في ضوء التفاعل الفرنسي مع الموقف السعودي المستجد “غير الحريري”.. هل يكون مخزومي؟

خلافاً لكل ما يشاع من تفاؤل بقرب ولادة الحكومة فإن ما يجري داخليا وخليجيا ودوليا لا يعدو كونه محاولات لإمرار الوقت في انتظار اتضاح المصير الذي ستؤول اليه ازمات المنطقة ومعها الاستحقاقات الرئاسية وغير الرئاسية في هذه الدولة او تلك، والمقصود هنا حرب اليمن والملف النووي الايراني والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين وغيرها.

ومع ان من غير المنطقي ولا الواقعي ربط الاستحقاق مصير الحكومي اللبناني بكل هذه الازمات والاستحقاقات، فانه يتبين ان بعض المعنيين، بل “المزنوقين”(حسب التوصيف الجنبلاطي الشهير) انما يجرون هذا الربط على امرار الوقت يستولد لاحقا ظروفا تفك “زنقتهم” هذه وتعيد اليهم زمام المبادرة والعودة “بقوة” الى الساحة.

اول “المزنوقين” هو الرئيس المكلف تأليف الحكومة سعد الحريري الذي ما ان تلوح ايجابية في التأليف الحكومي حتى يسارع الى تبديدها بالتصلب في موقفه فيما هو يعرف ان موقفه كالآخرين يخالف اصول التكليف والتأليف الحكوميين، فهو وكل من الافرقاء يحاول الخلاص من “زنقته” على طريقته واسلوبه. فحزب الله يرى ان تاليف الحكومة التكنوسياسية يفك “زنقته” المتأتية من رفض الخليجي والاميركي اشراكه فيها، والمنظومة السياسية والاقتصادية والمصرفية والمالية الحاكمة ترى في مثل هذه الحكومة ما يجنبها كأس المحاسبة داخليا ودوليا على الفساد المتمادي والسرقات التي تمارسها منذ بداية حكمها في العام 1992، والدليل الى ذلك تبادل الادوار وتبدل المواقف على حلبة الاستحقاق الحكومي في الاتجاه الذي يؤدي الى منع هذه المحاسبة وتعطيل الادوات التي تفضي اليها، والمثال ما آلت اليه المبادرة الفرنسية نتيجة ما فعلوه بها فجميعهم رحبوا بها وهللوا و”أحبوها بشدة” حتى قتلوها “فمن الحب ما قَتَل”.

لكن الفرنسيين الذين لم ييأسوا بعد رغم ما عبروا عنه من احباط وخيبة امل على لسان الرئيس ايمانويل ماكرون ووزير خارجيته جان ايف لودريان وتلويحهم بفرض عقوبات اوروبية على القادة السياسيين اللبنانيين، لم يكونوا معصومين من إرتكاب الخطأ الذي ساهم في تعطيل او اعاقة مبادرتهم لحل الازمة اللبنانية، فبدلاً من ان يبقوا في موقف الحَكَم والداعم الذين يهابه الجميع ويحترمه، دخلوا شركاء في وسائل الحل، فحاولوا ازاحة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة( مع ان اللبنانيين بغالبيتهم لا يأسفون على ازاحته ويتهمونه بالشراكة مع المنظومة الفاسدة في كل الموبقات والسرقات التي مارستها ولا تزال) وعملوا على الاستحواز على وزارة الطاقة ( خدمة لمصالحهم المرحلية والاستراتيجية في نفط البحر المتوسط وغازه) عبر تسمية وزير لها ايام تكليف مصطفى اديب الذي فشل، ثم الان ايام تكليف الحريري الذي لم ينجح بعد. الامر الذي جعلهم طرفا في المحاصصة الوزارية اللبنانية ما اضعف موقفهم وافقدهم القدرة حتى الآن على ايصال مبادرتهم الى حيز التنفيذ، وربما يكون هذا الامر قد افقدهم امكانية اعتماد خيارات أخرى على صعيد رئاسة الحكومة بدليل انهم تمسكوا بالحريري ليكتشفوا ان الرجل يواجه فيتوات عليه، او على الاقل لا يحظى بتشجيع خليجي، وسعودي تحديدا، وكذلك لا يحظى حتى بتأييد اميركي، ولولا التأييد الفرنسي له لبرز “فيتو” اوروبيا عليه، لأن أي عاصمة من عواصم الاتحاد الاوروبي، باستثناء باريس، لم تعلن تأييدها له شخصياً، حتى انها لم تحضّ بقوة على تأليف الحكومة اللبنانية سريعاً.

