التطورات الإقليمية وخطرها على الدولة والكيان

كتب العميد الركن نزار عبد القادر

تتجه أنظار العالم صبيحة هذا اليوم نحو العاصمة الأميركية لتشهد تنصيب الرئيس جو بايدن كرئيس جديد للقوة العظمى في العالم، والتي تمتلك بقدراتها السياسية والدبلوماسية والمالية والاقتصادية والعسكرية، قوة الدفع اللازمة لتغيير موازين القوى، والتأثير في خيارات السلام والحرب، والازدهار والفقر في زوايا العالم الأربع، وخصوصاً في منطقة الشرق الأوسط، وذلك انطلاقاً من مصالح أميركا الحيوية المتجذرة في المنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ومن العلاقات والادوار التاريخية والمتقدمة التي تلعبها أميركا في مختلف الصراعات والأزمات التي تجتاح المنطقة منذ ما يقارب قرن كامل.

من المتوقع ان تشهد منطقة الشرق الأوسط في المستقبل المنظور في ظل الإدارة الأميركية الجديدة تطورات جيوسياسية تؤدي إلى تغيير كبير في موازين القوى الإقليمية، من المؤكد ان تكون إيران مع برنامجها النووي والصاروخي، وتدخلاتها المباشرة وغير المباشرة للهيمنة على بعض الدول العربية أو لتهديد الأمن الإسرائيلي من الجبهتين السورية واللبنانية النقطة المحورية في «العقيدة» التي سيعتمدها بايدن في المنطقة، وسيطرح هذا الأمر سؤالين رئيسيين: الأوّل، مدى توافق «عقيدة» بايدن مع «عقيدة» أوباما، وخصوصاً ما يعود منها للاتفاق النووي مع إيران الذي جرى توقيعه عام 2015، والذي انسحب منه الرئيس ترامب عام 2018، مع اعتماد نظام مشدد للعقوبات ضد طهران؟ والثاني، طبيعة الخيار الأمني والعسكري تجاه المنطقة، والاختيار ما بين قرار أوباما بالانسحاب من كل حروب وأزمات المنطقة، أو العودة إلى واشنطن كلاعب أساسي في شؤون المنطقة، وفق الرؤية التي اعتمدها ترامب في مواقفه من مختلف الأزمات: من سوريا والعراق، وقضايا أمن الخليج والصراع العربي – الإسرائيلي؟

للاجابة على هذين السؤالين من المتوقع ان يستند خبراء السياسة الأميركية، في المنطقة إلى هوية الأشخاص الذين سيشكلون فريقي السياسة الخارجية والأمن القومي في إدارة بايدن، حيث سيتبيّن انتسابهم، دون استثناء، إلى إدارة أوباما السابقة، وانطلاقاً من حقيقة ان السياسات يصنعها الرجال القيّمون عليها، فإنه من المتوقع ان تتطابق خيارات بايدن، في كثير من القضايا مع الخيارات التي سبق واعتمدتها إدارة أوباما، والتي شغل فيها بايدن منصب نائب الرئيس، ولكن ذلك لا يمنع إطلاقاً اعتماد أولويات ومقاربات مختلفة عن تلك التي اعتمدها أوباما، وذلك تماشياً مع حقائق جديدة طرأت على الموقف الدولي، أو فرضتها بعض التطورات الإقليمية التي جاءت كنتيجة للسياسات التي اعتمدتها إدارة ترامب، وخصوصاً في ما يخص الوضع في سوريا والعراق أو في ما يعود للصراع العربي – الإسرائيلي، وما تبعها من عمليات تطبيع العلاقات بين إسرائيل والامارات والبحرين والسودان والمغرب.

اللافت في هذا السياق يتركز في المؤشرات التي صدرت عن فريق الإدارة الجديدة وعن بايدن شخصياً، حيث تؤكد حرصهم إلى العودة إلى بعض خيارات إدارة أوباما، ومن ابرزها: العودة لاتفاقية باريس للمناخ، والعودة الى الاتفاق النووي مع إيران، وإحياء اتفاق «ستارت» للحد من تنامي المخزون الاستراتيجي للاسلحة النووية في روسيا، وستتوقف سرعة المفاوضات وإمكانية نجاحها في المسألتين الأخيرتين على مدى تعاون طهران وموسكو مع طروحات واشنطن.

توشر مواقف بايدن المعلنة، وخيارات فريقه الدبلوماسي والأمني إلى مدى الأهمية التي يعلقونها على بدء المفاوضات النووية مع إيران، وذلك انطلاقاً من تقييمهم لفشل الخيارات التي اعتمدها ترامب بالخروج من الاتفاقية النووية، وفرضه أمس أنواع العقوبات على النظام الإيراني، بما فيها المؤسسات التابعة مباشرة لولي الفقيه علي خامنئي، وذلك على أمل إجباره للتراجع عن مواقفه المتصلبة والدخول في مفاوضات جديدة، لكن وعلى عكس ما توخاه ترامب، فقد صعّدت إيران من مواقفها تجاه الولايات المتحدة وحلفائها، كما عادت إلى تخصيب اليورانيوم بكميات أكبر، وبنظافة أعلى من النسب التي حددها الاتفاق النووي.

