عقيلة عبد المجيد الرافعي في ذكراه الثانية: لبنانُ معلقٌ ضمنَ دائرةِ احتمالاتِ تزدادُ خطورةً يوماً بعدَ يومٍ

لمناسبة الذكرى الثانية لوفاة النائب السابق الدكتور عبد المجيد الرافعي تحدثت رفيقة دربه عقيلته السيدة ليلى بقسماطي الرافعي عنه بتقة عالية، فأعادت إلى الحاضر ماضياً لا يُنسى في رحاب عمرها معه، نضالاً وكفاحاً لأجل أمة ووطن الطرابلسي العريق، طبيب الفقراء. عبد المجيد الرافعي.

“أسعدَ اللهُ مساءَكُم بكُلّ خير يا أوفياءَ بلدي.

عبدَ المجيدِ، رفيقي وحبيبي وقائدي….”.

بهذه العبارات استهلت السيدة أقسماتي كلمتها في حضرة المشاركين بإحياء الذكرى:

“يُسعدُني في هذهِ العشيةِ الكريمةِ، وَبحُضورِ نـُخبِ وَقادةِ العملِ الوطنيِّ والسياسيِّ في مدينتِكَ وفي بلادي، وبحضورِ رفاقِكَ، أهلِكَ ومُحبيكَ، وبَعـدَ أنِ اقتطعَ الزمنُ مسافةَ سنتينِ بيننا وبينكَ. يُسعدني أن أتبادلَ معكَ اليومَ الهدايا، فأهديكَ مُؤلفَ الدكتور مصطفى الحلوة وتهدينا أنتَ التفاتةً منكَ إلى الوراء. التفاتةُ الشراكةِ العاطفيّةِ والأخلاقيّةِ والنضاليّةِ والوطنيَّةِ والإنسانيَّةِ بيننا وبينك، وتساعدُنا على العزمِ والعزيمةِ. نحنُ الذين وقفنا العمرَ بجانبِ جبلٍ ظلَّ حتى اللحظةِ الأخيرةِ يَقوى على الاجتياحِ النفسيِّ والمعنويِّ. ظلَّ حتى اللحظةِ الأخيرةِ يُحرِّمُ على الأحداثِ كسْرَ النفوسِ المؤمنةِ، ويعتبرُ القضايا الكبرى بحجمِ جيلٍ منَ المؤمنينَ بالحياةِ الحرَّةِ الكريمةِ.

في الحديثِ عنكَ ومعكَ يختلطُ الوُجدانيُّ منهُ، بالرّوايةِ والرّسالةِ الّلتينِ ترَكتهُما لنا وَعياً والتزاماً نقرأ من خلالِهِما خريطةَ الطريقِ ونستشرِفُ بهما الموقف في لحظةِ الحراجةِ القُصوى لبلدنا لبنانَ ولأمتِنا العربيّةِ ولمدينتِنا طرابلسَ في قلبِ شمالِها العزيز.

أيُّها الأحبّةُ، أصدقاءَ ورفاقَ عبد المجيد

لم يصمدْ قائدُنا الدكتور عبدُ المجيدِ الطيِّبُ الرافعيُّ ويترُكْ لنا ثروةَ صمودِهِ قوةَ ديمومةٍ إلاّ لأنّهُ اسْتقوى بثقافةِ الرّسالةِ في كلِّ أبعادِ شخصيَّتِهِ ودورِهِ وفي طليعتِها البعـدُ القوميّ.

في أسابيعِهِ بلْ وأيّامِهِ الأواخِرِ كان لا يزالُ يعيشُ في قلبِ الحدثِ العربيِّ ويُخفي قلقَهُ الإنسانيَّ عنْ نفسِهِ وأوجاعِهِ، خلفَ هذا الهمِّ، الذي لم يفارٍقـْهُ يوماً ولم يُتْعبْهُ لحظةً واحدةً، ولم يطرحْهُ مرةً بعيداً، عنِ التأثرِ والتأثيرِ. لقد بلغتِ القدرةُ لديهِ على احتمالِ عصفِ الألمِ والآخرةِ معاً، وعلى تحمُّلِ مجموعِ الانتكاساتِ القوميةِ، مَبلغاً لا يستطيعُهُ إلاَّ أصحابُ القضيةِ.

إنّ دروسَهُ لنا التي زاوجَتْ بينَ الاعتقادِ والتَّحمُّلِ والصَّبْرِ ما زالتْ هيَ التي تدفعُنا إلى الرؤيةِ والإنجازِ على طريقِهِ، وفي ضوءِ هذه الدّروسِ نعتقدُ: أنَّ حقائقَ الرُّبْعِ الأوَّلِ من هذا القرنِ هيَ واحدةٌ لم تتغيرْ، إلاّ في فُروعِ الأحداثِ وجُزئيّاتِ نتائجِها.