والآن، وفيما تحاول فرنسا اعادة الحياة الى مبادرتها عبر السعي لاستقبال رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل ومحاولة جمعه في قصر الاليزيه مع الحريري لاعتقادها ان الخلاف المستحكم بين الرجلين هو الذي يعوق ولادة الحكومة منذ اكثر من خمسة اشهر انقضت على تكليف الحريري تأليفها، كذلك تفكر باريس في استقبال رئيس مجلس النواب نبيه بري او ممثل عنه وممثلين آخرين لبقية المنظومة التي تتحمل المسؤولية عن الانهيار الذي تعيشه البلاد، لترعى مصالحة بين افرقاء هذه المنظمة عنوانها توفير الاتفاق المطلوب لتأمين ولادة الحكومة، الامر الذي اذا حصل سيؤكد أن باريس اعادت تسليط المنظومة الفاسدة على رقاب اللبنانيين التواقين الى الخلاص منها وظنوا يوما ان المبادرة الفرنسية ستكون السبيل الى تحقيق هذا الهدف.

ولكن ثمة مؤشر يدل الى ان الادارة الفرنسية بدأت تفكر في خيارات أخرى غير الحريري لرئاسة الحكومة في حال فشل المصالحة التي تسعى الى عقدها بين الحريري وباسيل، والبعض يرجح حصول هذا الفشل لأن باسيل لم يتخل ضمنا عن “الثلث المعطل” الذي يخطط للحصول عليه “بالباطن” ضمن حكومة “الثلاث ثمانات” التي قيل انه تم الاتفاق عليها وعلى ان لا يكون فيها ثلث معطل لأحد.

وفي الملعومات ان باريس بدأت تفكر بغير الحريري لرئاسة الحكومة بعد سماعها الموقف الذي عبر عنه وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله آل سعود من ان بلاده تؤيد تاليف الحكومة اللبنانية “برئاسة الحريري أو غيره”، وكان اللافت هنا اضاءة بعض كبريات الصحف الفرنسية على اسم رئيس حزب الحوار النائب فؤاد مخزومي كشخصية كفوءة وذات علاقات عربية ودولية واسعة وصاحبة برنامج اصلاحي معروف قادرة على تنفيذ الاصلاحات المطلوبة دوليا لانقاذ لبنان من الانهيار الذي يعيشه، وذلك غداة صدور هذا الموقف السعودي الذي استدعى تفسيرات عدة ابرزها ان الفرنسيين او دولتهم العميقة وقرأت موقف الرياض على انه غير مؤيد للحريري ورسالة تدعو المعنيين في لبنان والخارج الى البحث عن اسم بديل وهو المقصود بعبارة “أو غيره” في كلام رئيس الديبلوماسية السعودية.

ومن التفسيرات أيضا ان الادارة الفرنسية ربما تكون قرأت الموقف السعودي المستجد رسالة تجعلها في حِلٍ من دعم الحريري وقد رشح في الساعات الماضية ان زيارة باسيل لباريس لم تعد مطروحة، ما يعني ان لا مصالحة ستحصل بينه وبين الحريري برعاية ماكرون في قصر الاليزيه. علما ان ما رشح في الوقت نفسه من “بيت الوسط” ان الحريري لم يتلق بعد دعوة فرنسية لزيارة باريس للقاء ماكرون او غيره.

ومن الواضح الى الآن ان الحريري ليس مرتاحا الى الموقف السعودي المتمسك بحكومة خالية من حزب الله فيما هو ليس بقادر على تأليف حكومة من هذا النوع، فضلا عن السعوديين يقولون امام زوارهم هذه الايام انه قدموا منذ العام 2005 دعما ماليا للبنان وللقوى السياسية الموالية لهم بما يربو على العشرين مليار دولار، ويسألون اي هي هذه الاموال، وعلى ماذا صرفت فيما لبنان وصل الى هذا الانهيار المريع؟ وهذا الكلام السعودي يدل على ان الرياض باتت في حل من هذه المنظومة السياسية وتؤيد الذهاب الى انتاج سلطة سياسية جديدة ولذلك هي لا تخف تأييدها لتأليف حكومة الاختصاصيين غير الحزبيين التي فشل الحريري في تأليفها وها هو تخلى عنها الآن وبدأ يبحث مع الافرقاء الآخرين في حكومة تكنوسياسية لا يبدو انها ستبصر النور لأن المجتمع الدولي بما فيه دول الخليج، لن يقدم اي مساعدة للبنان سوف تستولي عليها المنظومة الفاسدة كما فعلت في السابق ولا تزال حتى الآن.

خلال الايام والاسابيع المقبلة سيظهر فعليا ما اذا كان الحريري سيؤلف الحكومة أو انه سيعتذر أو يُدفع الى الاعتذار بضغط من الخارج قبل الداخل ليتولى “غيره” (المشار اليه في كلام وزير الخارجية السعودي) تأليف حكومة الاصلاحات والانتخابات. علما ان “غيره” هذا لن يكون هذه المرة للحريري ولا لما يسمى “نادي رؤساء الحكومة السابقين” أي دور في تسميته مثلما حصل مع مصطفى اديب.

اللبنانية

مقالات ذات صلة