إدارة بايدن وإمكانية العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران: التعقيدات والعقبات

كتب نزار عبد القادر*

في الوقت الذي تفصل مهلة خمسة أشهر فقط بين استلام الرئيس المنتخب جو بايدن وبين الانتخابات الرئاسية الإيرانية، والتي من المتوقع أن يفوز فيها أحد المرشحين عن التيار المتشدد، ويغيب الرئيس حسن روحاني عن المسرح السياسي بعد انتهاء ولايته الثانية، لا بُدَّ من التساؤل عن المقاربة التي ستعتمدها إدارة بايدن للعودة إلى الاتفاق النووي أو “خطة العمل الشاملة المشتركة” (JCPOA)، وبالتالي عدم إضاعة هذه الفرصة للاستفادة من وجود روحاني، والذي يمثل “الأب الروحي” لهذا الاتفاق.

ويُدرِك الرئيس الأمريكي المنتخب أن العودة إلى الاتفاق لن تكون أمراً سهلاً، إذ من المرجح أن تعترض سبيله عقبات كأداء، بعضها يتصل بوقف الانتهاكات الكبيرة لبنود الاتفاق التي قامت بها إيران بعد خروج الولايات المتحدة منه، والبعض الآخر يتصل بتعقيدات نظام العقوبات الذي فرضه ترامب على إيران، وما يزال يسعى لتشديده خلال ما تبقى له من وقت في البيت الأبيض، بهدف وضع مزيد من الحواجز أمام إدارة بايدن وعرقلة العودة إلى الاتفاق.

تَعرِض هذه الورقة أبرز الانتهاكات الإيرانية لبنود الاتفاق منذ خروج إدارة الرئيس ترامب منه وحتى اليوم، وتُحلِّل أهم التعقيدات والعقبات التي سيواجهها بايدن أثناء مقاربته المحتملة للعودة إلى الاتفاق.

الانتهاكات الإيرانية للاتفاقية النووية

ذكرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة (IAEA) في وثيقة سرية وزعتها على الدول الأعضاء في الوكالة بتاريخ 5 يونيو 2020، أن إيران تابعت زيادة مخزونها من اليورانيوم المخصّب، مُنتهكة بذلك بنود الاتفاقية التي وقعتها عام 2015 مع القوى الدولية (5+1). وأشارت الوكالة إلى أن المخزون الإيراني من اليورانيوم المنخفض التخصيب بلغ في 20 مايو 1571.6 كيلوغراماً، مرتفعاً بذلك عمَّا كان عليه في 19 فبراير عام 2019. وتؤشر الزيادة المطردة لهذا المخزون من اليورانيوم عن الكميات المتفق عليها في الاتفاق الدولي (JCPOA)، والذي أجاز لإيران الاحتفاظ بمخزون يصل إلى 202.8 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 3.6 في المائة.

وكانت الوكالة الدولية (IAEA) قد ذكرت أن إيران تُتابع تخصيبها لليورانيوم بنسبة 4.5 في المائة، أي إلى مستوى أعلى من نسبة 3.6 في المائة المسموحة بها بموجب الاتفاق النووي. وكان الهدف الأساسي للاتفاق الحؤول دون توصُّل إيران إلى تطوير قنبلة نووية، وهو الأمر الذي دأبت طهران على نفيه.

ومن المعروف أن الاتفاق كان قد وعد إيران بمجموعة من الحوافز الاقتصادية مقابل الالتزام بالضوابط المفروضة عليها بموجب الاتفاق، وقد بدأت الانتهاكات الايرانية رداً على انسحاب الرئيس ترامب من الاتفاقية في عام 2018، ولكن بصورة بطيئة ومتدرّجة. ولم تُخفِ طهران انتهاكها لبنود الاتفاق، بل أعلنت عنها، ولكنها أبقت الباب مفتوحاً أمام مُفتِّشي الوكالة الذرية الدولية لزيارة مختلف منشآتها النووية. وعبّرت إيران عن آمالها بأن تؤدي الانتهاكات التي ارتكبتها لبنود الاتفاقية الدولية إلى أن تهرع الدول الموقعة على الاتفاقية إلى استرضائها من خلال تقديم المزيد من الحوافز الاقتصادية، للتعويض عن الخسائر التي تسببت بها العقوبات التي فرضها عليها الرئيس ترامب بعد انسحاب بلاده من الاتفاقية.

