تأملات في واقع الحياة.. الفارق ليس في المناخ بل في الأشخاص

كتب الشيخ عبد القادر فاكهاني:

لم يكن الخلافُ السياسيُّ يومًا على حسب علمي في بلادي، ولن أسميها حتى لا ينزعجَ خاطرُ البعض، على بناءِ جسرٍ أو إقامةِ سدٍ أو توسيعِ شبكةِ صرفٍ صحي (التسمية الرسمية للمجارير) وتطويرِ شبكاتِ الكهرباء والمياهِ والطرقاتِ والسككِ الحديدية وبناءِ المصانع وتقويةِ الاقتصادِ والصناعةِ والعملةِ الوطنية!… في بلادي يختلفون على هذه المواضيعِ لا لإقامتها بل لعدم إقامتها… في بلادي اعتدنا على الشعاراتِ والوعودِ وخاصةً في زمنِ الانتخاباتِ النيابيةِ والبلدية… واعتدنا على رواج العملة الخضراءِ ذاتِ الرائحةِ المتميزةِ التي يُغدِقُها الساسةُ والمرشحون الجدّيون والمرشحون الراغبون فقط بالتقاطِ الصور وذيوعِ خبرِ ترشحهم في أوساط الأهل وأبناء المدينة والقرى المحيطة بها!… في بلادي يختلفون في الغالب حول طرقِ عرقلةِ بعضِهم البعض وحول إثباتِ الذاتِ ومن هو الأقوى في إطلاقِ الوعودِ ومن هو الأجملُ والأبهى حُلةً في إطلالاتِه التلفزيونية!...

أصلًا في بلادي، وأكرر أنني لن أسميَها، نفتقدُ لأغلبِ مقوماتِ الدولة… ولدينا مشاكل انتهت إلى غير رجعةٍ في دولٍ عديدة منذ عشراتِ السنين… عندنا مشاكل في الكهرباءِ والمياهِ والصرفِ الصحي والطرقاتِ والتلوثِ والبطالةِ والإسكانِ ومؤسساتِ الضمانِ الاجتماعي والاستشفاءِ والطبابةِ والمستشفيات وغير ذلك كثير… ولا يوجد عندنا أصلًا سكةُ حديد (هنا يضيقُ هامشُ احتمالاتِ ما هي البلادُ المقصودة)… لأن مساحةَ بلادِنا صغيرةٌ ويكفي بنظرهم وجودُ النقل المشترك… لذلك هم مُنكبّون، هكذا يقولون، على دراسةِ سبلِ تحقيقِ هذا الحلمِ التاريخي للشعب! وإلى أن يصيرَ هناك بعد عمرٍ مديدٍ نقلٌ مشتركٌ ما زلنا نحن ننتقلُ من حلمٍ إلى حلمٍ ومن وعدٍ إلى آخر… ولو تحقق نصفُ الوعودِ وخاصةً الوعودَ الانتخابيةَ لكنّا بالفعل سويسرا الشرق!… ولو طُبّق بعضٌ قليلٌ مما يرِدُ في البياناتِ الوزاريةِ التي تواكبُ تشكيلَ الحكوماتِ لكنا في منافسةٍ مع اليابان أو كوريا الجنوبية أو على الأقل الشمالية!…

في ماليزيا… ظهرت إرادةٌ سياسيةٌ بالتغييرِ والنهوضِ منذ نحوِ ثلاثين سنة فتحولت من دولةٍ زراعيةٍ إلى دولةٍ صناعيةٍ متقدمة، وبلغت نسبةُ صادراتِ السلعِ المصنّعةِ 85 % من إجمالي الصادرات… قرروا تغييرَ المعادلةِ واستطاعوا النهوضَ عندما تخلّوا عن “البيروقراطيةِ” و”الروتينِ” الإداري ونحوِ مائتي توقيعٍ أحيانا لإقرارِ الخططِ والمشاريع… وتخلوا عن الترددِ في اتخاذِ القراراتِ وتغييبِ الإرادةِ السياسية الجِدّية الصادقة.

أما في بلادي فأظنُّ أننا بعد انتهاءِ جائحةِ كورونا سنشهدُ جولةً أخرى من الصراعاتِ وطرقا جديدةً في “الفركشة والتزحيط”!…

قد أبدو متشائمًا… لستُ كذلك ولكنني أشك أن نصبحَ ذاتَ يومٍ كماليزيا أو كأية دولة فيها سكةُ حديدٍ أو نقلٌ مشترك…

الفارقُ ليس في المناخ… بل في الأشخاص.

ملاحظة: كُتب هذا المقال منذ سنة… والتكرار هنا مفيد