كيف سيكون قطاع التربية والتعليم بعد كورونا؟

كتب د. طلال حاطوم

بعد مرور حوالى سنتين على تفشي جائحة كورونا (كوفيد ـ 19) في العالم بأجمعه، وعلى الرغم من نجاح المؤسسات العلمية والطبية المتخصصة والمختبرات في ايجاد علاج (ولو متأخراً) لهذا الفيروس القاتل الذي اودى بحياة اكثر من مليون 2.9 (حوالى مليونان تسعماية الف حالة وفاة) انسان على مساحة العالم، ناهيك عن عشرات ملايين المصابين الذين لم يشفوا بعد، واستمرار الاعلان عن اصابات جديدة يومياً اصبحت تطال مختلف الفئات العمرية في معظم دول العالم، بعد كل هذا، ربما، من الممكن ايراد بعض الملاحظات والاشارة الى استنتاجات مبدئية:

1 ـ لم يستفد العالم من التطور التكنولوجي الذي مكّن من سرعة انتقال المعلومات وسعة انتشارها والقدرة على تخطي الحدود المكانية والزمنية، ولم يبنِ على صغر القرية الكونية، بل ظهر بوضوح ان اصابة شخص واحد في ووهان الصينية وانتشار العدوى في هذه المدينة، التي لم يسمع كثيرون بها قبل الجائحة، لم يقرع جرس الانذار الوبائي في اذهان الذين وصلت اليهم المعلومة، بل تعاملوا معها بسطحية كما مع كثير مما يصلهم من الضخ الاعلامي عبر وسائط ووسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي دون ان يتفحصوا فحواه ودون الاهتمام الفعلي بمضمونه، مما ساهم في انتشار سريع للجائحة، لدرجة الاستهتار لاسباب منها:

اولاً: عدم التصديق ان الفيروس يمكن ان يصيبهم.

وثانياً عدم معرفة انه من الممكن ان يكون قاتلاً كما ظهر فعلياً.

ناهيك عن محاولات (التذاكي) الفردي والمجتمعي للهروب من الاجراءات الوقائية المفروضة في بعض الدول.

ولم تنفع كل الاعلانات والتوصيات والشروحات التي هدفت الى تمنيع المجتمع وسبل الوقاية والاجراءات الاحترازية في التغلب على الاصرار الفردي على عدم الاهتمام، لدرجة رفض وضع الكمامة، اقله في الاماكن العامة والمكتظة!

2 ـ على المستويات الحكومية، تبين ان الدول ليست مجهزة، حتى المتطور من هذه الدول، لمواجهة هكذا نوع من الفيروسات، او ان جدارها المناعي والصحي ليس مؤهلاً لكبح جماحها والحد من تفشيها، فكانت الاجراءات الصحية الاولية بطيئة وخجولة وغير كافية، ولم تتماشَ مع سرعة انتشار الجائحة. والخطوات اللاحقة التي بدأتها هذه الدول اتت متأخرة لاكثر من سبب:

أ ـ عدم معرفة علمية واضحة واكيدة لطريقة انتشار الفيروس.

ب ـ عدم وجود لقاح مضمون ومؤكد مضاد للفيروس.

ج ـ غياب القدرة على المتابعة الصحية للمرضى والمصابين مع توسع رقعة الانتشار.

د ـ الخشية من اعلان دول بكاملها كمناطق موبؤة مع انعكاس ذلك على (صورة) تلك الدول.

هـ ـ الواقع السياسي الذي لعب دوراً كبيراً في التخبط الذي اصاب السياسات العلاجية واستخدام اللقاح.

و ـ تأخر التعاون الدولي الجاد للبحث عن العلاج وتشارك المعلومات لاسباب في معظمها يتعلق بتوجهات الدول وسياساتها الخارجية، وعدم قدرة منظمة الصحة العالمية على تجاوز الحدود السياسية التي تقيد عملها في اغلب الاوقات.

ز ـ انخفاض فعالية اجراءات التنقل والسفر بين الدول للحد من الانتشار الوبائي.

التحديات على مستوى قطاع التربية والتعليم:

شكّل انعكاس الاغلاق التام، او الجزئي، كتدبير وقائي جملة تحديات في كثير من القطاعات في العالم، باختصار شديد لا بد من الاشارة الى التحديات على مستوى قطاع التربية والتعليم:

اظهرت جائحة كورونا تفاوتاً في الانظمة التعليمية في كثير من دول العالم، مما زاد من عامل الضغط النفسي على الاهل والطلاب والمعلمين على حد سواء، ولم يعد التعليم متاحاً للجميع بشكل عادل ومتساوٍ، دون الاشارة تهميش المتعلمين من ذوي الاحتياجات الخاصة حيث لم تلحظهم اية برامج على الصعيد الرسمي في متابعة التعليم عن بعد. وايضاَ دون الاخذ بالاعتبار الدول التي تشهد اضطرابات او نزاعات، او اوضاعاً اقتصادية متردية وامكانيات ضعيفة وغياب للبنى التحتية الضرورية للتعلم عن بعد (توفر اجهزة الحاسوب، سرعة الانترنت، قدرة الطلاب والاساتذة …)، والتحديات في المجالات التعليمية التطبيقية والمخبرية، مما اثر على تكافوء الفرص وغياب المساواة والعدالة بين الطلاب والتلامذة.

من التحديات لما بعد (كورونا) في قطاع التربية والتعليم، اذا تجاوزنا الى مرحلة ما بعد كورونا، وكيف سيكون شكل التعليم مستقبلاً:

ـ هل سيتمكن الطلاب الذين تابعوا التعليم عن بعد من العودة الى التعليم الحضوري ونظام: صف، استاذ، طلاب؟؟

ـ هل من دراسات لدراسة التأثيرات النفسية وردود الفعل على مستوى الجهاز التعليمي باكمله: اساتذة، اداريين، طلاب واهل؟

ـ هل شكّل التعليم عن بعد (مع اختصار الاوقات والحصص) مضمونا كافياً يؤهل الطلاب اكاديمياً وعلمياً وعلى مستوى التطبيق؟

ـ ما هو مستوى التسرب الدراسي في المراحل التعليمية كافة؟ وهل تم لحظ هذا الامر، ووضع الخطط لمواجهته؟

ـ هل من موعد لوقف التخبط المؤسساتي في وضع الاستراتيجيات المرتجلة وطرح الخطط التي يتبين عدم جدواها في ظل طول انتظار انتهاء الجائحة؟

ـ هل ستكون هناك تشريعات وقوانين للمرحلة المقبلة تعالج نقاط الضعف التي اوهنت في جسم القطاع التربوي والتعليمي وتراتيبته وتركيبته؟

اسئلة قد لا نمتلك الاجابة عليها حالياً ولكن لا بد من طرحها للنقاش.

 

*استاذ في كلية الاعلام في الجامعة اللبنانية

مقالات ذات صلة