الحريري يستقوي بـ”الخيار التركي” ضد “الخيار السعودي”

طرحت زيارة الرئيس المكلف تأليف الحكومة سعد الحريري المفاجئة لتركيا واجتماعه مع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان علامات استفهام كثيرة حول ابعادها والخلفيات، خصوصا انها جاءت بعد جولته في عطلة رأس السنة على دولة الامارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وفرنسا والتي قيل انه عاد منها خالي الوفاض.
المعلومات التي تسربت الى اكثر من جهة كشفت ان الحريري لم يوفق في ابوظبي كما في الرياض في اللقاء او الحديث الى اي شخصية فاعلة او مؤثرة لشرح موقفه وتوجهاته في شأن الحكومة التي يزمع تشكيلها والعقبات التي تعترضه، فيما سمع في باريس من بعض مستشاري الرئيس ايمانويل ماكرون عبارات تشجع على المضي في تأليف “حكومة المهمة” استنادا الى المبادرة التي اطلقها ماكرون خلال زيارتيه الشهيرتين لبيروت، والتي سيستتبعها في زيارة ثالثة في حال تأليف الحكومة الجديدة، علما ان الحريري لم يعلن رسميا عمن التقى في خلال جولته الخليجية ـ الفرنسية، اذا عاد “مستعينا على قضاء حوائجه” بالصمت، قبل ان يتوجه فجأة الى تركيا للقاء صديقه اردوغان، محاولا ان يشكل من هذه الصداقة “رأس جسر” لاعادة تجسير العلاقة بين انقرة والرياض، مستفيدا من مناخ المصالحة التي حصلت قبل ايام بين قطر (حليفة تركيا) والسعودية في قمة دول مجلس التعاون الخليجي التي انعقدت في مدينة العلا شمال المملكة العربية السعودية وحضرها امير قطر الشيح تميم بين حمد آل ثاني للمرة الاولى منذ نشؤ الازمة بين بلاده والمملكة.

فالحريري يظن ان الرياض ستعاود تطبيع العلاقة معه في حال نجاحه في اعادة تطبيع العلاقات بين الرياض وانقرة من خلال علاقته المتينة والشخصية بأردوغان، لأنه في قرارة نفسه مقتنع بأنه لا يستطيع الخروج من عباءة السعودية حتى ولو كان خارج السراي الحكومي وعلى خصومة او خلاف مع مسؤولين فيها، ولذلك يحاول ان يخطب ودّها من البوابة التركية عبر السعي لأن يشكل “نقطة تقاطع” بين الجانبين من دون ان يدرك حجم النزاع الكبير القائم بين انقرة والرياض والذي بدأ مع سقوط نظام الحكم الاخواني في مصر برئاسة محمد مرسي حيث تتهم انقرة الرياض بالضلوع فيه، ثم تصاعد اثر تصفية الصحافي السعودي جمال خاشقجي داخل مقر القنصلية السعودية في تركيا، وهو مستمر فصولا في لبنان وليبيا ودول متعددة أخرى على مساحة العالم العري والاسلامي.

عودة صامتة

لكن عودة الحريري الصامتة، اذا جاز التعبير، من الخارج لا تنم عن انه ملكف فعلاً “مهمة سعودية” في تركيا، بدليل نصيحة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط له قبيل ساعات من سفره الى تركيا بالاعتذار عن تأليف الحكومة “وإلا يلغي نفسه” مؤكدا انه “كان الأفضل له أن لا يترشح مرة جديدة وفرض أمر واقع علينا”. مكرراً “أنصح الحريري مرة جديدة “شو بدك بكلّ هالشغلة” وليأتوا بمن يشاؤون رئيسا للحكومة حسان دياب أو فيصل كرامي أو غيرهما كان “أريحلو وأريحلنا”.

وأكثر من ذلك فإن جنبلاط قال للحريري بنحو غير مباشر ان عليه ان لا يراهن على قمة دول مجلس التعاون الخليجي من خلال ما صدرعنها في شأن لبنان، او في شأن المصالحة السعودية ـ القطرية، وذلك من خلال قوله “أن الهدف من قمة العلا الخليجية هو خلق جبهة معينة سياسية في مواجهة إيران لا أكثر ولا أقل وأما نحن “مش معترفين فينا”.