أيُّها الأصدقاءُ…

بعدَ نكبةِ فلسطينَ واغتصابِ هذهِ القطعةِ العزيزةِ منْ أرضِ العربِ كانتِ النتيجةُ الطبيعيَّةُ، وعلى امتدادِ عُقودِ النّضالِ منْ أجلِها، هيَ أنَّنا تماسَكْنا في الثقافةِ والوُجدانِ والخِياراتِ والإيمانِ في مواجهةِ المُعتدي وحلفائِهِ، ونهضَتْ حركةُ التَّحرُّرِ العربيِّ بكلِّ تياراتِها وقُواها على قاعدةِ هذا التّماسُكِ، وإنْ كانَ الاحتلالُ الاستطانيُّ قدْ حققَ بعضَ الغلبَةِ في الميدانِ والحروبِ، غيرَ أنّهُ لم يستطِعْ ذلك على مُستوى الوعي، ولا على مُستوى الوَحدتينِ الوطنيّةِ والقوميّةِ، فاحتفظَ أبناءُ أمَّتِنا نُخباً وجماهيرَ بكلِّ مُقوماتِ الإيفاءِ بحاجاتِ الصّراعِ في فلسطينَ ومنْ أجلِ أبنائِها، وترسَّخَ الوعْيُ العربيُّ عُمقاً وشُمولاً في ضوءِ قانونِ العلاقةِ بينَ الشقيقِ والصديقِ من ناحيةٍ، وبينَ العدُوِّ المَكشوفِ والمستَتِرِ منْ ناحيةٍ أخرى على المُستويَيْنِ الرّسميِّ والشعبيِّ.

غيرَ أنَّ النكبةَ الثانيةَ، والتي بدأتْ مرحلتُها منذُ الحربِ على العراقِ ومنْ ثُمَّ احتلالِهِ وإسقاطِهِ. تلكَ الحربُ التي قادَها توافقٌ جهنميٌّ بينَ الولاياتِ المتحدةِ الأميريكيةِ وإسرائيلَ وإيرانَ وبعضِ الحكامِ العربِ. إنَّ هذهِ النكبةِ الثانيةِ لم تقتصِرْ مفاعيلُها على تدميرِ الدولةِ الاستراتيجيةِ العربيةِ الأولى في المشرقِ، وتحويلِها إلى رُكامٍ تتوزَّعُ أرضُها بينَ القواعِدِ الأميريكيَّةِ، والعشائِرِ والقبائِلِ وميليشياتِ الفرسِ، وبينَ المذاهِبِ والطوائِفِ والإثنياتِ. ولم يَكُنْ هذا كلُّهُ الضَّرَرَ الأكبرَ والوحيدَ، فإنَّ الشراكةَ الإيرانيّةَ في هذِهِ الجريمَةِ سحَبَتْ نتائِجَها حتى بلغتْ حدودَ الاستباحةِ للإرادةِ العربيةِ، مُتسلِّقةً همَّ فلسطينَ العزيزةَ على أهلِها وعربِها، إجازةَ مرورٍ إلى الشُّرورِ بكلِّ أشكالِها، في منطقةِ المشرقِ العربيِّ وحوضِ البحرِ الأبيضَ المُتوسطِ، وُصولاً إلى الخليجِ العربيِّ واليمنِ.

إننا لا نستطيعُ أن نفهمَ التَّقلباتِ في العلاقاتِ الاستعماريّةِ الأمريكية الراعية لإسرائيل منْ ناحيةٍ، والإيرانيةِ منْ ناحيةٍ أخرى، منْ علاقةُ تَفاهُمٍ لإسقاطِ العراقِ، إلى علاقةِ عداوةٍ مصطنعةٍ حولَ سوريا ولبنانَ، ومنْ ثم العودةُ إلى التّفاوُضِ حولَ كلِّ الملفاتِ بينَ الطرفينِ كما هوَ مطروحٌ الآن، إلاّ كونَها علاقاتٍ قابلةً للتمايُزِ والاختلافِ حولَ سائِرِ القضايا، وغيرَ قابلةٍ للافتراقِ إذا ما تعلَّقَ الموضوعُ بتدميرِ الدّولِ الوطنيّةِ العربيّةِ وبالإطاحَةِ بالقوّةِ الإقليميّةِ للعربِ.

إنّنا ونحنُ نُعاينُ مخاطِرَ صفقةِ القرنِ والأطماعِ الإيرانيةِ في اندفاعةٍ واحدةٍ للطرفينِ، فإنّهُ منْ حقِّنا أنْ نستخلصَ بأنَّ فلسطينَ هيَ الضحيَّةَ المرشَّحةَ، كما كانَ العراقُ الضحيةَّ المُؤكدَةَ لهذهِ الأطماعِ، وسوريا بالانتظارِ كما اليمنُ.

