لبنان بين خياري الدويلة أو الفصل السابع

كتب العميد الركن نزار عبد القادر :

لبنان كلّه في أزمة مستعصية، وهي متعددة الأبعاد، وما زالت تتفاعل داخل الدولة والمجتمع، وتبشر بنتائج كارثية، حيث لم يتبق من مؤسسات الدولة سوى الجيش، في الوقت الذي تدهورت فيه معظم المؤسسات في المجتمع، باستثناء طبقة الاغنياء من تجار المواد الغذائية وبعض المواد الضرورية، كالنفط والغاز ومشتقاتهما، حيث فتحت الأزمة امامهم الباب لجني أرباح لم يكونوا يحلمون بها في السنوات الماضية، فهم يتلاعبون بالأسعار دون رقيب، كما يجنون ارباحاً طائلة عن طريق شبكة المهربين، التي تنشط عبر الممرات الحدودية مع سوريا، أو عبر المطار والميناء باتجاه دول أخرى.

بدأ هذا المسار الخطير للأزمة مع بداية عهد العماد ميشال عون، والذي بدأ بممارسة صلاحياته تحت شعار «العهد القوي»، وفي محاولة واضحة للاستئثار بالسلطة ومكاسبها، ومن خلال احتكار تمثيل المسيحيين أولاً، والتعدي على حقوق جميع القوى والأحزاب المسيحية، حتى تلك التي ساهمت في ترشيحه ودعم انتخابه كالقوات اللبنانية، حيث حنث تياره بقيادة صهره جبران باسيل ببنود كل التفاهمات والاتفاقات الشفهية والمكتوبة معها، حول تقاسم المواقع والمنافع في السلطة بالعدل والقسطاس معها ثانياً. اما صيغة التعامل مع القوى والأحزاب الإسلامية، فقد تنوّعت ما بين صف الأفرقاء الذين وقعوا التسوية السياسية لانتخابه، وصف من رفضوا وصوله إلى رئاسة الجمهورية منذ البداية، وذلك استناداً لقراءتهم لسلوكيته المتقلبة وميله للاستئثار بالسلطة، والانقلاب ضد الحلفاء، وذلك استناداً لقراءة متأنية لمسيرته السياسية، وخصوصاً خلال فترة ترؤسه للحكومة الانتقالية ما بين عامي 1988 و1990، في نهاية عهد الرئيس أمين الجميل، ولا بدّ هنا ان نذكر إلى الاختلاف الكبير في الكيمياء بين الرئيس عون والرئيس برّي، وايضاً وليد جنبلاط.

مع الرئيس سعد الحريري، الذي ارتكب مغامرة سياسية كبرى، لحظة دخوله إلى التسوية مع عون وحزب الله، حيث أدى ذلك إلى غضب المسؤولين في المملكة العربية السعودية، على خلفية التسوية السياسية للوقوف بقوة مع خيارات حزب الله لإيصال حليفه المسيحي «الاستراتيجي» إلى سدة رئاسة الدولة، فقد اتخذت علاقة التعامل منحى سياسيا خطيرا، سواء على الصيغة السياسية التي أرساها اتفاق الطائف وتكرست في الدستور الذي نتج عنه، والذي نص على التوازنات الوطنية التي يجب مراعاتها، كما حدّد هوية ومستقبل لبنان، من خلال رسم المسار الواجب اتباعه من أجل تطوير النظام القائم على التوازنات بين الطوائف والمذاهب إلى نظام ديمقراطي حقيقي، يتعامل مع شعبه كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، وعلى طريقة تشكيل الحكومة، حيث عمل الرئيس عون وتياره السياسي على تغيير كل المقاربات وصلاحيات الرئيس المكلف التي حددتها المواد الدستورية بوضوح.