العارفون بجنبلاط يعرفون أنه في مواضع ومناسبة كالتي يمر فيها لبنان الآن “لا ينطق عن هوى وانما وحي يوحى” ما يكشف معطيات ومعلومات مؤكدة لديه ان السعوديين والخليجيين عموما باتوا لا يؤيدون الحريري، او لا يريدونه رئيسا للحكومة في هذه المرحلة لإعتبارات لديهم تتعلق بتأييد الثنائي الشيعي له وخصوصا عدوهم اللدود حزب الله، وكذلك تتعلق بعلاقتهم غير المريحة مع رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل حليفا حزب الله، حيث يظن السعوديون ان الحكومة التي سيشكلها الحريري سيكون قرارها رهين حزب الله وحليفه العوني.

“التنائي” يتمسك بالحريري

على ان حزب الله أكد  مجددا وبما لا قبل الشك تمسكه بالحريري لتأليف الحكومة، حيث أكد امينه العام السيّد حسن نصرالله بعد ساعات من زيارة الحريري لاردوغان، أنّ “الأمور معقدة لجهة تأليف الحكومة”، لكن قال “نحن لا نقف في وجه تشكيل الحكومة، ونحن نريدها اليوم قبل غداً، وإتهامنا بتعطيل تشكيلها حتى رحيل ترامب لا أساس له ولا معنى”.
وأشار إلى ان الحريري “نفى أن يكون راغباً في تأجيل تشكيل الحكومة، خوفاً من العقوبات أو في إنتظار بدء ولاية بايدن”.
وقد قرأ بعض السياسين كلام نصرالله على انه يؤكد احتضان “الثنائي الشيعي” عموما وحزب الله خصوصا للحريري، ويكشف عن توجه جاد  لدى “الحزب” الى تسهيل مهمته في تأليف الحكومة قبل رحيل ترامب عن “البيت الابيض”. خصوصا ان نصرالله لفت في كلامه ايضا إلى أنّ “تأليف الحكومة في لبنان غير مرتبط بمفاوضات أميركية ـ إيرانية”، ودعا 
إلى “تجاوز الإعتبارات الخارجيّة، والتركيز على الداخل ولا يجوز تحميل المسؤوليّة لطرف واحد”، وذلك في اشارة منه الى تحميل “التيار الوطني الحر” للحريري مسؤولية تعطيل تأليف الحكومة حتى الان، فيما يرد الحريري متهما النيار بالتعطيل عبر السعي الى الاستحواز على الثلث المعطل للحكومة.

رسالة سعودية مشفرة

على ان بعض المعنيين بالتأليف الحكومي يؤكد ان نصيحة جنبلاط للحريري بالاعتذار هي رسالة مشفرة سعودية خصوصا وخليجية عموما اليه مفادها ان عليه ان يعتذر عن تأليف الحكومة، فيما هو يحتسب ويحذر هذا الاعتذار لإقتناعه بأنه لن يعاد تكليفه تأليف الحكومة مجددا، وفي هذه الحال سيتعرض لنكسة، بل لخسارة سياسية فادحة قد تبقيه خارج السلطة الى زمن طويل، خصوصا وانه مقبل على استحقاق 2022 الانتخابي وهو يجر اذيال الخيبة من انتخابات 2018، فإذا لم يكن في السراي الحكومي في موسم الانتخابات المقبل، قد يلاقي خيبة إضافية كبرى. ولذلك قد يكون الحريري قرأ الرسالة السعودية المشفرة جيدا في ضوء إدراكه الحظوة الكبيرة التي باتت لجنبلاط لدى القيادة السعودية منذ واقعة اعلان استقالته من رئاسة الحكومة من الرياض خريف العام 2017 وما تلاها من احتجاز له  نفت  المملكة حصوله يومها ولا تزال..
وثمة من قال ان الحريري شعر ان ابواب ابو ظبي والرياض قد اقفلت في وجهه فقرر اللجوء الى الخيار التركي لمواجهة خيار بديل لرئاسة الحكومة ربما تكون دول الخليج قررت اعتماده، وقد يكون شقيقه بهاء او شخصية سنية أخرى ربما تكون معروفة او انها ما تزال في العتم قبل الكشف عنها في اللحظة السياسية المناسبة. علما ان بهاء الحريري يخوض معركة وصوله الى السراي الحكومي تحت شعار الدفاع عن “الحريرية السياسية” المعرّضة للإندثار نتيجة النهج الذي يسير عليه شقيقه سعد. ولكن بهاء لم يدرك بعد انه لا يلقى قبولا لدى شرائح واسعة ضمن بيئته، وكذلك ضمن البيئات الاخرى، وأنه لا يزال امامه طريق طويلا جدا و”امتحانات” وفحوص كثيرة ومتنوعة للوصول الى السراي الحكومي.

