة في لبنان على السنة والنصف الأخيرتين بل هي نتيجة تفاقم السياسة النقدية، ونهج الفساد الطويل الذي بدأ بعد انتهاء الحرب الداخلية حين استُبعدت أجهزة الرقابة لصالح المحاصصة والزبائنية التي تحكمت بكافة المؤسسات، وسيطرت على الأداء العام في لبنان. الآن، وعلى ابواب عيد العمال العالمي، تشهد بلدان عدة في الواحد من أيار تظاهرات نقابية يجدد فيها العمال صرختهم بمطالب وشروط انسانية وحقوقية تحسن ظروف العمل اجتماعيا ومعيشيا ومعنويا.
اما بيروت، التي كانت تشهد شوارعها قبل عام 1975 تحركات وتظاهرات متنوعة متلونة جعلت منها عاصمة الحضارة والتقدم والازدهار والكلمة الحرة، اخمدت شعلة نقاباتها العمالية بكافة اصنافها وتمت شرذمتها، واسْتُنسخت طائفيا ومذهبيا ومناطقيا، لتعكس صورة مصغرة حقيقية عما آلت إليه اوضاع العمال في القطاعين العام والخاص بعدما قبلوا بتقديم مشاعرهم السياسية على حقوقهم وامانهم الإجتماعي الذي هو جزء أساس من آمان الدولة.

اليوم، نقابات لبنان هي مجموعات مسيّرة وطبقة عاملة خاضعة لـ”السياسة” إما عن قناعة الإنتماء الطائفي، او الخضوع مخافة الطرد القسري حيث لا غطاء فعليا لهم. الأكثر مأساوية هو أن عدد الاتحادات، بين قطاعية ومصالح مستقلة، يبلغ الـ 500 اتحاد. وهي، ان استقل بعضها عن الأحزاب، فقد سيطر عليها رجال اعمال يمثلون الوجه الآخر لمأساة العمل والعمال. وقائع أضعفت حقوق العامل ووجوده كقيمة اساسية في المجتمع، فبقي لعيد العمال رمزية وحيدة هي العطلة الرسمية السنوية.

نتيجة للانهيار الاقتصادي والنقدي الذي يمر فيه لبنان، وقد زادت من وزره جائحة كورونا التي كانت انسياقا للتدهور وترجمته بشكل اسرع، دخل عمال لبنان في نفق كارثة كبيرة لا يبدو ان الخروج منه قريبا، حتى في حال اتت حلول جزئية بعد اشهر من خلال انفراجات سياسية محتملة. ان ترميم طبقة متوسطة، كانت تشكل فئة عاملة اساسية متشعبة، لن يكون امرا سهلا ابدا. فالركن الاهم لاي بيئة هي “عمالها”، وهؤلاء خسروا الاسس البنيوية وفقدوا معها اي حوافز تعيدهم الى سكة الانطلاق.

مشكلتان تواجه اليوم واقع العامل اللبناني: الاولى البطالة، والثانية العمل بمردود مادي لا يكفي مصاريفه اليومية من اساسيات الحياة. ومع غياب اي احصاء رسمي عن عدد المسرحين من عملهم، خسر عشرات الألاف وظائفهم بفعل السياسسات التي اعتمدتها المؤسسات من تقشف بعد تعثر الانتاج وحجم التوزيع او الخدمات وتأمينها. أقفِلت العديد من المطاعم كما المحال بفعل فقدان السلع المرهونة بالعملة الاجنبية التي لم تعد متوفرة بعد انهيار القطاع المصرفي والسياسة النقدية الرسمية الفاشلة. اما الشركات التي قررت الاستمرار وعدم اغلاق ابوابها، اعتمدت خطة حسم وصلت الى حدود ال 50 بالمئة من الراتب الشهري للعامل وبالعملة اللبنانية التي فقدت قيمتها تماما امام الدولار الذي هو اساس تسعيرة السلع في المأكل والملبس، وفي كل تفاصيل حياة اللبنانيين دون استثناء، علما ان الاحصاءات تؤكد ان 95 % من القوى العاملة في لبنان يتقاضون رواتبهم بالعملة الوطنية.

يمر لبنان بأزمة لم يشهدها على امتداد الحروب والاحتلالات التي عاشها وخبر مراراتها، الا أن العامل يبقى الخاسر الاساس. ولعل الإعانات التي بدأت بتوزيعها مختلف الاحزاب والجهات السياسية والسفارات والجمعيات كعوامل تسكين وجذب وتعزيز الولاء، لن تعطي مفعولها على المدى البعيد، بحيث يحتاج العامل اللبناني الى منظومة حياة متكاملة: نقل، تعليم، طبابة، مسكن، ناهيك عن متطلبات يومية وحاجيات بعيدة عن مهزلة الحصص التموينية والشْحادة.

تحوّل فرح العامل بعيدِه، عن حق، الى مأساة وطنية بكل معنى الكلمة.

(افتتاحية مجلة “الامن العام” بمناسبة عيد العمل)

مقالات ذات صلة