اما على صعيد ممارسة السلطة فقد تجاوز الرئيس والتيار الوطني الحر كل الضوابط السياسية والقانونية في ممارستهم للسلطة، وبشكل يتحدى حقوق ومصالح جميع الأطراف المتمثلة في الحكومة. وبلغت مواقف التحدي التي رفعها رئيس التيار جبران باسيل، مستوى غير مقبول من إعلان الغلبة على كل الآخرين تحت شعار «الحفاظ على حقوق المسيحيين»، إلى التهديد في خطابات نارية «بقلب الطاولة» إذا لم يرضخوا لمطالبه السياسية، وبالتالي تحقيق المنافع والمكتسبات التي يسعى إلى تحقيقها. وإذا صادف ان خالف مجلس الوزراء، بقرار بالاكثرية عدم الالتزام بمطالبه، لجأ إلى استعمال سلطة الرئيس للانقلاب على قرارات مجلس الوزراء، على غرار ما حدث في تقرير إقامة محطة توليد في سلعاتا – البترون، كحق من «حقوق المسيحيين»، في الوقت الذي يُخفي فيه هذا القرار منافع مادية كبرى من خلال عقد صفقة عقارية في الموقع المقرّر لإقامة المحطة.

حاول سعد الحريري وحلفاؤه مسايرة التيار وحزب الله وتركهما يحققان ما يسعيان إليه من مكاسب على حساب مؤسسات الدولة والقانون، واستباحة المال العام وحقوق بقية اللبنانيين، ووصلت به سياسة التسامح للقبول بقانون انتخاب «الصوت التفضيلي» والذي افقده الأكثرية النيابية التي كان يملكها مع حلفائه، حيث انتقلت هذه الأكثرية إلى جانب حزب الله والتيار وحلفائهما في 8 آذار، ولا بدّ هنا من الاعتراف بأن قطع المملكة العربية علاقاتها ودعمها السياسي والمالي له ما هو سوى نتيجة لتلك التسوية المشؤومة مع الحزب والتيار ولتحقيق وصول عون للرئاسة.

في المقابل، نجح الرئيس برّي وجنبلاط في تحقيق أقل قدر من الخسائر من خلال خصوصية موقعهما السياسي، وقدرتهما على ضبط قدرة العهد على التأثير بصورة فاعلة ومباشرة على البيئة السياسية والقاعدة الشعبية الحاضنة لكل منهما.

مع اشتداد الأزمة، وفي ظل تسارع فشل العهد في وقف الانزلاق الحاصل اقتصادياً ومالياً ونقدياً نحو قعر الهوّة، قرّر سامي الجميل ونواب الحزب مع عدد من النواب الاستقالة معلنين رفضهم لتحمّل نتائج عبث الرئيس عون بالسلطة، معلنين ادانتهم للعهد وتياره وحليفه حزب الله كامل مسؤولية عملية الإفلاس الكاملة سياسياً ومالياً واجتماعياً، بينما فضل حزب القوات ورئيسه سمير جعجع التراجع والانسحاب من المشاركة في الحكومة، والادانة شبه اليومية لأداء العهد وتياره، وذلك بانتظار الاستفادة من تفتت قاعدة التيار الشعبية، والتقاط أكبر عدد منها، تحضيراً لانتخابات عامة مبكرة، يكرر جعجع بشكل يومي دعواته لاجرائها، في الوقت الذي اتخذ تيّار المردة موقف المتفرج والشامت بالعهد والتيار، مع حرص ظاهر على عدم الانكفاء للخروج من السلطة على غرار ما فعله حزب الكتائب والقوات اللبنانية.

يتحمل الرئيس عون وتياره المسؤولية الكاملة عن الانهيار المتواصل لمؤسسات الدولة باستثناء الجيش الذي نجحت قيادته في المحافظة على وحدته وفعاليته لاستعماله كخشبة خلاص للوطن، إذا ما تهيأت الظروف العربية والدولية لانقاذه مرّة جديدة، وذلك على غرار ما جرى بعد ثورة 1958، أو بعد اتفاق الطائف وولادة الجمهورية الثانية. ولا بدّ في هذا السياق من القول بأن الدعوة التي وجهها نائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي للجيش للتقدم واستلام السلطة، هي دعوة سابقة لأوانها، وتشكل خطراً على الجيش نفسه، وذلك لعدم قدرة الجيش على إدارة مؤسسات الدولة المنهارة، بما فيها السلطة القضائية.