1. خروقات مخزون اليورانيوم والماء الثقيل

أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني في 8 مايو 2019 أن إيران ستتخلى عن التزاماتها المنصوص عنها في الاتفاقية النووية، وأنها ستعمل على زيادة مخزونها من اليورانيوم المخصب والماء الثقيل. وقال روحاني إن هذا القرار يأتي في سياق ردود الفعل على إعادة فرض العقوبات الأمريكية على بلاده، وأن إيران ستعود إلى تطبيق بنود الاتفاقية فور تحقيق مطالبها. وهكذا بدأ مستوى مخزون اليورانيوم المخصب بالارتفاع بصورة تدريجية إلى أن بلغ مؤخراً ما يقارب 2440 كيلوغراماً.

وكان روحاني قد أعلن بعد عملية التخصيب الخامسة في يناير 2020، أنه قد جرى رفع كل القيود المفروضة على برنامج تخصيب اليورانيوم. لكن يظهر بوضوح أن كل الانتهاكات الإيرانية للاتفاقية قد جاءت في سياق ممارستها للضغوط على موقعي الاتفاق (P4+1) لدفعهم لتقديم المساعدات اللازمة لتخفيف مفاعيل العقوبات الأمريكية. ويبدو جلياً أن ما تقوم به إيران من خروقات لا يشكل مخاطر حقيقية، وأنها ستكون على استعداد للتخلي عنه فور التجاوب مع مطالبها، وذلك وفق ما صرح به الرئيس روحاني.

ولم تتخط إيران مخزونها من الماء الثقيل والبالغ 130 طن-متري حتى نوفمبر 2019، إذ أعلنت الوكالة الدولية (IAEA)، وقتذاك، أن المخزون الإيراني قد ارتفع إلى 131.5 طن-متري. ولا يشكل الماء خطراً إلا في حال استعماله في مفاعل “آراك” الذي يعمل بالماء الثقيل والذي انتهى انشاؤه بقوة 40 ميغاواط، والذي يمكنه في حال تشغيله إنتاج كمية من البلوتونيوم كافية لصنع قنبلتين نوويتين.

2. زيادة أعداد وحدات الطرد المركزي

أعلن الرئيس روحاني في 5 سبتمبر 2019 “أن كل التزاماتنا في كل ما يعود للأبحاث والتطوير سيجري التخلي عنها”. وكانت الاتفاقية قد نصَّت على تحديد وحدات الطرد المركزي التي يمكن لإيران استعمالها خلال عشر سنوات من سريان الاتفاقية، هي بحدود 5060 وحدة في منشأة ناطنز، على أن تكون من الجيل الأول (IR-1). وقد سمحت الاتفاقية لإيران أيضاً باستعمال أعداد محدودة من وحدات الطرد المركزي المتطورة، على أن لا يؤدي ذلك إلى زيادة ملحوظة في مخزون اليورانيوم المخصب. وحددت الاتفاقية أنه يمكن لإيران استكمال أبحاثها التطويرية من خلال استعمال أعداد محدودة من وحدات الطرد المركزي المتطورة IR-8، وIR-6، وIR-4، على ألا يتجاوز عدد الأجهزة العاملة من طراز IR-6 وIR-8 ثلاثين وحدة بعد ثماني سنوات ونصف من سريان الاتفاقية الموقعة عام 2015.

وأفادت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 25 سبتمبر 2019 بأن إيران تقوم بتركيب ثلاثة مجموعات من وحدات الطرد المتطورة: الأولى 20 من طراز IR-4، و15 من طراز IR-6، و20 من طراز IR-8، وتضاف مجموعتين إلى هذه المجموعات، عدد وحدات الطرد 164 وحدة في كل منها من طرازي IR-2 وIR-4.

وبهذا، تكون إيران قد خرقت ضوابط الاتفاقية حول نوع وأعداد وحدات الطرد المركزي المسموح بها، لكن يمكن لإيران إعادة تفكيكها إذا ما قررت العودة للالتزام بضوابط الاتفاق.

وفي الاستنتاج العام يمكن القول إن زيادة كميات اليورانيوم المخصب ورفع مستوى التخصيب إلى 4.5، يمكن أن ترفع مستوى مخاطر اقتراب إيران من مرحلة صنع أول قنبلة نووية.