وأكثر من ذلك، ثمة من يقول ان الحريري بذهابه الى “الخيار التركي” انما يضع نفسه والبيئة التي ينتمي اليها في مواجهة “الخيار الخليجي” الذي تعتنقه الطائفة السنية بكل مشاربها الشعبية والسياسية والدينية منذ عشرات السنيين وقد تعزز هذا الخيار ايام والده الراحل رفيق الحريري الذي ما كان يقطع خيطا من دون رأي السعودية ودول الخليج عموما، الا في حالات نادرة حيث يكون الضغط السوري كبيرا عليه، ولذلك لا تتحمل الطائفة السنية ولا قياداتها هذا المذهب الحريري نحو تركيا خصوصا في زمن التحولات الكبرى التي تقدم عليها المنطقة. فالغالبية العظمى من مصالح الطائفة السنية موجودة في الخليج، فهل يتحمل الحريري التفريط بها بعلاقة او صداقة مع اردوغان لدعم وصوله الى السراي الحكومي “غصبا عن دول الخليج” فيما اردوغان الذي على رغم كل ما يقوم به من انشطة على الساحة اللبنانية لم يتمكن من كبح جماح النفوذ السعودي والخليجي عموما داخل الشارع السني وخارجه، لأنه خارج احتضانه التركمان اللبنانيين المقيمين في بعض المناطق اللبنانية وخصوصا في الشمال والبقاع، لم يحقق اي مرتكزات اجتماعية ومادية فعلية من شأنها ان تحقق له النفوذ التركي الذي يريد في لبنان، لأنّ قادة السنة لن يتخلوا عن السعودية التي تقف تقليديا وتاريخيا منذ عشرات السنين الى جانب الطائفة السنية اللبنانية ليقفوا الى جانبه، على رغم الصداقة او العلاقة التي تربطه ببعض المؤثرين والنافذين منهم، وخصوصا الرئيس نجيب ميقاتي والنائب فيصل كرامي الذي كانت له زيارة لتركيا قبل اسابيع، وغيرهما.

والى ذلك، يقول البعض ان الحريري عرض على الفرنسيين “خدماته” للمساهمة عبر صداقته المتينة مع اردوغان في حل الازمة السائدة بين فرنسا وتركيا حول غاز البحر المتوسط حيث تقف باريس الى جانب اليونان في نزاعها الحدودي البحري مع تركيا التي تعمل للتنقيب عن النفط والغاز في منطقة بحرية قبال شواطئها تدعي اليونان انها من ضمن منطقتها الاقتصادية البحرية الخالصة. وهذا العرض الحريري على الفرنسيين يدل الى ان ما سمعه الرجل منهم حول موضوع تأليف الحكومة وما يمكن فرنسا ان تساعد فيه في هذا الصدد لم يشعره بإطمئنان.

في اختصار، يرى البعض ان الحريري، في سعيه الى اعتناق “الخيار التركي”، ربما يكون ادخل نفسه في أزمة كبرى مع دول الخليج التي لا يمكن ان تقبل التخلي عن مصالحها التاريخية في لبنان لمصلحة نفوذ تركي إخواني ( نسبة الى “الاخوان المسلمين” الذين يحكمون تركيا الآن عبر حزب “العدالة والتنمية” الذي يرأسه اردوغان وهو احد مسميات تنظيم الاخوان عبر العالم). كذاك سيكون امام ازمة داخل طائفته وعلى مستوى بقية الطوائف والقوى التي لا تؤيد “تتريك” او “تركنة” الازمة اللبنانية  واستحقاقاتها…

 “اللبنانية”

مقالات ذات صلة