درب المثالثة… جُلجُلة لبنان؟/ سابا قيصر زريق

منذ أكثر من عقد ونصف، أي بعد انقضاء ما يناهز الـ 17 عاماً على إبرام الأطراف المتنازعة في لبنان “وثيقة الوفاق الوطني” في مدينة الطائف السعودية، والتي سارعوا لاهثين إلى إقرارها بقانون بعد أقل من شهر، نشرتُ مقالاً على صفحات هذه الصحيفة، أطلقت عليه عنوان “الطائف سقف وطني أم غطاء للحكام”، تناولت فيه، في ما تناولته، السبب الذي حدا بنظري بأرباب “الطائف” على إبرامها. وكنت، وما زلت، غير مقتنع بأن السبب المعلن، أي إيقاف الحرب الأهلية المدّمرة، كان فعلاً السبب الرئيسي وراءها. إتصل بي آنذاك نائب ووزير سابق، كان حاضراً ومشاركاً فاعلاً في الطائف، قائلاً “ربما كان من الأفضل لو أننا احتسينا فنجان قهوة قبل نشر مقالكم”. فكان ردي أن حجب محاضر المداولات التي جرت في الطائف يبرر ليس فقط التكهنات، بل حتى اعتبار أن كل تكهن، وإن كان تنظيراً بحتاً، هو الحقيقة دون سواها.

تنازل المسيحيون في “الطائف”، بسبب تناحرهم الغبي، عن صلاحيات كانت قد أعطيت لهم منذ عشرات السنين. فخرجوا من “الطائف” محتفظين بعدد من نواب مجلس الشعب يوازي النصف، نزولاً من نسبة الـ 54،50% التي كانوا يتمتعون بها. فلو أن شركاءهم في الوطن لم يوقِفوا آنذاك “العدّ”، على حد قول الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لربما اندلعت حرب من نوع آخر، يتناتش فيها المسلمون ما يكون المسيحيون قد أرغموا على التنازل عنه. أولا يصح إذاً تفسير مقولة الرئيس الشهيد على أنه لو لم يوقَف “العدّ” لجاءت نتيجة “الطائف” مختلفة؟ أو لجاءت النسبة المذكورة أدنى من النصف؟

كُرِّست منذ ذلك اليوم، “ديموقراطية توافقية”. كلمتان متناقضتان، تكره كل منهما الأخرى. ديموقراطية هجينة، عززتها محاصصة نتيجة “توافقات”، منها ما تم علانية، مثل إتفاق الدوحة، ومنها ما حُبِكَ وما زال يُحبَك “تحت الطاولة” كلما تواءم ظرف مصلحي مع ذلك. مما شكل طعناً فاضحاً بأهم مبادئ الطائف العامة، ألا وهو أن لبنان “جمهورية ديموقراطية برلمانية”. وكأننا عدنا الى مجالس الشورى التي لا تستقيم فيها الأمور إلا إذا حصلت على إجماع أصحاب القرار. بئس الديموقراطية ديموقراطيتنا. أوقفنا العدّ والنوائب تتوالى، إلى أن بلغنا اليوم قعر الهاوية، والبعض منا يعتقد واهماً بأننا ما زلنا على شفيرها.

فمن رحم مذهبٍ مهمشٍ تاريخياً، برزت منذ ماضٍ ليس ببعيد جداً، عضلات حديدية، مع كفاءات وقدرات عالية، بأجندة سياسية شبه واضحة ومعلنة. وبمواجهة هذا المذهب ينتصب مذهب آخر، يجمعه مع الأول نسب الطائفة ذاتها، وتفرقه عنه قرون من العداء والخصومة. وكأن شيئاً لم يكن، يعتقد المسيحيون اليوم أنه بإمكانهم إستعادة “الأمجاد” التي أكسبهم إياها الانتداب الفرنسي، والتحرك بأمان في ملعب المذهبين غير المتحابين الآخرين، أو حتى المغامرة في الانحياز إلى أحدهما.

تزاحمت الهواجس التي راودت المسيحيين في لبنان عندما زُرعت الحيرة في نفوس اللبنانيين لمجرد الدعوة إلى عقد “مؤتمر تأسيسي”. ومن ضفة أخرى، ينادى بـ “الحياد” وبـ “الفدرالية” أو “النظام الإتحادي”، أو حتى بعلمنة شاملة للنظام الطائفي الحالي، أو أقله علمنة سياسية محضة، بمفهوم إلغاء الطائفية السياسية التي أوصى “الطائف” به، دون المساس بقوانين الأحوال الشخصية، كحل نهائي لمشاكلنا.

لقد استوحيت عنوان مقالي هذا من أجواء الفصح. فكما عانى المخلص على درب الجلجثة، المعروفة بـ “الجلجلة”، ما زال شعب بأكمله يعاني في سعيه إلى الاستقرار المستدام.