3. عودة التخصيب إلى “فوردو”

أعلن روحاني في 5 نوفمبر 2019 عن تشغيل وحدات الطرد المركزي في منشأة “فوردو”. وتنص الاتفاقية على إقفال عمليات التخصيب في هذه المنشأة وحصرها فقط في منشأة ناطنز. وكان قد سبق أن استعملت فوردو في عمليات التخصيب بنسبة 20 في المائة قبل توقيع الاتفاق.

وأفادت الوكالة الدولية (IAEA) بأن طهران استمرت في السماح لمفتشيها بإجراء تفتيشات مفاجئة لمنشأة فوردو، وأن بإمكانهم اكتشاف أية عملية تخصيب تتعدى نسبة 4.5 في المائة. وسيؤدي تشغيل عمليات التخصيب في فوردو إلى زيادة مخزون إيران من اليورانيوم، وبالتالي تقصير الفترة الزمنية التي تفصلها عن صنع أول قنبلة نووية. لكن المجموعة الدولية ترى أن المخاطر تعود إلى وجود فوردو داخل نفق في جبل يُشرِف على مدينة “قم”.

4. الصواريخ وتكنولوجيا الفضاء

وجهت السفيرة كيلي كرافت، المندوبة الدائمة للولايات المتحدة في مجلس الأمن، في 2 أبريل 2019، رسالة إلى رئيس المجلس تحتج فيها على إطلاق إيران قمراً صناعياً، معتبرة أن التكنولوجيا المستعملة فيه هي نفسها التي يمكن استعمالها لصناعة صواريخ باليستية قادرة على حمل أسلحة نووية. وطالبت السفيرة بمحاسبة إيران على فعلتها، باعتبار أن امتلاكها للصواريخ الباليستية يُسهم في تهديد الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، ويهدد الأمن والسلم الدوليين.

5. التخلي عن الضوابط العملياتية

صرَّح وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في 5 يناير 2019 أن بلاده ستتخلى عن كل الضوابط التشغيلية التي نصت عليها الاتفاقية النووية، وأن النشاطات الإيرانية تتجاوب مع “حاجات إيران التقنية”، مؤكداً إمكانية العودة عن ذلك إذا ما تحققت مطالب إيران.

وتنص الاتفاقية على السماح لإيران بتشغيل 5060 وحدة طرد مركزي من طراز IR-1 موجودة في ناطنز، وبدأت أولى هذه الانتهاكات مع تشغيل 1044 وحدة إضافية موجودة في فوردو، وسبق توقيع الاتفاقية أن ركَّبت إيران ما مجموعه 18000 وحدة طرد مركزي IR-1، و1000 وحدة IR-2. ويعطي هذا التصريح لظريف بما يلفُّه من غموض قدراً من المرونة لتشغيل المزيد من وحدات الطرد المركزي، رداً على العقوبات الأمريكية الإضافية.

ردود فعل الدول المُوقِّعة على الاتفاق

ردَّت الدول الموقعة على الاتفاق وهي: فرنسا وألمانيا وبريطانيا وروسيا والصين على أول أربعة انتهاكات إيرانية بالأدلة، وبالتأكيد على تمسُّكها بمضمون الاتفاق، لكن انفردت الدول الأوروبية الثلاث بتفعيل آلية الرد الواردة في الاتفاقية نفسها، متوجهة لدعوة اللجنة المؤلفة من الأطراف الموقعة على الاتفاقية، والتي يفترض فيها أن تحل أي إشكال خلال 16 يوماً، ولكنها فشلت في إيجاد الحل المطلوب، ومع ذلك فضَّلت عدم نقل شكواها إلى مجلس الأمن الدولي خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى سقوط الاتفاقية كلياً.

وكانت إيران قد سارعت إلى تهديد الدول الأوروبية الثلاث بأنها في حال مضت في رفع شكواها إلى مجلس الأمن، بأنها ستنسحب من الاتفاقية لمنع الانتشار (NPT).

وبالرغم من الانتهاكات الإيرانية الممنهجة والمتتالية للاتفاق، فإن البرنامج النووي الإيراني، بحسب الخبراء، لا يزال في الوقت الراهن سلمياً، والأخطار المترتبة عليه لجهة خطر الانتشار للأسلحة النووية أدنى مما كانت عليه في عام 2013، إذ بلغ المخزون الإيراني من غاز اليورانيوم المنخفض التخصيب 7000 كيلوغرام.

