هذا ما يجري داخل المستشفيات… ضغوط رهيبة والاختيار بين المصابين بحسب الأولويات!

بعد الاستهتار الذي شهدناه في فترة الأعياد، كان متوقعاً الوقوع في المحظور وبلوغ مرحلة الخطر بعد أن أصبحت المستشفيات عاجزة عن استقبال المزيد من مرضى كورونا مع بلوغها الحد الاقصى من قدرتها الاستيعابية، فهي تجد نفسها مرغمة على الاختيار ما بين المرضى، بين مسنّ وشاب بحسب أولويات يبدو فرضُها قاسياً، إنما للظروف أحكام. كثّف وزير الصحة الدعوات إلى المستشفيات كافة لتكون في جهوزية تامة لاستقبال المرضى نظراً لخطورة الوضع، طالباً من بعضها توسيع أقسام كورونا لديها، ومن أخرى لم تفتتح أقساماً لمرضى كورونا بأن تفعل بأسرع وقت لأن الوضع لا يحتمل التأجيل. فكيف يبدو المشهد اليوم في بعض المستشفيات التي يبدو أطباؤها في صراع ما بين الواجب الإنساني وبين الواقع المرّ الذي بلغناه بسبب استهتار من لا يزالون يعتبرون كورونا كذبة أو حيلة لا يمكن أن يقعوا ضحيتها؟

افتتح مستشفى النقيب في صيدا قسماً خاصاً بمرضى كورونا، بالأمس، ويبدأ باستقبال المرضى من الغد، في ظل توقعات الإدارة بأن يمتلئ القسم من اليوم الأول نظراً للضغوط الزائدة والارتفاع المرعب في عدد الحالات. بحسب المدير الطبي الاختصاصي في أمراض الأعصاب في المستشفى، الدكتور نبيل عكاوي، هذا التأخير في تخصيص قسم لمرضى كورونا له مبررات. فالقسم يحتاج إلى تجهيزات لا يسهل توفيرها.

ويشير إلى أن المستشفى افتتح القسم بناء على توصيات وزير الصحة بـ 6 أسرّة وفق معدل التشغيل العام فيه. علماً أن 4 أسرّة هي للعناية الفائقة و2 عادية للمرضى الذين يحتاجون إلى متابعة عادية. بحسب عكاوي، كان لدى المستشفى جهازا تنفس لا أكثر بانتظار المساعدة على تأمين المزيد منها لمرضى كورونا لدى تجهيز القسم. ثم عاد المستشفى واشترى اثنين، كما أمنت الوزارة جهازين إضافيين من ضمن التبرعات. وإضافة إلى مشكلة التجهيزات والكلفة المرتفعة التي تصل إلى حوالى 2500 دولار للغرفة الواحدة المجهزة لاستقبال مريض كورونا، تبرز مشكلة الجسم التمريضي والطبي، كما في مختلف المستشفيات. فارتفاع أعداد الإصابات اليوم يترافق مع ارتفاع في الإصابات بين الأطباء والممرضين ما يفرض الحجر واستحالة متابعتهم تقديم الرعاية في المستشفى. يزيد ذلك من الأعباء في المستشفى بحسب عكاوي، نظراً للحاجة إلى المزيد من الأفراد لتقديم الرعاية.

أما في المركز الطبي للجامعة اللبنانية الأميركية-مستشفى رزق، فتبدو الضغوط متزايدة لاعتبار أن المستشفى كان من أولى المستشفيات التي جهزت قسماً خاصاً بكورونا بحيث تزايدت الأعباء عليه مع الوقت، على الرغم من العمل على توسيع القسم، وفق ما أوضحه مدير قسم أمراض القلب في المستشفى الدكتور جورج غانم  في حديثه مع النهار أن عدد الأسرّة المجهزة لاستقبال مرضى كورونا هو ضعف ما كان عليه مع بداية انتشار  الوباء. وعلى الرغم من ذلك لا اسرة شاغرة ويجد الأطباء أنفسهم مرغمين اليوم على استقبال المرضى وفق أولويات بحسب الأعمار.

يأسف غانم لما آلت إليه الأمور بسبب الاستهتار الحاصل في المجتمع على الرغم من التحذيرات السابقة مراراً، فيؤكد أنهم لا يجدون حلاً آخر أمامهم ولا قدرة على استقبال كافة المرضى، فهذا هو الواقع على الرغم من مرارته، علماً أنه في قسم كورونا في المستشفى 32 سريراً لمرضى كورونا وهي ممتلئة كلّها.

كما يشير غانم إلى أن الأطباء يعملون في ظل ضغوطات رهيبة، خصوصاً أنه مع انتشار المرض بشكل كبير ثمة إصابات أيضاً في الطاقم الطبي والتمريضي ما يقلل من أعداد الأطباء والممرضين القادرين على تقديم الرعاية للمرضى. برأيه ” أن المستشفى قد يكون المكان الآمن أكثر اليوم مقارنةً بالخارج حيث ينتشر الوباء بشكل مخيف. علماً أن نسبة 25 في المئة من الطاقم الطبي مصاب اليوم، تضاف إلى ذلك الأعباء الناتجة عن النقص بسبب هجرة أطباء وممرضين.