أيها الأصدقاء

أمّا لبنانُ فهوَ معلقٌ ضمنَ دائرةِ الاحتمالاتِ التي تزدادُ خطورةً يوماً بعدَ يومٍ، حيثُ تبدو مساهمةُ بعضِ الأطرافِ المقرِّرِةِ على مُستوى السّلطةِ جليّةً في دفعِ بلدِنا إلى حافَّةِ الهاويةِ، فتتكشفُ سيرةُ ومسيرةُ هذه الأطرافِ يوماً بعدَ يومٍ عنْ غطرسةٍ لم يعرفْ لبنانُ مثيلاً لها، وعنْ فئويَّةٍ لم تتعظْ منَ الماضيينِ القريبِ والبعيدِ. إنها الأهدافُ نفسُها التي تـُعـَبـِّرُ عنْ غُلُوٍ ومُبالغاتٍ حولَ دورِ هذهِ الأطرافِ وموقِفِها، فـَتـُشْهِـرُ في الداخِلِ سلاحَ السعي إلى الخللِ في التوازُنِ الوطنيِّ، وفي الخارِجِ تقدِّمُ عُروضاً على طاولةِ التفاوُضِ بينَ جبهَتي صفقةِ القرنِ وبينَ الدَّوْرِ الإيرانيّ الذي بِدورِهِ يَعرضُ مُقايضةَ حروبِهِ التدميريَّةِ منْ مشرقِ أرضِ العربِ حتى شواطئِ المُتوسِّطِ مُقابِلَ دَورٍ إقليميٍ فائِضِ التأثيرِ، ودائماً على حسابِ العربِ ومصالِحِهم.

وفي لبنانَ أيضاً، إنَّنا إذ نعتقدُ أنَّ سياسةَ حمايةِ الماليةِ العامّةِ بالاعتمادِ على جيوبِ الفقراءِ وصغارِ المُوظفينَ على اختلافِهم، دونَ المَساسِ بالامتيازاتِ التي تـُشكِّلُ واحدةً منْ قنواتِ الفسادِ والهدرِ، إنّما هي سياسةٌ لا تتجاوزُ كونَها وقايةً مؤقتةً ومحدودةَ النتائِجِ في الزّمانِ وفي الأرقامِ. إنّها سياسةُ المرتكِبِ الذي يُخبّئُ رأسَهُ في التّعميةِ وسلوكُهُ يؤكدُ على إرتكابِهِ الجريمةَ والإصرارِ عليها.

إنّ الخروجَ منْ هذا النّفقِ هو في استعادةِ ميّزاتِ لبنانَ التفاضُليّةِ على مُستوى دَورهِ ومَوقعِهِ في المنطقةِ، من خلالِ خياراتِهِ السياسيّةِ والوطنيّةِ التي تحمي اقتصادَهُ وماليّتَهُ، وهي خياراتُ الدولةِ اللّبنانيةِ على مُستوى قرراتِ الحربِ والسّلمِ، بعيداً عن الانحيازِ القاتِلِ والذي أدّى لقطْعِ علاقاتِ التّبادُلِ بينَ لبنانَ ومُحيطِهِ العربيّ وأصدقائِهِ الدّوليينَ.

أيُّها الأحباءُ…

إنّنا ونحنُ نُطلقُ الصرخَةَ تِلوَ الأخرى وعلى امتدادِ عُقودٍ من الزمنٍ لإنصافِ مدينتِنا العزيزةِ، وشِمالِنا الذي بَقيَ طوالَ سنواتِ النُّهوضِ والنُّقوصِ خارجَ معادلةِ الإنماءِ والتنميةِ. إنّنا ونحنُ نلحظُ القهرَ الاجتماعيَّ والنفسيَّ تتسعُ رقعتُهُما في طرابلسَ فتجتاحُ أبناءَ الطبقاتِ الشعبيةِ وُصولاً إلى أبناءِ الطبقةِ الوُسطى التي يقومُ عليها رهانُ المستقبلِ وهي بالتالي صمّامُ التوازنِ الاجتماعي. إنّنا أمامَ هذا كلّهِ نصبحُ جميعاً في حالةِ انعدامِ الوزنِ وانتفاءِ المسؤولية وفقدانِ الحسِّ الإنسانيّ والالتزامِ الأخلاقي، إذا لم نُبادِرْ إلى إعلانِ حالةِ طوارئَ اجتماعيةٍ، تلكَ التي هيَ وحدُها الخطوةُ الموآتيةُ والمُلحّةُ لمواجهةِ الانفجارِ الاجتماعيِّ الذي بدأتْ عيِّناتُهُ تُرصَدُ في أكثرَ منْ منطقةٍ وشارعٍ.

