لبنان الرسمي امام أسئلة مصيرية

كتب رفعت ابراهيم البدوي:

أبرمت الحكومة اللبنانية عام 2007 وبناءً لطلب أميركي اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع قبرص دون إبلاغ الجانب السوري، مرتكبة بذلك مخالفات فاضحة.

أولاً: لأن إبرام الاتفاقات الدولية هي من صلاحية رئيس الجمهورية آنذاك أي الرئيس إميل لحود.

ثانياً: لأن حكومة لبنان في ذاك الوقت كانت فاقدة للميثاق الوطني وغير مكتملة.

وثالثاً: لأن الحكومة اللبنانية تغاضت عن إبلاغ الجانب السوري، كما نص قانون البحار بين الدول بأن أي اتفاق لتحديد الحدود البحرية يجب أن يشمل الدول المتشاركة في الحدود، أي لبنان وقبرص وسورية.

 

وفي العام 2010 أودع لبنان الأمم المتحدة الخط الحدودي مع فلسطين المحتلة حسب الخط رقم 23 في منطقة الناقورة، بيد أن العدو الإسرائيلي وفي العام 2011 قدم للأمم المتحدة رفضه الاعتراف بالخط 23 مقدماً خطاً بديلاً سمي بخط فريديريك هوف الذي اغتصب مساحات بحرية لبنانية تضم ثلاث بلوكات غاز تعتبر الأغنى.

فرق الهندسة في الجيش اللبناني وبعد دراسات تقنية مكثفة مقدمة من مكتب الهيدروغرافيك البريطاني ««UK Hydrographic Office أي «UKHO» اختصاراً، اكتشف حصة لبنان البحرية تزيد عن 1430 كم زيادة على 860 كم حسب خط فريديريك هوف والذي أصلاً اغتصب الحق اللبناني.

 

في العام 2018 أثبت الجيش اللبناني حق لبنان عبر رسالة ثانية أودعها الأمم المتحدة، لكن أميركا رفضت مضمون الرسالة واقترحت مبدأ التفاوض بين لبنان والعدو الإسرائيلي.

في تشرين الأول من العام 2010 بدأت المفاوضات غير المباشرة بين لبنان والعدو الإسرائيلي بإشراف الأمم المتحدة وأميركا.

شكل الوفد اللبناني من العميد الركن الطيار بسام ياسين رئيساً، العقيد الركن البحري مازن بصبوص، عضو هيئة إدارة قطاع البترول في لبنان وسام شباط، الخبير نجيب مسيحي.

 

الوفد اللبناني المفاوض قدم خرائط ترسيم الحدود بناء على دراسة موثقة ودقيقة أجراها مكتب الهيدروغرافيا البريطانية UKHO المتخصص بترسيم الحدود البحرية للدول طبقاً لاتفاق الأمم المتحدة لقانون البحار unclos مختصرunited nation convention law of the sea وبناء عليه فإن المكتب الرسمي البريطاني أثبت بأن حق لبنان في ترسيم الحدود البحرية يبدأ من النقطة البرية رقم 29 أي بتجاوز 1430 كم زيادة عن 860 كم الذي رسمه خط فريديريك هوف، أي بمعنى أكثر وضوحاً فإن الحق اللبناني صار 2290 كم وبهذه الحالة فإن حقل «كاريش» الغني بالغاز والمتنازع عليه يقع ضمن الحدود اللبنانية وليس من ضمن الحدود الفلسطينية.

شعر العدو الإسرائيلي أنه حشر في الزاوية وأن موقف لبنان حرم العدو الإسرائيلي البدء باستثمار حقل كاريش حيث إن خرائط الوفد اللبناني صحيحة ولا لبس فيها حسب مكتب ukho ومنظمة قانون البحار unclos.

 

سارعت الإدارة الأميركية بإرسال مساعد وزير الخارجية الأميركية ديفيد هيل لممارسة الابتزاز على الإدارة السياسية في لبنان تارة بالتهديد بعقوبات اقتصادية على كل من يتبنى المرسوم 6433 الذي يثبت حق لبنان وتارة بالوعيد في حال أصر لبنان على رفع المرسوم إلى الأمم المتحدة.

 

محصلة اللقاءات مع مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط ديفيد هيل مع المسؤولين اللبنانيين، حملها الأخير في جعبته لتقديمها إلى وزارة الخارجية الأميركية التي ستتكفل باتخاذ القرار المناسب طبقاً للمصالح الأميركية الإسرائيلية غير عابئة بالمصلحة اللبنانية.

 

يذكر أن ختام لقاءات ديفيد هيل الرسمية في بيروت كان مع رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون والذي نتج عنه مفاجأة رئاسية غير سارة ومن العيار الثقيل لكونها لا تصب في مصلحة لبنان، لأن المفاجأة وجهت صفعة بوجه الوفد اللبناني المفاوض، وأسهمت في إضعاف موقفه التفاوضي، ولأنها شكلت خيبة أمل للشعب اللبناني.

