تقرير اقتصادي أميركي يكشف أحد ألغاز الحرب على سورية/ غالب قنديل

كتب الخبير الاقتصادي الأميركي “جيفري ساشيز” المحاضر في جامعة كولومبيا مقالة في “وول ستريت جورنال” قال فيها “إن سورية ممكن أن يعيش فيها ثمانون مليون نسمة، بدخل للفرد الواحد، يعادل دخل الفرد في هولندا وبلجيكا”. أضاف “إن ثروة ضخمة من النفط والغاز موجودة في باطن الأرض السورية، ما تزال غير مُستخرجة، إضافة الى الحقول العديدة، التي استُخرج منها النفط والغاز في سورية في السنوات الأخيرة” وخلص الى القول “إن هذه الثروات وغيرها ترشّح سورية لتكون قوة اقتصادية غنية، ولا سيما أنها تمتلك ثروة زراعية هائلة واقتصادا ناميا، وتوجد فيها مناجم فحم حجري وذهب، وخزّان بشري فتي”. 

أولا: أهمية هذه المعطيات أنها وردت على لسان خبير أميركي وليست تقريرا صادرا عن جهة حكومية سورية. وهذه الحقائق الأكيدة عن حجم الثروات السورية تفسّر الكثير مما تعرّضت له سورية من حروب وخطط استنزاف وتدمير، وصولا الى الفصل الأخير من الغزوة الاستعمارية الصهيونية المعادية.

إن في سورية شعبا منتجا ومثابرا ودولة وطنية تحرّرية مناهضة للهيمنة ومقاومة للعدوان، وهذا ما يدفع القوى الاستعمارية الغربية، ولا سيما الإمبراطورية الأميركية الى اعتبار القوة السورية الكامنة مصدر خطر كبير على مشاريع الهيمنة والنهب في المنطقة. فهذه الــ سورية بهويتها التحرّرية والقومية إذا تيسّرت لها ثروات كبيرة وضخمة، تستطيع الاعتماد عليها، يمكن أن تتحول الى قوة اقتصادية عظيمة وفاعلة في محيطها العربي والمشرقي، ويمكن أن تهب بعضا من قوتها للأشقاء، ولا سيما شركاء المقاومة وخيار التحرّر. وسورية القادرة أن تنهض في هذه الحالة وتزدهر وتتحول الى قوة إقليمية عملاقة اقتصاديا وسياسيا، يمكن أن تتحول الى ظاهرة جديدة في الشرق العربي، والى مركز استقطاب إقليمي ودولي للشراكات الجديدة والواسعة المتحرّرة من الهيمنة. ولذلك يمكن أن نفهم لماذا استُهدفت سورية بأشرس خطة تدمير معاصرة، ترسمها دوائر التخطيط الغربي ضد الدول النامية في منطقتنا وفي العالم الثالث.

ثانيا: إن وجود دولة وطنية تحرّرية في سورية يمثّل مصدر الخطر الكبير لدوائر الغرب، ليس فقط لأن هذه الدولة والقيادة السورية الوطنية يتمسّكان بالاستقلال والتنمية على قاعدة رفض الهيمنة والارتباط بالغرب أو الخضوع للإملاءات، بل أيضا لأن سيرة سورية عبر التاريخ المعاصر، تثبت مبدئية شديدة وجذرية في اعتناق فكرة التحرّر ورفض الهيمنة، وفي التضامن القومي والأممي مع الدول والشعوب الحرة. وتقول التجربة إن هذه الـ سورية، وبالذات بقيادة الرئيس بشار الأسد، يمكن أن تتحول الى قوة مزدهرة باستثمار ثرواتها الكامنة وصداقاتها وشراكاتها الواسعة. ولأن سورية فيها شعب فتيّ وفق جميع الدراسات الغربية المتداولة، يمكن أن تتحول الى أحد أهم القوى الاقتصادية الصاعدة في منطقتنا، ولا سيما أنها تميزت بتنوع موارد ثرواتها وبقوتها المنتجة الفتية وقدرتها على الإبداع والمنافسة. وبالتالي لن تكون سورية مهدّدة بانحرافات الاقتصاد الأحادي، التي عاشتها الدول النفطية العربية، وبدّدت بها مستخرجات باطن الأرض في بذخ استهلاكي معظم الأحيان، لأن التجربة السورية تؤكد قدرة عالية على استثمار الثروات وحرصا شديدا على قيمة الإنتاج والابتكار، الذي هو إرث الشعب العربي السوري وتقليده الأثير في الحياة، وتشهد به إبداعات وصناعات وابتكارات وطنية ومتعددة، يفاخر بها السوريون. وهذا سرّ ما استطاعت الدولة الوطنية السورية أن تتوصل اليه قبل حرب التدمير وخرابها، من اكتفاء ذاتي كان مضرب المثل. وما تزال قطاعات الإنتاج السورية واعدة وقادرة على النهوض، فكيف إذا توفّرت لها فرص التمويل والاستثمار الواسع بقيادة دولة وطنية أثبتت مقدرة عالية في حسن إدارة الثروات العامة والاقتصاد الوطني. وهذ أحد الشواهد الرئيسية، التي يعترف بها الكثيرون في ملحمة الصمود السوري.

ثالثا: حين يعلن مصدر أميركي معلومات كًتمت طويلا عن الثروات السورية، فهذا يعني أن الولايات المتحدة تضع في حساب خططتها وسياستها في المنطقة عملا استباقيا لمنع تحول سورية الى قوة عملاقة. فالتجربة تقول إن سورية متجذّرة في خيارها القومي التحرّري وفي تحالفاتها مع خصوم الهيمنة الاستعمارية، ولا سيما مع محور المقاومة وروسيا والصين، وهذا بذاته، هو أحد العوامل الأساسية لضراوة العدوان وبشاعة التدمير، الذي استُدف به الاقتصاد السوري خلال السنوات الماضية. واستمرار الحصار والضغوط الغربية – الأميركية، رغم هزيمة العدوان، يجسّد الرغبة الاستعمارية في إبقاء القوة الاقتصادية السورية تحت الضغط خوفا من نهوضها، وتحوّل هذا البلد، الذي هو قلعة تحرّر ومقاومة، الى عملاق اقتصادي.

هذا التقرير الأميركي المبني على معلومات ووثائق، هو بشارة للسوريين والعرب، وبيان اعتراف يثلج صدور جميع المقاومين، ويحفّز إرادة المقاومة وعهد الدفاع عن القلعة السورية والتضامن مع شعبها الأبي وقيادتها المناضلة عند كلّ حرّ وشريف في البلاد العربية. فقوة سورية الاقتصادية ستكون قوة لشركاء الصمود والمقاومة. وسورية الأسد، التي لم تبخل على أي من شركاء المصير، ستكون في نهوضها الاقتصادي الواعد قطبا يمكن أن تعتمد عليه قوى التحرّر والمقاومة في المنطقة. ونحن ندرك اليوم أكثر من أي وقت مضى سرّ استهداف الدولة الوطنية والقائد بشار الأسد قبل اعتلام تلك الثروة الضخمة وبعده، ونجد اليوم أن من حقّ السوريين وواجبهم أن يلتفّوا حول قائدهم ودولتهم الجديرين بقيادة نهضة سورية الاقتصادية الواعدة والقادمة الى الشرق الواسع كمارد عربي، يشعّ من حوله، ويهب من قوته لجميع الحلفاء الصادقين وشركاء خيار التحرّر، كما فعلت سورية دائما.

مقالات ذات صلة