طرابلس ومغالبة الإغفال

 كتب فيصل طالب*

لا تنثني طرابلس عن مغالبة الإغفال المتناسل والإصرار على التذكير بإهمالها المعمّر، فتطلّ بين الفينة والأخرى من أبواب الاعتراض والشكوى والاحتجاج، أو الصمت الواجم الأفصح تعبيراً عن المكنونات والمكبوتات، أو الصراخ المدوّي في بريّة الحرمان المتمادي.

طرابلس المتّكئة على كتف المتوسّط الشرقي، والخارجة من عبق التاريخ بحلّة الأصالة المعطّرة بضوْع الياسمين وزهر الليمون، واللاهثة وراء التكافل والتراحم والتواصل والتصالح مع ذاتها ومحيطها، والناهدة دائماً للاضطلاع بدورها الوطني، بقوّة النبض الذي لا ينقطع في شرايين أهلها الذين لم يخرجوا في أعماقهم من دفء الذاكرة والوجدان، وما في طيّاتهما من مشهديات الاندفاع والحماسة والانتصار للقضايا الكبرى التي تجمع ولا تفرّق، قبل أن يحلّ زمن القضايا التي تفرّق ولا تجمع!

تلك هي الفيحاء التي تغفو على كتف الماضي، وهي تحلم بأن ترتقي إلى رتبة مدينة تحت الشمس، لا مهمّشة أو مشوّهة أو منسيّة، بل مدينة بمواصفات”العاصمة الثانية”، والمركز الاقتصادي والتربوي والثقافي والخدماتي المتقدّم الذي كان لها في الستينيّات وحتّى أواسط السبعينيّات، وما يقتضيه كل ذلك من مستلزمات ومعطيات ومخطّطات تنمويّة رؤيويّة تنتشل المدينة من أتون الفقر والتوتّر والجمود، وتستند بادئ ذي بدء إلى استنهاض مرافقها الأساسية وتفعيل العمل فيها( المعرض والمرفأ والمصفاة والمطار والمنطقة الاقتصادية والملعب الألمبي…)؛ وهي قد أعدّت لرفد هذه المهمة وإنجاحها قاعدةً صلبة من المخزون التراثي العريق بشقّيه المادّي وغير المادّي، ومن الحراك الثقافي المتميّز، وحاكت نسيج طموحها في هذا السبيل بخيوط الصبر والانتظار، ورسمت مشهدية النهوض بألوان التنمية القزحية التي سرق وَعْدَها سوادُ الحرمان المتواصل، وبسطت إرثاً من التسامح والألفة وطيب المعشر وحسن الطويّة في نفوس أهلها الطيّبين.

طرابلس هذه ليست دخاناً أسود ينبعث من حرائق الشوارع والأبنية، ويغطّي وجهها الحقيقي بغبار التفلّت والعبث.

طرابلس تستحق أن يقف الجميع معها وقفة وطنية واحدة وبمفعول إنمائي رجعي كفّارة ما لحق بها على مدى عقود من جحود ونسيان أو تناسٍ ؛ حتّى ليكاد المطلب التاريخي بتحقيق الإنماء المتوازن أن ينقلب إلى ضدّه، ليصبح الشعار المنصف ” الإنماء غير المتوازن”، ليكون نصيب الفيحاء منه أضعاف ما هو مرصود لغيرها، تعويضاً عمّا فاتها في هذا السبيل ( من غير أن ننسى بطبيعة الحال سائر المناطق المحرومة في لبنان).

إنّ الأوطان لا تتحمّل أن تستبطن متوناً وحواشيَ في آن معاً، لأنّ أيّ ركن في الوطن المعافى هو متْنٌ؛ وكلّ حاشية تنشأ فيه هي مصدر لمشكلات كثيرة تصيب السلام الاجتماعي بأفدح الأضرار.

* المدير العام السابق لوزارة الثقافة

مقالات ذات صلة