رحيل عطر الإعلام اللبناني جورج بشير …وهكذا سننعيه بحبر الصداقة مع جورج قرداحي!

كتب جهاد أيوب

على ما يبدو لا تزال رواسب العام الماضي تضرب بجذورها في عمق هذا العام جراء اختطاف الاصدقاء والزملاء، وكأنها تريد المزيد، وأخذ من كان من المبشرين في العطاء، ومنذ لحظات وصلنا خبر رحيل زميل قدوة، وصديق باقة ورد، وإعلامي قيمة… إنه الأستاذ كما كنا جميعاً نناديه، الأستاذ جورج بشير…ونقطة على سطور الصحافة والإعلام اللبناني…

ما من مرة اتصلت به إلا وكان مبادراً وشعلة من البوح الدائم، هو حاضر في كل المواقف، وجاهز لكل المناسبات التي تخدم الوطن، وتفيد ما تبقى من إنسان في وطن فقد الهوية!

جورج بشير منذ الصغر نسمع به، نقرأ له، وندهش لتمكنه من استعاب اللغة والناس والسياسة في لبنان، ودهشنا لتواضعه حينما تعرفنا عليه، وهو المشهور، والإعلامي الكبير ونحن صغار نلعب بين السطور!

منذ 35 سنة التقيته في إذاعة بعيدة عن معتقداتي الفكرية والسياسية، ولكنها في وطني وطن التناقضات، كنت متحمساً لذاك الحوار الثقافي عن التشكيل والأدب!

اقترب مني بكل هدوء، صافحني بمحبة وباحترام، وهمس كما عادته قائلاً:” أنا جورج بشير، اسعدتني بصراحتك، وجرأتك…ستتعب ولكن ستنجح”!

كانت فرحتي كبيرة حينما عرفت انه الكبير في الإعلام جورج بشير، ولم أنام ليلتها لكثرة تفكيري بما قاله لي احتراماً له، وتقديراً لسماعه ما صرحت به من فوضى كلامية، وثقة، وبحث عن الذات!

وبدأت صداقة شفافة، رقيقة، والتعلم من نهره، وعدنا التقينا في كثير من مناسبات، وفي كثير من عواصم العرب، والأجمل أننا تشاركنا مع اصدقاء يقدرونه جداً!

أجمل ما في جورج بشير أنك تحترم أسلوبه في المناقشة حتى لو لم تتفق معه سياسياً وفكرياً!

أجمل ما في جورج بشير تواضعه رغم شهرته ومهنيته المتفوقة.

أجمل ما في هذا الراحل الكبير ابتسامته التي لا تفارقه، وعدم استغابة الزملاء، وعدم الطعن، ولا يحقد عليك لآنك تفكر عكس ما هو، وأنك في المقال والمقلب السياسي الآخر…جورج بشير في الحوار والنقاش هو كما تسمعه، وتقرأ له، وتجالسه، لا انفصامات في شخصه، ولا تناقضات، وحينما شعر أن الخطاب السياسي لا يتوافق مع وطنه وعقيدته انسحب بهدوء دون أن يترك الصحافة والرأي.

جورج بشير غاية بالتواضع، ويحترمك حتى لو لم تكن صديقه، وما دمت في مهنة المتاعب يعني أنت زميله دون تردد.

لا يجامل، ويعطي رأيه بكل وضوح، لا ينافق في أي قضية تخص الوطن، وفي الصداقة تجده السنديانة، وفي الخدمات الإنسانية هو أكثر الفاعلين، وكم من حركة صحية في كسروان كان الشريك الأول في تنفيذها وقدوتها.

هو يمتلك المعرفة والثقافة التنويرية، وفي الإعلام خاض في البحر والنهر معاً، وفاض في العطاء دون سقوط في وحل السياسة … رغم أن هذه الصفات لم تعد بيننا، ولا تخص غالبية الإعلام، ومن يعمل في الإعلام للأسف!

قبل رحيله بأشهر التقيناه لحوار خاص، كان متعباً، ومرهقاً، سألته عن وضعه الصحي أخبرني بأمراضه العديدة…يخبر عن أوجاعه ضاحكاً، ومبتسماً إذا فاض عن تعبه!

سألته عن الهم الواضح في نظراته فختم مع ضحكة عالية:” أنت في لبنان تنتظر المفاجآت التي لا تسر”!…

حينما تهاتفنا مع الصديق المشترك جورج قرداحي لتعزية بعضنا بصديقنا المشترك باح بكلمات مؤثرة أجدها خير ما يكتب عنه، وقد بادرني بالقول:

” هو صديقي، وأخي…جورج بشير في ذمة الله ما أصعب الخبر، وما ابشع هذا الخبر، وما أقساه، حين ينزل عليك كالكارثة، فتشعر أن جزءاً منك قد هوى، جزءاً فيه من الصحبة الصادقة، ومن الذكريات الجميلة، ومن المواقف الثابتة، ومن الايمان المشترك، والنظرة المتوافقة حول مجمل شؤون الوطن والدين والاخلاق ..

أخي جورج بشير، ايها الوفي، والمحب، والمجاهد والشجاع، ايها العصاميُّ الكامل والاعلاميُّ المتألق، يا صديق الملوك والرؤساء والسياسيين والناجحين، وفي نفس الوقت، يا صديق الضعفاء والمظلومين والفقراء والمحتاجين، ويا خادم الحق وحارس الوطن … سوف أفتقدك كثيراً كما سيفتقدك مثلي الكثيرون من أصدقائك الذين أدمى رحيلك قلوبهم، وسوف تبقى ذكراك حيّةً في نفوسنا ما حيينا …رحمات الله عليك ومكانك بين الانقياء والصالحين …انت أكثر من أخ وأكثر من صديق لي “.

كما نعته نقابة محرري الصحافة اللبنانية في بيان جاء فيه: “فجعت الأسرة الصحافية الإعلامية بوفاة الصحافي والاعلامي الكبير أمين صندوق مجلس نقابة الصحافة اللبنانية الزميل جورج بشير بعد نضال طويل في مهنة المتاعب التي برز فيها مراسلاً وكاتباً ومحللاً في عدد كبير من الصحف والمجلات، الناطقة بالعربية والفرنسية، وفي إذاعة (مونتي كارلو)، ومحطة ANB وتلفزيون لبنان، ومؤسسا لـ “وكالة الانباء المركزية”، قبل أن يصدر مجلة (كسروان)الشهرية.

وكان الراحل كتلة من نشاط، وتميز وحيوية لافتة، وحضور متألق في الاستحقاقات الوطنية والمهنية”.

في رحيل جورج بشير نطوي صفحة غاية بالأهمية في تاريخ الإعلام اللبناني اتفقت معه أو لم تتفق، أحببته أو لم تحبه، ومن المستحيل أن تتعرف على جورج بشير ولا تحبه…

مقالات ذات صلة