استهتار الشعب “العظيم” جريمة موصوفة/ غالب قنديل

يمكن لنا أن نسجّل حشدا من الثغرات والعيوب في نظامنا الصحي، وأن نردّ اليها المسؤولية عن فجوات عديدة، تظهرها الدراسة المتأنّية لحال البلد والناس في زمن كورونا وتفاعلاته ومخاطره الكارثية. لكننا نجد الكثير من الوقائع والمعطيات المستفزّة، التي تدعونا لمناقشة مسؤولية الشعب “العظيم” ومساهمته الخطيرة في صنع الكارثة.

أولا: أظهر االلبنانيون، في معظمهم، حتى لا نظلم البعض، ميلا كبيرا للاستهتار واللامبالاة، رغم جميع حملات التوعية، التي شاركت فيها بصورة متفاوتة سائر وسائل الإعلام، واجتمعت في سياقها جهود المؤسسات والهيئات المختلفة المعنية بمجابهة الوباء القاتل. ورغم تلك الجهود، التي عزّزها عدد من نداءات صادرة عن مواقع قيادية عُليا في سائر الأحزاب والقوى السياسية والمرجعيات المعنية، تتوسل الناسَ أن يتقّوا الله في حياة أفراد عائلاتهم وأحبائهم من خلال التقيّد الصارم بالتدابير والتوجيهات المشدّدة اللازمة للوقاية من الوباء القاتل.

إن من يعتبر تكرار صفة القتل، التي أنسبها الى كورونا في هذه السطور نوعا من المبالغة والتهويل، يتصرف بمنطق إرهاب الأصوات، التي تدعو الناس لحمل المسؤولية. فالحقيقة أن الاستهتار والميل الى التفلّت من جميع الضوابط والقيود، قد رفع أعداد الضحايا، وأدخل البلاد في نفق خطير، مع تزايد أعداد المصابين وقصور المؤسسات الطبية وضعف إمكاناتها المستنزفة. والمفارقة الأدهى هي أن اللامبالاة تأتلف مع الجهل، وتنتج لنا منوّعات من الهذيان، عبر مواقع التواصل وفي الحياة الواقعية، تشير الى استيطان التخلّف وقلّة الوعي في عقول شعبنا “العظيم”، وهي المصيبة الكبرى، بل أمُّ المصائب التي نزلت على لبنان.

ثانيا: بكل صراحة إن المشكلة الواقعية التي نعيشها، ترتبط الى حدّ بعيد بنزعة غالبية شعبنا الى الادّعاء والتطفّل بدون معرفة أو وعي. بل حيث تتحوّل مصنّفات الأميّة والجهل والتخلّف الى مصدر للتباهي في تبرير سلوكيات مدمّرة ومتوحّشة، عندما ترفض نسبة كبيرة من اللبنانيين اتخاذ الاحتياطات اللازمة، وتطبيق التوجيهات الصادرة عن جهات موثوقة علميا في التعامل مع الوباء، الذي يستحيل وقفه أو الحدّ من تفشّيه بدون التجاوب الثابت مع هذه التوجيهات.

الادّعاء الفارغ، هو بكل أسف، نزعة شعبية. وحين يصبح التطفّل على القضايا العلمية الدقيقة قاعدة سلوكية، فالحصيلة هي كارثة مدمّرة، وهذا ما يذهب اليه اللبناني العادي بكل بساطة، فلا يرفّ له جفن، وهو يدلي عشوائيا بفتاواه واجتهاداته حول التعامل مع الوباء، بدون أن تكون له صفة أو أهليّة علمية، تمكّنه من التجرّؤ وإبداء الرأي في شأن ليس من اختصاصه. وأخطر ما ينبغي الانتباة والحذر في مثل هذا الظرف من أنصاف المتعلّمين، الذين يتطفّلون على الشاردة والواردة من غير أهلية علمية بكل بساطة. وبكل وقاحة يُفتون في أمور يرجف أمامها الخبراء، لأنها تطال حياة الناس وسلامتهم الصحية.

ثالثا: إن علّتنا الخطيرة، هي في العبث والفوضى والتطاول، لدرجة أن الحابل يختلط بالنابل حين تنفتح شهية الإدلاء بالآراء والاجتهادات عند جمهور، لا صلة له بالعالم أو الاختصاص، تؤهله للكلام عن اجتهاد أو توصيف.

الجميع في شعبنا “العظيم” يعرفون في كلّ شيء. وقد زادت مواقع التواصل الطين بلّة، فاختلط الحابل بالنابل، وبتنا في جحيم من الفوضى، حيث يضيع صوت الخبراء والأطباء المختصين في متاهةٍ من صراخِ ولغط الأميين وغير المؤهلين علميا في أيٍّ من مجالات الاختصاص الطبّي. وركام “الهشت” و “الجعدنة” على مواقع التواصل كان هو ما ينقصنا، حيث تزدهر الصفحات بوجهات نظر، يدلي بها أميّون بالكاد يفكّون الحرف في ما يكتبونه. وتتساوى في عرف التواصل الاجتماعي آراءُ واجتهادات العلماء بهرطقات الأميين وأنصاف الأميين، الذين يثرثرون في الأمور، التي يخشى العلماء والبحّاثة من مزالق الارتجال فيها.

ربَّ ناقد، يقول إننا نكرّر فكرة سبق أن عالجناها. والحقيقة أن العيوب القاتلة في المزاج الشعبي العفوي المولّد للاستهتار وللسلوكيات المؤذية، ترفع من كلفة البلد، وتزيد من أعداد الضحايا. ولذلك نعيد قرع أجراس الإنذار. فالعبث بحقّ الحياة هو جريمة مبرمة، والصمت عليه هو جريمة أدهى كذلك.

مقالات ذات صلة