تدعو الحكمة ان تحافظ المؤسسة العسكرية على هيكل بنية الدولة الفاشلة، وعلى السلم الأهلي، وعلى الأملاك الخاصة والعامة، بانتظار ان تتطور الظروف الإقليمية والدولية المؤاتية لضبط جماح تمدد سلطة دويلة حزب الله ومنعها من الحلول الكامل مكان الدولة.

نأمل ان لا يكون موعد حلول هذه الظروف المؤاتية لانتشال الدولة اللبنانية متأخراً، وبما يفتح الباب امام حزب الله لأخذ لبنان عنوة نحو الشرق، فيتحول لبنان في كل خياراته وثقافته إلى «بؤرة» أو ولاية إيرانية، على غرار ما يعمل حزب الله في الفترة الراهنة فرضه على بيئته الشيعية، وذلك من خلال بناء مؤسسات مالية ورعائية تحل مكان مؤسسات الدولة والنظام المصرفي المفلس والذي سيتعرض لعملية انهيار كامل في ظل الشلل السياسي الراهن والمانع لأية مبادرة إصلاحية تستعيد الثقة بالدولة وبالمصارف.

ندرك الآن، بان خطة حزب الله لبناء الدويلة القادرة على الحلول مكان الدولة لم يأت بشكل مفاجئ، وتحت ضغط الأحوال الاقتصادية والمالية والنقدية السيئة، ولكنها خطة مدروسة وموضوعة منذ سنوات، ومنذ عام 2016 على الأقل، وذلك تحضيراً لحماية محور المقاومة، وخصوصاً الحزب وبيئته الشيعية من مفاعيل الحصار المتدرج الذي تفرضة الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين والعرب، بالإضافة إلى تمكين إيران من فرض هيمنتها على لبنان بعد نجاحها في الهيمنة على سوريا والعراق، وبالتالي استكمال التواصل في الجيوبوليتيك الممتد من طهران إلى الشواطئ الشرقية للبحر المتوسط مع تطويق اسرائيل من 3 جبهات هي: جنوب لبنان والجولان وغزة.

في تقديري ستبقى عملية تعطيل تشكيل حكومة إصلاحية مستمرة وذلك في ظل عناد الرئيس عون وتياره من خلال احتجاجات واهية بالحفاظ على صلاحيات الرئيس الدستورية، وفي ظل امتناع حزب الله عن اتخاذ موقف حاسم يقضي بتسهيل تشكيل الحكومة، في الوقت الذي يحرص فيه الحزب على إظهار موقف داعم للحريري دون التخلي عن العهد، وفي الوقت الذي يمضي فيه في تنفيذ خطة حلول الدويلة مكان الدولة.

في خضم استمرار هذه الأزمة المستفحلة، تتحوّل المبادرة الفرنسية، مع كل القوى الداعمة لها إلى خيار مستحيل، وهي ساقطة حكماً مع فشل السفير مصطفى أديب في تشكيل حكومة اختصاصيين بدعم فرنسي مباشر. ويبدو بأن عملية السقوط نحو القعر باتت اكيدة مع استمرار منع تشكيل حكومة العتيدة برئاسة الحريري وبما يؤمن الاجهاز الكامل على كل مؤسسات الدولة مع نهاية عهد عون.

لا يبقى للبنان أي أمل بالبقاء والنهوض إلا بالعمل على تسويق مبادرة البطريرك الراعي، ودعمها شعبياً من أجل تسريع إقناع القوى الدولية والعربية بضرورة عقد مؤتمر دولي لحماية لبنان وتحييده، على ان يكرّس ذلك من خلال قرار دولي يتخذ في مجلس الأمن تحت الفصل السابع، وان أي حل أو مقاربة حل أخرى سيكون مصيرها الفشل على يد القوى الداخلية والخارجية الداعمة لمشروع الدويلة.

مقالات ذات صلة