نطالبُ بذلكَ دونَ أن ننتقصَ منْ جهودِ بعضِ المؤسساتِ والهيئاتِ المدنيةِ، التي تُوَظفُ إمكاناتِها، دون أن تبلغُ نتيجةً ملحوظةً، بسببِ التّداعي المُتدحرجِ في الوضعينِ الاجتماعيِّ والاقتصاديّ. لقدْ باتَتِ المسؤوليةُ مسؤوليةَ الدولةِ والقوى السياسيّةِ سيمّا تلكَ التي تُشاركُ في سلطةِ الدولةِ وتتمتّعُ بالتأثيرِ على إداراتِها، كي لا نقولَ الوصايةَ عليها. إنّنا إذْ نُطالبُ بذلكَ فإنّنا لا نعفي أيّةَ قوةٍ قادرةٍ ومؤثرةٍ منْ مسؤوليةِ الشراكةِ الكاملةِ في ما تَجبُ المبادرةُ إليه.

ويَبقى الملفُّ المُلحُّ الذي يُشكلُ نقطةَ البدايةِ لمقاومةِ حالةِ التّردّي في المدينةِ، وهوَ معالجةُ وتفعيلُ الإداراتِ المحليّةِ وعلى رأسِها المجلسُ البلديُّ الذي يُعاني نِصابِ القرارِ، وقُصورِ الأجهزةِ التابعةِ لهُ، ولدينا ملاحظةٌ تأسيسيّةٌ لمعالجةِ هذا الملفِّ وهيَ وليدةُ التّجاربِ المُرّةِ معَ هذا المجلسِ ومعَ مجالسَ أخرى سابقةٍ لهُ، وهيَ أنّ المجلسَ البلديَّ الذي يأتي بالسيّاسةِ ويصمدُ بالسياسةِ ويسقُطُ بالسياسةِ هو مجلسٌ لا يسعى إلى التّقدّمِ والنّجاحِ والإنجازِ، لأنّهُ ليسَ بحاجةٍ إلى رأي الناسِ أصحابِ الحاجاتِ والحقوقِ. ومن هُنا، فإنّنا ندعو الأطرافَ السياسيّةَ أنْ تتحملَ مسؤولياتِها، وتُبادرَ إلى إخراجِ بلديّةِ طرابلسَ من أزمتِها المستمرّةِ.
إنَّنا إذ نقولُ ذلكَ فإنَّنا نُسجّلُ اعتذارَنا لبعضِ الذينَ خالفوا هذا النّهجِ ولمْ تضبطْهُمُ السياسةُ وِفْقَ أهوائِها وفئويَّتِها.

أيها الأصدقاء

إنّنا منْ مدرسةْ مَنْ نُحْيي ذِكراهُ السّنويّةَ الثانيةَ الحبيبِ الدكتورِ عبدِ المجيدِ الرافعيِّ مُؤكدينَ انتماءَنا إلى هذهِ المدرسةِ في حَمْلِ همِّ طرابلسَ وأهلِها، مُلتزمينَ هذهِ المدرسةَ بالنّضالِ منْ أجلِ المَظلومينَ والمَقهورينَ منْ أبناءِ أمّتِنا وبلدِنا ومدينتِنا وبالتحالُفِ معَ نُخبِها الوطنيةِ والقوميةِ.

تحيةً إلى روحِكَ الطّاهرةِ يا عبدَ المجيدِ، عهداً ووعداً لإتمام مسيرتِكَ وتطبيقِ كافة وصاياكَ، تحيةَ إلى أرواحِ رفاقِكَ الشّهداءِ في لبنانَ وفلسطينَ والعراقِ وعلى رأسهِمْ الرئيسُ الشهيدُ صدامُ حسين.

تحيةً إلى جيشِنا والقُوى العسكريّةِ والأمنيّةِ اللبنانيّةِ وشهدائِهِمُ الأبرارِ.

تحيةً إلى مُقاومي الاحتلالِ الصّهيونيّ الفارسيّ الأميركيّ في العراقِ بقيادةِ الرفيقِ الأمينِ العامِّ عزّتِ إبراهيم.

تحيةً إلى أبطالِ المقاومةِ الصامدة لتحريرِ فلسطينَ وكلّ أرضٍ عربيةٍ محتلة.

تحيةً لكُم موصولة بعرفانِ وامتنانِ راحلُنا الكبير من عليائِه.

عشتمْ وعاشَ لبنانُ وعاشتِ الأمَّةُ العربيَّةُ”.