ويلفت غانم إلى أنه كان قد دعا مراراً إلى إنشاء مركز عمليات خاص بكورونا لتسهيل الأمور على المرضى وعلى المستشفيات بدلاً من المعاناة الناتجة عن الضياع والارتباك الناتج عن امتلاء أسرة المستشفيات والضغوط الزائدة المرافقة.

ولا يبدو المشهد مختلفاً في مستشفى سيدة المعونات في جبيل، حيث أكد المدير الطبي في المستشفى الدكتور زياد خوري أن المستشفى عمل على التوسّع تدريجاً في قسم كورونا لاستقبال المزيد من المرضى. لكن التحدي الأكبر هو في الموارد البشرية، إضافة إلى المستلزمات. فيصاب الأطباء والممرضون في المستشفى بكورونا أيضاً ويستدعي ذلك الحجر لمدة أسبوعين ما يزيد من الضغوط بسبب النقص، خصوصاً مع الهجرة التي حصلت بسبب الأزمة الاقتصادية.

وفق خوري أنّ ما من أسرّة شاغرة في المستشفى الذي أصبح ملزماً على تقديم الرعاية للمرضى في الطوارئ حيث يكون ذلك ممكناً. أما الخوف الأكبر فمن الأعداد الكبيرة المقبلة بسبب الاستهتار الحاصل في فترة الأعياد، على حد قوله. فيتوقع أن تظهر النتائج في الاسبوع المقبل وأن تتزايد الأعداد بشكل مرعب.

من جهة أخرى، يؤكد خوري أن الحاجة ملحة لمتابعة مرضى في منازلهم إذا كانت حالتهم مقبولة. وفي مقارنة بين أعداد الحالات الحرجة في لبنان والعالم يشير إلى أن الوضع مقبول لكن المشكلة في أن الأسرّة المخصصة لمرضى كورونا قليلة ما يزيد من التحديات. هذا فيما يدعو الكل إلى تحمل المسؤولية أياً كان المكان الذي يمكن التواجد فيه، مشيراً إلى أن نسبة 70 في المئة من الإصابات ناتجة عن التجمعات في المنازل وهذا ما يفسّر ظهور إصابات في أسر بكاملها.

وامتلأت الأسرّة أيضاً في مستشفى أوتيل ديو، بحسب المدير الطبي فيه الدكتور جورج ضبر الذي يشير إلى وجود 33 سريراً في قسم كورونا، فيما تم العمل على التوسيع تدريجاً وزيادتها بمواكبة الحاجات المتزايدة. فمنذ نحو الشهرين عندما بدأت الأعداد تتزايد، تمت زيادة عدد الأسرة بنسبة 10 في المئة. لكن ما من أسرّة شاغرة حالياً. لافتاً إلى أن المستشفى ليس قادراً على استقبال المزيد من الحالات ويتم توجيه الحالات الحرجة إلى مستشفيات أخرى لتأمينها بأسرع وقت ممكن. علماً أنه على الرغم من الجهود لزيادة عدد الأسرة في المستشفى فإن الأعداد تزيد بوتيرة متسارعة بحيث لا يمكن تأمين كافة الحاجات. كما تبرز صعوبة الاستغناء عن طوابق في المستشفى وأقسام ثمة حاجة إليها بوجود حالات أخرى وأمراض غير كورونا.

أما بالنسبة إلى نقيب المستشفيات سليمان هارون، تستعد المستشفيات الخاصة بجدية وتجهّز أقساماً أو غرفاً لاستقبال مرضى كورونا لكن التكاليف باهظة للتجهيز والمسألة ليست سهلة لصعوبة تأمين المستلزمات كما يُتصوَّر. وإضافة إلى الكلفة تبرز مشكلة الموارد البشرية مع تراجع الأعداد الناتجة عن الهجرة من جهة وعن الإصابات بكورونا من جهة ثانية.

يبدو واضحاً من الأعداد المتزايدة بوتيرة متسارعة أن الوضع يذهب نحو الأسوأ وأننا مقبلون على مرحلة أكثر صعوبة لا تفيد فيها الوساطات أو التدخلات لدخول مصاب إلى المستشفى، ولو كان على شفير الموت. المشهد مرعب لكن بات مؤكداً أنه في استهتار البعض ضريبة يدفعها المجتمع كلّه مع بلوغنا مرحلة الخطر. على أمل أن يبدأ الجميع بتحمّل المسؤوليات كاملة علّ ذلك يعيدنا إلى برّ الأمان بعد كل التحديات التي نواجهها في المرحلة الحالية.

مقالات ذات صلة