لكن لا بد من الاعتراف بأن لجوء إيران إلى زيادة مخزونها من اليورانيوم 12 ضعفاً عمَّا كان عليه عام 2018، وزيادة أعداد وحدات الطرد المركزي المتطورة العاملة، يثيران الكثير من الهواجس لدى الدول الموقعة على الاتفاقية، ولدى دول منطقة الشرق الأوسط. وتقتضي المخاطر أن تبذل الدول الموقعة على الاتفاق كل جهودها الممكنة لتشجيع الإدارة الأمريكية الجديدة وإيران على إعادة التفكير في صيغة الاتفاق وتطويره بحيث يستوعب مُجمَل المخاوف المتصلة به، والتراجع عن الانتهاكات المرتكبة.

بايدن وقرار العودة للاتفاقية النووية (JCPOA): التوجهات والعقبات

كتب الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن مقالاً في مجلة “فورين أفّيرز” (عدد شهري مارس وأبريل 2020)، بعنوان “لماذا يجب أن تقود أمريكا من جديد؟”، تعهَّد فيه بالعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، قائلاً “إنني سأعود إلى الاتفاق النووي، مُستعمِلاً الديبلوماسية والعمل مع حلفائنا لتمديده وتدعيمه، مع التأكيد على التعامل بحزم مع نشاطات إيران المهددة للاستقرار”، مؤكداً أنه في حال “عادت إيران للالتزام بالضوابط والشروط المحددة في الاتفاق النووي، يمكن للولايات المتحدة أن تعود للاتفاق بقرار مبدئي، على أن يتبع ذلك مفاوضات لاحقة”. وأكد بايدن في مقالات أخرى نيته العودة للاتفاق، واصفاً إياه بالاتفاق التاريخي الذي جمَّد اندفاع إيران للحصول على القنبلة النووية.

ومع أنه من السَّهل أن يُعبِّر الرئيس الأمريكي المنتخب بالأقوال عن مقاربته حول العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، لكن الخطوات العملية لإنجاز ذلك لن تكون سهلة أبداً؛ فمن المتوقع ظهور حواجز وعقبات كبيرة تعترض سبيلها وتؤخر تنفيذها. ومن الصعب تصوُّر سهولة قفز الطرفين فوق كل الخلافات الأخرى، والإرث الثقيل للعلاقات المتوترة بينهما منذ عقود. ويمكن إيراد أهم العقبات التي ستواجه بايدن في هذا الملف، على النحو الآتي:

1. إرث العلاقات الثقيل: إذ لا يبدو أن هناك أية إمكانية للتخلص من إرث العداء الإيراني للولايات المتحدة في المستقبل المنظور، وذلك من خلال الرؤية الإيرانية بأن الولايات المتحدة تشكل تهديداً ثقافياً وأيديولوجياً وسياساً للإسلام وللجمهورية الإسلامية. كما أنها تنظر إلى الانتشار العسكري الأمريكي في منطقة الخليج باعتباره مصدر تهديد للأمن الإيراني وللمصالح الإيرانية، ويَحول دون فرض إيران طموحاتها بالهيمنة على جيرانها، وخصوصاً دول مجلس التعاون الخليجي والعراق واليمن.

وفي الواقع لا يمكن توقع انتهاء حالة التوتر الشديد التي سيطرت على العلاقات بين واشنطن وطهران بعد وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وانسحابه عام 2018 من الاتفاق النووي، لمجرد صدور قرار من إدارة الرئيس جو بايدن بالعودة إلى الاتفاق. ويؤكد تصريح صدر عن المرشد الأعلى علي خامنئي في 24 نوفمبر الماضي استمرارية وعمق حالة العداء بين الطرفين، إذ قال إن “العقوبات جريمة أمريكية بشراكة أوروبية ضد الشعب الإيراني”.