اما في شأن السياسة التي يمكن ان يعتمدها بايدن تجاه الصراع العربي – الإسرائيلي، تبدو الأمور أكثر تعقيداً من تلك التي سادت أيام إدارة أوباما، هذا بالإضافة إلى المتغيّرات الكبرى التي فرضتها قرارات إدارة ترامب، سواء تجاه إسرائيل (قطع العلاقات مع الفلسطينيين، ونقل السفارة الأميركية إلى القدس، واعتبار الجولان أرضاً إسرائيلية.. إلخ)، أو تجاه عملية تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، ولا بدّ من التوقف أيضاً عند التبدل الذي اعتمدته إدارة ترامب في خياراتها الدبلوماسية والعسكرية تجاه كل من سوريا والعراق.

ولا بدّ من التوقف عند التطورات المرتقبة في المشهد السوري في ظل التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الروسي، والتي دعا فيها إسرائيل لوقف اعتداءاتها على سوريا، حيث قال:«لا نريد ان نستخدم أراضي سوريا ضد إسرائيل، أو ساحة للنزاع بينها وبين ايران»، وترافق هذا التصريح مع معلومات حول رعاية روسية لمفاوضات سرية بين نظام الأسد وإسرائيل، ومن أجل تطبيع العلاقات بين البلدين، وتعويم نظام بشار الأسد لدفع ديونه المستحقة لإيران، كمقدمة للطلب إليها للخروج مع ميليشياتها من سوريا. ويطرح هذا الأمر السؤال عن إمكانية تأمين هذه الأموال؟ وعن الأثمان التي ستطلب من الأسد لقاء ذلك؟

في رأينا سترتبط حظوظ نجاح الخطة الروسية – الإسرائيلية لإخراج إيران وادواتها من سوريا بمسألة نجاح أو فشل المفاوضات الأميركية – الإيرانية حول الموضوع النووي، في حال نجاح هذه المفاوضات فمن المتوقع ان يؤدي ذلك إلى تساهل أميركي في مسألة تواجد إيران في سوريا، وتخفيف الضغوط التي تمارسها واشنطن ضد حزب الله وضد حلفائه في لبنان.. وبالفعل فقد تحدثت بعض المصادر عن وقف إعلان عقوبات جديدة أميركية ضد بعض حلفاء حزب الله في لبنان، قبل انتهاء ولاية ترامب.

في هذا السياق، لا بدّ من التساؤل عن مدى إدراك المسؤولين في الدولة اللبنانية لأهمية ومخاطر هذه التطورات المرتقب حدوثها في المنطقة، وخصوصاً في المحيط المباشر للبنان، وأعني به إسرائيل وسوريا، وعودة حزب الله إلى لبنان بنتيجة اتفاق أميركي – إيراني أو بضغط روسي – إسرائيلي، وما يمكن ان ينتج عن هذه العودة من تطورات داخلية على الصعيدين السياسي والأمني؟

يبدو بأن العهد وتياره السياسي لا يعيرون أي اهتمام للتطورات الدولية والإقليمية، وهم في عزلة تامة عن كل ما يجري عربياً، وفي عواصم القرار، مع تسليمهم الكامل لخياراتهم الخارجية لحزب الله ولمحور المقاومة والممانعة، الذي له ان يُقرّر مستقبلهم، ومستقبل الدور اللبناني في التوازنات الإقليمية الجديدة، التي تسعى إدارة بايدن إلى هندستها من جديد، مع دور محدود لروسيا يقتصر على حماية المكتسبات الروسية في سوريا.

يبدو أيضاً بأن حزب الله هو الجهة الوحيدة المتابعة والمهتمة، من كل الأحزاب والقوى السياسية اللبنانية، بمجريات الأمور في المنطقة، وهذ ما لمح إليه تكراراً أمين عام حزب الله حسن نصر الله في اطلالاته الإعلامية. وكان الأبرز ما قاله في اطلالته الأخيرة حين طالب بكشف حقيقة صفقة نيترات الامونيوم إلى بيروت، وبما يوحي بممارسة ضغوط مباشرة على النظام السوري، من مغبة انسياقه مع الخطة الروسية – الإسرائيلية لإخراج إيران من سوريا.

في ظل أجواء الغموض والشك التي تلف المنطقة وفي ظل ظهور بوادر على احتدام المواقف وتعارض المصالح بين القوى الدولية والإقليمية، والتي تشكّل إسرائيل وإيران قطبيها، تقتضي المصلحة اللبنانية العليا وجود حكومة لبنانية فاعلة، وقادرة على استرجاع قرار السيادة من حزب الله، تمهيداً لاستعادة دور لبنان وموقفه عربياً ودولياً، بالإضافة إلى اعتماد خطة إصلاحية للأوضاع الاقتصادية والمالية وإعادة اعمار بيروت.

لا يمكن للعهد وللقوى السياسية الاستمرار في لعبة الوقت الضائع، والتسليم في الشؤون الوطنية والمصيرية لدويلة «حزب الله» في ظل هذه التطورات الدراماتيكية التي تنتظرها المنطقة، خصوصاً في ظل احتدام الصراع العسكري والجيوسياسي بين إسرائيل وإيران، والذي سيكون الحزب في قلبه، وبما يعرض لبنان لمواجهة حرب جديدة مع إسرائيل، مع كل ما يترتب على ذلك من نتائج قد تؤدي إلى تفكيك الدولة وانهيار الكيان.

اللواء

مقالات ذات صلة