إن لبنان كيان قائم، وإن كان على أسس هشّة، وبالتالي، لا يصح أن نلجأ إلى أي موتمر “تأسيسي” جديد لإعادة تأسيس ما هو مؤسس أصلاً، بخاصة أن المنادين بمثل هذا المؤتمر اعترفوا أكثر من مرة بأنهم لن يتمكنوا من تحقيق حلمهم، لأن ديموغرافية البلد لا تسمح بذلك. ولما كان اللبنانيون يجفلون، كل من زاويته، من إحدى الطروحات المشار إليها أعلاه، أو ربما من أكثر من واحدة، ينبغي صرف النظر عنها في المستقبل المنظور. وينبري من يؤكد أن المثالثة هي الحل. هل حان الوقت يا ترى لتعديل دستور الطائف لإرساء المثالثة؟ هل ترى ظلمة لبنان النور باعتمادها، مع إجراء تعديلات أخرى على الدستور لإضافة بنود أو توضيح أخرى، مع ضمانات للجميع؟ أو ليس على الدساتير أن تواكب التطورات التي تشهدها بلدانها؟ أيكون إذاً الحل ببساطة إعادة توزيع المقاعد النيابية وفقاً للأعداد لتعكس النِسب التي تعود لكل طائفة واقع الحال؟ أتكون المثالثة الدواء الناجع في استحالة اعتماد حل آخر يتوافق عليه اللبنانيون؟

ينال المسيحيون في المثالثة ثلث عدد النواب، بينما يتقاسم المسلمون، على اختلاف مذاهبهم، الثلثين الآخرين، مع عدم تجاهل “الأقليات” العددية.

يعارض معظم المسيحيين إعادة التوزيع هذه، فبنظرهم من المجحف عند مباشرة العدّ تجاهل اللبنانيين المنتشرين في أنحاء العالم. وكانت هذه المقاربة لتقنع أكثر لو أن أولئك اللبنانيين أبدوا اهتماماً أكثر بشؤون وشجون وطنهم الأم بمناسبة الإنتخابات النيابية التي جرت عام 2018. ولكن، هل المسيحي هو وحده المتوجس من اعتماد المثالثة؟ أم أن المواطنين الآخرين يشاركونه هذه الخشية؟ هل تستولد المثالثة طائفة أم مذهباً ملكاً، قد يتحول مع تقلّب الظروف إلى طرف معطل؟ أو من طرف ضامنٍ إلى طرف معطل؟ أما من جهة المسلمين، هل يخاف الثلثان من أن يلعب الثلث الثالث دور “بيضة القبان”، فيحاول كل ثلث منهما استمالته لإقرار قانون ما أو اتخاذ قرار ما أو إدارة البلد على هواه أو تعطيل مثل هذه الإدارة؟ أيفضي اعتماد المثالثة في التمثيل النيابي حتماً وحكماً اعتمادها في كافة وظائف الدولة، وبخاصة وظائف الفئة الأولى؟ فقد درجت العادة، التي تكاد تصبح عرفاً، على اعتماد المناصفة حتى في وظائف الفئات الأدنى. هل يستمر بعض المسيحيين بالمراهنة على التباعد بين أهل السنة وأهل الشيعة؟ واعتبار أن حليفهم الطبيعي هو أحدهما؟ ولكن إلامَ قد تؤول إليه الأحوال في حال تغيرت الظروف والتقى المسلمون على أمر ما، لا يصب بالضرورة في مصلحة المسيحيين؟ الحقيقة أن أحداً لا يثق بأحد.

إن انعدام الثقة هذا يعود إلى قناعة أتباع الطوائف بأنهم لا يحصلون على عدالة ما في تعاطيهم مع الدولة وأركانها إلا إذا كان المسؤول الذي يتعاطون معه من ملّتهم، كما لو أن أي من الطوائف والمذاهب تخلو ممن أسهم في انهيار بلدنا. فكلها تحتضن فاشلين ومتقاعسين وفاسدين، يرتكبون ويتحاصصون ويرشون ويرتشون. فما هي إذاً الضمانة التي يؤمنها تبوء وظيفة ما من قبل المذهب الذي ننتمي إليه؟ علينا أن نبدل ما في نفوسنا، قبل أن ندعي وجوب إرساء المواطنة كقاسم مشترك جامع. علينا أن نقتنع بأن ليس للمواطنة المنشودة دين أو طائفة أو مذهب.

لذلك، فلنخفف آلام المواطنين ونهذب تفكيرهم. ولنعزز الظروف التي تسمح لنا باستعادة الثقة المفقودة في ما بيننا، واضعين نصب أعيننا فقط مصلحة عليا هي حفظ الكيان. ولنبادر الى تنفيذ الشق “الواضح” من توصيات الطائف. فلا يبقى الإنماء المتوازن الحقيقي، ولا اللامركزية الإدارية الموسعة ولا القضاء المنزه ولا الإصلاحات البنيوية حبراً على ورق. ولنستحدث مجلس شيوخ ولنقرّ قانون انتخابي جديد عوضاً عن القانون المسخ الحالي الذي يخلو من أي منطق، سوى منطق آكلي الجبنة ممن لم يكونوا يرمون عند اقراره إلا تأمين وصولهم إلى البرلمان وتأبيد وجودهم فيه. لم يكن هدف هذا القانون إنتاج ممثلين حقيقيين عن الشعب بعملية ديموقراطية سليمة. إن من شأن إقرار قانون جديد للانتخابات دفع جيل جديد وطموح وطاهر وصادق ومتفانٍ إلى تجسيد شعارات الإنتفاضة العارمة التي شهدنا بدايات جميلة لها في 17 تشرين الاول 2019، وتحقيق آمال وأحلام وطن.