غير أنه منذ تأكيد فوز بايدن بالانتخاب، بدأت إيران بإرسال إشارات حول مختلف الخيارات المفتوحة ديبلوماسياً لتعامل الإدارة الأمريكية الجديدة معها. وأرسل الرئيس روحاني ووزير خارجيته رسائل واضحة تؤكد استعداد إيران للتفاوض لإحياء الاتفاق النووي، إذا أبدت واشنطن استعدادها للعودة إليه. وكان روحاني قد صرَّح في إحدى جلسات مجلس الوزراء الإيراني “أن هدفنا هو رفع ضغط العقوبات عن كاهل شعبنا”، و”عندما تظهر لنا فرصة مواتية فإننا سنتصرف بمسؤولية”.

في المقابل، يبدو أن إدارة ترامب تحاول فرض المزيد من العقوبات في الفترة المتبقية من رئاسته، في محاولة واضحة لفرض المزيد من العقبات في طريق الرئيس بايدن للانفتاح ديبلوماسياً على إيران. صحيح أن بايدن كان قد أعلن عن نيته العودة إلى الاتفاق، ولكنه يدرك تماماً أن الخلاف مع إيران لا يقتصر على هذا الأمر، بل يتعداه إلى قضايا معقدة ومهمة مثل المصالح الأمريكية والوجود العسكري الأمريكي في العراق وسوريا والخليج، بالإضافة إلى مصالح حلفاء أمريكا في المنطقة، وعلى رأسها إسرائيل والسعودية والإمارات والبحرين، وضرورة تغيير إيران لسلوكياتها العدائية تجاه هؤلاء الحلفاء. كما أنه لا يمكن تجاهل تمويل النظام الإيراني للميليشيات الطائفية مثل حزب الله وحماس والحوثيين والفصائل الشيعية المسلحة في العراق، ومدِّهم بالسلاح إلى جانب دعمها الواضح للإرهاب.

2. وقف خروقات إيران للاتفاق وقضية التعويضات: من العقبات المتوقعة التي سيواجهها بايدن بعد إعلانه العودة إلى الاتفاق، التأكد من تنفيذ إيران لكل التزاماتها ووقف كل الخروقات التي ارتكبتها وإزالة آثارها، وبطريقة تسمح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية للتأكد من ذلك. غير أنه من المشكوك فيه أن يقبل الرئيس الإيراني ذلك، في ظل ما سيتعرَّض له من ضغوط من التيار المتشدد حول التفاوض مع واشنطن، دون طلب التعويض عن الخسائر الاقتصادية الكبرى التي تسبَّب بها نظام العقوبات أثناء رئاسة ترامب، وهو ما صرَّح به روحاني علناً بالفعل.

وستنطلق إيران بمطالبتها بالتعويض المالي استناداً إلى حالة انعدام الثقة بالجانب الأمريكي، وسيحاول الرئيس بايدن العمل على إعادة بناء قواعد الثقة المفقودة من خلال عرضه تقديم مساعدات طبية لمواجهة جائحة كورونا في إيران، ومن خلال رفع فوري للعقوبات، بما فيها منع دخول المسؤولين الإيرانيين إلى الولايات المتحدة. وتتوقع السلطات الإيرانية أن يعمد الرئيس بايدن، وبالسرعة الممكنة، إلى رفع العقوبات القاسية المفروضة عليها، في الوقت الذي لا تبدو هذه المطالب واقعية، وذلك بسبب ربط إدارة ترامب هذه العقوبات إلى جانب الموضوع النووي بنشاطات إيران المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط، بما في ذلك تمويل ميليشياتها وبعض الجماعات الإرهابية في سوريا والعراق واليمن، إلى جانب تجاوزاتها وانتهاكاتها الممنهجة لحقوق الإنسان داخل إيران.

وستجعل استراتيجية العقوبات التي اعتمدها ترامب، إمكانية لتجاوب إدارة بايدن مع مطالب الإيرانيين برفع العقوبات الاقتصادية أو تقديم أية مساعدات مالية، محدودة. كما أن خيارات الإدارة الأمريكية الجديدة لتخفيف الأضرار الاقتصادية ستكون شبه مستحيلة. وتقتضي الحكمة والمنطق ألا يَعمَد بايدن إلى رفع العقوبات بالسرعة التي تريدها إيران، وأن يعتمد مقاربة تراكمية تمتد لأشهر عديدة، بحيث تسير عملية رفع العقوبات بالتوازي مع تنفيذ إيران لالتزاماتها، ومع قياس مدى التقدم في المفاوضات حول التعديلات المطلوب إدخالها على الاتفاق النووي أو على برنامج الصواريخ الباليستية أو سلوكيات إيران الداخلية أو تدخلاتها الإقليمية المستفزة لدول الجوار، مع ضرورة أن تبدأ العملية برفع العقوبات المرتبطة بالبرنامج النووي أولاً. ولن يكون التفريق بين هذه النوعين من العقوبات صعباً بالنسبة لفريق بايدن؛ فَهُم شركاء قدامى في هذه العملية. ولا بد أيضاً من إشراك الحلفاء الأوروبيين في المفاوضات الخاصة بالاتفاق النووي، وبموضوع تطوير الصواريخ الباليستية، والتي سبق للأوروبيين أن عبَّروا عن هواجسهم بشأنها.