وبذلك يكون تعديل المرسوم رقم 6433 الذي يثبت حق لبنان مع زيادة المساحات البحرية في المنطقة المتنازع عليها بين لبنان والعدو الإسرائيلي، قد طوي وحفظ في أدراج مكاتب الإدارة السياسية اللبنانية إذعاناً لتهديدات ديفيد هيل، ما يعني صرف النظر عن وضع توقيع الرئاسة اللبنانية على المرسوم رقم 6433 الأمر الذي يهدد بإهدار حقوق وثروات لبنان السيادية والتفريط بحق الأجيال اللبنانية.

 

المفاجأة المدوية تمثّلت في أن رئيس الجمهورية اللبنانية تجاوب مع ديفيد هيل حيال وجهة نظر الأخير بطلب المساعدة بخبراء دوليين كأساس لاستئناف المفاوضات اللبنانية غير المباشرة مع العدو الإسرائيلي حول ترسيم الحدود البحرية وبرعاية الأمم المتحدة وبوساطة أميركية، ما يعني تجميد التعديلات المتبناة والمقدمة من قبل الجيش اللبناني والوفد اللبناني المفاوض هذا إن لم نقل قد ألغيت، مع العلم أن الوفد المفاوض قدم مطالعة موثقة وقانونية لا جدال فيها تؤكد على صحة ترسيم حدود لبنان البحرية والتي أفضت إلى توسيع البقعة الاقتصادية الجغرافية مستنداً بذلك إلى خرائط موثقة طبقاً لمكتب الهيدروغرافيك البريطاني UKHO المتخصص برسم الحدود البحرية للدول.

 

نذكر أن الكيان الصهيوني ليس عضواً في المنظمة الدولية لقانون البحار كما أنه يرفض الاعتراف بها.

 

لبنان أمام أسئلة مصيرية لا بد للإدارة السياسية من الإجابة عليها، لأن السكوت عنها يعتبر إهداراً فاضحاً للحقوق السيادية اللبنانية وتفريطاً بحق الشعب وهذا أمر لا يمكن السكوت عنه:

 

– ما الأسباب الحقيقية التي جعلت الإدارة السياسية اللبنانية تذعن للطلب الأميركي الإسرائيلي؟

– أين المصلحة الوطنية بوضع المرسوم 6433 في أدراج المكاتب والتمنع عن توقيعه وإيداعه الأمم المتحدة؟

– ما موقف حزب اللـه من محاولة التمنع عن إثبات حق لبنان إن لم نقل إهدار حق لبنان وحق الشعب اللبناني وهو الذي قدم الدماء والشهداء الأشاوس دفاعاً عن حق وثروات وسيادة لبنان البرية والبحرية؟

– لماذا يسمح بالتفاوض مع العدو الإسرائيلي فيما يمنع التفاوض والتشاور مع الشقيقة سورية لتبيان الحدود البحرية المشتركة معها؟!

 

نقول إن الإدارة السياسية في لبنان أخطأت مرتين وبشكل فاضح.

أولاً: الإذعان للطلب الأميركي والعودة إلى نقطة الصفر، أي خط هوف.

ثانياً: التمنّع عن التفاوض مع سورية الشقيقة لما فيه مصلحة البلدين من الناحية الاقتصادية، مع العلم أن سورية قدمت رسالة للأمم المتحدة مفادها التزام سورية بالقانون الدولي.

 

نقول إن الإدارة السياسية في لبنان بإذعانها للطلب الأميركي كشفت عن رعونة غير مسبوقة في إدارة ملف ترسيم الحدود البحرية مع العدو الإسرائيلي، كما أنها كشفت عن الوهن غير المقبول في صون السيادة والمصلحة الوطنية العليا.

 

لبنان يتحكم بقراره السيادي منظومة تمارس فسادها على أوسع نطاق محمية من الإدارة الأميركية، وتجنباً لمزيد من عقوبات أميركية قد تفرض أذعنت المنظومة الفاسدة المهيمنة على القرار اللبناني للضغوط الأميركية الإسرائيلية وبكل وقاحة ودون أي رادع اختارت المساومة على حق لبنان وحق الشعب اللبناني لأجل ضمان مكاسب شخصية بحتة.

 

لكل المطالبين بحياد لبنان نقول: أين يصرف حيادكم في معركة وطنية بين الحق اللبناني وباطل العدو الإسرائيلي؟ فحين تخاض معركة مصيرية ضد عدو مغتصب لحقوقنا الوطنية ودفاعاً عن حق الشعب وعن سيادة الوطن فلا مكان للحياد.

مقالات ذات صلة