نصر الله: لغة العقل وفرصة الإنقاذ/ غالب قنديل

ركّز الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله على ضرورة اتخاذ المبادرات العاجلة لوقف الانهيار وعدم الاستمرار في حلقة انتظار واستنزاف سلبية لا طائل منها، بل هي ترفع الكلفة، وتفاقم الخسائر المتراكمة يوميا بما يجعل حياة اللبنانيين أشدّ صعوبة، ويرفع كلفة الإنقاذ.

أولا: لم يكن سماحة السيد في حاجة الى تكرار رؤيته الإنقاذية، التي عرضها بالتفصيل في خطاب سابق، وتعامل معها الوسط السياسي بمعظم أطرافه، ببلادته المعهودة، فظل كلّ يغني على ليلاه دون أن تتحرك ولو بادرة واحدة للتشاور مع قيادة حزب الله في العمل المشترك الممكن لإنقاذ البلد، وكيفية تحويل مقترحات السيد الى برنامج عمل، تتلاقى حوله الإرادات الوطنية لإنقاذ لبنان. وبكل أسف ران صمت القبور في جميع مواقع القيادة والقرار على صعيد العمل الوطني، بل إن أقرب الحلفاء بالكاد صدرت عنهم إشارات تأييد خجولة، كانت أقرب الى المجاملة منها الى النقاش الجدي والمسؤول والتجاوب مع مبادرة كانت هي الإطار اليتيم لمشروع إنقاض جدي، يُطرح في التداول السياسي.

إن الواقع اللبناني يستدعي تحويل مقترحات السيد نصر الله الى خطة تنفيذية ومادة للنقاش السياسي والشعبي لبلورة إرادة واسعة ما أمكن، قادرة على إنقاذ البلد.

ثانيا: إن الواقع السياسي اللبناني في التعامل مع هذا الخطاب الهام وأفكاره الجوهرية يحاكي المثل القائل “عرب وين طنبورة وين”. فبدلا من النقاش الجدي والناضج والمسؤول في الخيارات المتاحة لوقف الكارثة وكيفية صياغتها في برامج عمل تنفيذية، وبلورة إرادة مشتركة وجدية لتجسيدها واقعيا دون إبطاء ودون انتظار، يسترسل الجميع في خنادق التناحر ومحاربة طواحين الهواء وعلك المعلوك من مفردات النزاع على مواقع السلطة، التي تقف على كومة خراب.

يصحّ في مفردات النقاش السياسي اللبناني وصف “جدل بيزنطة”، التي علا صراخ قادتها المتناحرين، بينما كان العدو على الأبواب. واليوم يعلو الصراخ اللبناني ويستعر التناحر السياسي، بينما الكارثة تزحف. والجميع يعلم انه لا غنى عن صيغة جمع شاملة تحقّقا الإرادة المشتركة لبلورة وتجسيد الخيارات الإنقاذية، التي ليست في طاقة أي جهة بمفردها، بسبب تركيبة المجتمع وطبيعة النظام السياسي وآلية تكوين السلطة التنفيذية. ولذلك نقول إن سائر الأطراف الرئيسية المكوّنة للنظام محكومة بالتعاون وبلورة خطة مشركة ومماحكاتها تبدّد الجهود وتستنزف البلد وتهدر الوقت والفرص. وهي جريمة محقّقة، تدفع بنا الى الكارثة بسرعة قياسية.

ثالثا: نكرّر ونعيد ما قاله السيد نصر الله حول فرص الإنقاذ والنهوض معا في خطابيه الأخيرين، وهو بذلك كان يقدّم صورة دقيقة عن الواقع الموضوعي في وصفه للتهديدات وللمخارج المتاحة التي تستدعي بناء إرادة وطنية مشتركة، وتحويل مشاريع الإنقاذ الى خطط عمل حكومية وقوانين نافذة حيث تدعو الحاجة. وفي زمن لا يُمهِل، وعلى مسافة قصيرة من انهيار شامل وشيك وكارثة كبرى، تتضاعف قيمة الزمن وينبغي العمل بسرعة. وتلك هي بديهية الكائنات الحية، التي تداهمها الكوارث. ولن نسرد التفاصيل عن حركة البهائم والطيور بقوة الغريزة في صدّ عواتي الطبيعة وكوارثها. والشواهد يعرفها كلّ بشري طبيعي يعيش على هذه الأرض ويعقل ما حوله أو يتفكّر في بديهيات العيش الحيواني والإنساني.

المشهد اللبناني سوريالي حقاً في تفاصيله وتعبيراته، ويتخطّى الأمر توصيفات البلاهة والاغتراب عن الواقع. وبالتالي يستدعي صحوة مستحقّة من هذه السكرة، التي تعكسها المفردات السياسية والتعبيرات الإعلامية. ولا ينبغي أن تستمر كلمة السيد نصر الله ودعوته الى العمل معا في سبيل الإنقاذ وكأنها صرخة في وادٍ، تتبدّ في الفضاء، ويضرب صداها الصخور، وتُصَمّ الآذان والعقول دون حراك.

إننا ندعو، وبغضّ النظر عن التبلّد الصارخ في الواقع السياسي وفي المؤسسات، الى تحرّك على الصعيد الاجتماعي، يجعل من مقترحات نصر الله مبادئ لبرنامج عمل، يتمّ الضغط لتحويله الى خطة تنفيذية تقرّها مؤسسات الدولة، مع المراعاة الدقيقة لجميع حساسيات واعتبارات الوحدة الوطنية والسلم الأهلي، التي يجسّد السيد نصر الله حرصا نوعيا في التعامل معها بمستوى ما تستحق في الحياة الوطنية.

خطاب السيد، هو برنامج إنقاذ والمطلوب من الإعلام اللبناني أن يطوّر النقاش حوله، وأن يتوسّع في شرحه، وفي الدعوة الى تنفيذه، وفي الحثّ على التحرّك العاجل ضمن هذا التوجه، وغير ذلك سفسطة وإضاعة للوقت لا طائل منها.