3. البرنامج الإيراني للصواريخ الباليستية: لا يمكن إهمال التطرق إلى مسالة تعديل شروط الاتفاق وتمديد مدة سريانه، وإلى برنامج إيران للصواريخ الباليستية، والذي يشكل قضية ترقى في تعقيداتها إلى مستوى تخلي إيران نهائياً عن طموحتها النووية، وعن خياراتها الاستراتيجية كقوة “عظمى” على المستوى الإقليمي. وستُشكِّل هذه القضية موضوعاً شائكاً، إذ لا يمكن لإيران أن ترضى بوضع ضوابط على تطويرها وامتلاكاها للصواريخ، إلا إذا جرى – بحسب تقدير بعض المحللين الإيرانيين – طَرْح موضوع التسلح على المستوى الإقليمي، بحيث تنظم إلى المفاوضات دول كإسرائيل والسعودية والإمارات، من أجل البحث عن نظام تسلُّح متوازن إقليمياً.

وفي هذا السياق، يجب أن يُدرك بايدن أهمية التشاور مع اسرائيل والدول الخليجية، والتي سبق أن أبدت معارضتها الشديدة للاتفاق النووي، وهي تنتظر من الرئيس الأمريكي المنتخب الاستماع إلى آرائها قبل بدء أية مفاوضات جدية حول هذا الاتفاق. وقد عبّر السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة، عن هذا الأمر في ندوة نظمتها معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، بقوله “إذا كان الأمر يتعلق ببحث الأمن في هذا الجزء من العالم، فمن الضروري حضورنا والاستماع جيداً لما نقوله”.

وهناك قضية مهمة أخرى لا بد من استطلاع نوايا إيران حولها، وهي مسألة الثأر لمقتل الجنرال قاسم سليماني؛ هل ستواصل إيران مخططاتها لاستهداف شخصيات أمريكية، أو تكتفي بقصف وكلائها للسفارة الأمريكية في بغداد، وضَرْبها بصواريخ باليستية بعض القواعد الأمريكية في العراق.

خلاصة واستنتاجات

من شبه المؤكد أن الرئيس بايدن سيتجه لإعلان العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، ولكن لا بدّ من اعتماد مقاربة واقعية تجاه هذا الملف تُراعي المصالح الأمريكية ومصالح الحلفاء وشركاء الولايات المتحدة في المنطقة. ولا يُشكِّل نظام العقوبات الذي فرضته إدارة ترامب عائقاً أمام القرار الذي سيتخذه بايدن، بل هو في الواقع عنصر قوة يمكن للرئيس بايدن الاستفادة منه لإقناع إيران بقبول إجراء تعديلات أساسية على الاتفاق، وخاصة لجهة مدة فترة تطبيقه لسنوات إضافية، وتضمينه قضايا أمنية أخرى.

وفي النهاية لا بدّ من أن يضع بايدن العودة إلى الاتفاق وفق نهج تعديلي جديد ضمن قائمة أولوياته الخارجية، وذلك إدراكاً منه لضرورة الاستفادة من المدة المتبقية لوجود الرئيس الإيراني حسن روحاني في السلطة، والذي يُرجح أن يكون البديل عنه الذي ستفرزه الانتخابات التي ستجرى في يونيو 2021، من المحافظين المُتشددين. ومع تأكيد بايدن التزاماته بالعودة إلى الاتفاق، فإن هذه العودة لن تكون مسهّلة، وقد تستغرق وقتاً أطول مما توقعه بايدن أو ترغب فيه إيران.

*مركز الإمارات للسياسات 

مقالات ذات صلة