دفاتر فارس يواكيم: فيلمون وهبي… الفطرة الموسيقية وذكريات كفرشيما والمخابرات السورية

بين المسرح والإذاعة والموسيقى، قضى فارس يواكيم (1945 ــ مصر)، عقوداً من حياته مواكباً ومؤرّخاً ومشاركاً في أبرز محطات المشهد الفني العربي في القرن الماضي، وشاهداً على التحوّلات التي شهدها عالم الفنّ.

فيلمون وهبي  فنان ثلاثي الأبعاد: ملحن، وممثل، وصاحب أغانٍ نقدية ساخرة. من هزلياته الغنائية الشهيرة التي نظمها ولحّنها وغنّاها: “سنفرلو ع السانفريان”، و”كشوا الدجاج من قدام البيت”، و”بسيطة”، و”عندك بستان يا سعدى” التي غنتها صباح أيضاً. ومن أدواره الشهيرة: شخصية سبع في الدويتو مع منصور الرحباني “سبع ومخول”، وقد أُنتج العديد من هذه الاسكتشات في حلقات إذاعية وتلفزيونية. كما تألق فيلمون وهبي الممثل الكوميدي في مسرحيات الأخوين رحباني، وفي بعض مسرحيات قامت ببطولتها صباح.

أما ألحانه فهي البعد الأول، عرفت النجاح ونالت الإعجاب منذ إذاعتها لأول مرة. ألحانه أدّاها أشهر نجوم الغناء. أذكر على سبيل المثال: “يا أمي طلّ من الطاقة” (صباح)، و”برهوم حاكيني” (نجاح سلام)، “بتروح لك مشوار” (وديع الصافي)، و”يا هلا بالضيف” (سميرة توفيق)، و”هدّوني هدّوني” (نصري شمس الدين). وباقة كبيرة من أغاني فيروز، منها: “جايبلي سلام”، و”يا دارة دوري فينا”، و”ليلية بترجع يا ليل”، و”يا مرسال المراسيل”.
إنجازات فيلمون وهبي الفنيّة معروفة لدى الجميع، لذلك سأتطرق إلى البعد الرابع، إلى فيلمون الإنسان. رب العائلة، والأب الطيب، الذي تزوّج من جانيت خوري سنة 1946 وكانت مغنية واسمها الفني تغريد الصغيرة، وأنجبا أربعة: البكر اسمه عماد، والثاني يدعى سعيد، على اسم أبي فيلمون، وآخر العنقود اسمه ربيع. والابنة الوحيدة اسمها ألحان. واسمها الكامل: ألحان فيلمون وهبي.

فيلمون العصامي، الذي لم تسنح له الفرصة لدراسة الموسيقى في كونسرفاتوار، ولم يتعلم كتابة النوتة الموسيقية، عوّض ذلك بفضل موهبته الفطرية الفيّاضة التي جعلته يبدع الألحان الجميلة السهلة، التي يستوعبها الجمهور من أول استماع ولا يلبث أن يرددها. كان يعزف على آلة العود لكنه لم يكن محسوباً في قائمة عازفي العود البارعين. كان يلحن بالدندنة وبنقر أصابعه على الطاولة وحين يولد اللحن يعزفه على العود ويسجّله. كان أولاده قد اشتروا له آلة تسجيل ودرّبوه على استخدامها، لكنه كثيراً ما كان يستنجد بهم طلباً للعون التقني! كان يسلّم اللحن إلى الأخوين رحباني وهما يقومان بمهمة تدوين النوتة والتوزيع الموسيقي. ومثل هذه المهمة قام بها آخرون ومنهم سليم سحاب، عندما لحّن فيلمون وهبي لفيروز مجموعة من الأغاني خارج الإطار الرحباني وكانت من نظم جوزف حرب، ومنها “ورقه الأصفر”، و”طلع لي البكي”، و”أسوارة العروس”.

وفيلمون هو الملحن الذي بدأ حياته المهنية منشداً. اعتُمِد مغنياً في الإذاعة اللبنانية سنة 1937 وهو في التاسعة عشرة من عمره (مواليد 1918) وفي السنة ذاتها سافر إلى فلسطين وكان يغني في ملاهٍ ومسارح فلسطينية ويمشي على الأقدام إلى يافا ليسجل أغانيه في إذاعة الشرق الأدنى.

وبعد سنوات شعر بأن طريق الغناء وعرٌ في وجود نجوم كبار من وزن محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش، وأدرك أن درب التلحين أسهل وأرحب خصوصاً وهو يملك الموهبة. وكانت أغنية “على مهلك يا مسافر” باكورة ألحانه. ومن ألحانه المبكرة أغنية “يا با قلبي ما ادري إيش بي” التي أنشدتها نجاح سلام. ثم ما لبث فيلمون وهبي أن أصبح في مطلع الخمسينيات من مجموعة الملحنين الذين وضعوا أسس الأغنية اللبنانية الحديثة مع الأخوين رحباني وزكي ناصيف وتوفيق الباشا وحليم الرومي.

في حياته كما في ألحانه ظلّ فيلمون وهبي ابن كفرشيما، البلدة التي ولد وعاش عمره فيها. كفرشيما التي أنجبت العديد من الأدباء والفنانين، منهم: ناصيف اليازجي وولده إبراهيم، وآل تقلا مؤسسو جريدة “الأهرام” القاهرية، والمفكر شبلي الشميل، والشاعر المهجري إلياس فرحات، والشاعر والصحافي جورج رجي، وملحم بركات، وعصام رجي وماري سليمان، وفيها عاش حليم الرومي وولدت وترعرعت ابنته ماجدة.

ومن بلدة كفرشيما صديق لفيلمون وهبي اسمه أبو نمر يملك محطة بنزين. أتذكّره الآن لأنه في بعد ظهر ذات يوم في صيف 1976 كنت أحتسي القهوة مع “أبو عماد” في صالون “فندق الشرق ــ أوريانت بالاس،” مقر إقامتنا آنذاك في دمشق، أطلّ أبو نمر مستعجلاً وطلب من فيلمون وهبي أن يلحق به بسرعة بحجة أنه ركن سيارته في مكان ممنوع الوقوف فيه.
وما كان من فيلمون إلا أن لبّى النداء وأسرع خارجاً مع “أبو نمر”. وبعد سهرة طويلة عدت في أواخر الليل إلى الفندق فوجدت زوجة فيلمون وابنته ألحان ساهرتين جالستين في الصالون حزينتين باكيتين قلقتين بسبب اختفاء فيلمون وقد سألتا عنه الأصدقاء والمخافر والمستشفيات ولم يعثر عليه أحد. قلت: رأيته ذهب مع أبو نمر. فهتفت زوجته وقد تنفّست الصعداء “إذاً هو راح إلى الصيد”. وارتاحت الزوجة والابنة وذهبتا إلى غرفتهما. وفعلاً كان فيلمون وهبي قد رافق أبو نمر في رحلة صيد وعاد مع بزوغ فجر اليوم التالي. ومن شدة إلحاح أبو نمر نسي أبو عماد أن يخبر أهله عن مشروع الصيد.

كان الصيد شغفاً كما كان التلحين والأداء التمثيلي. وهو اعتاد منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي أن يقوم برحلات الصيد إلى سورية. وكان يحب سورية البلد والناس. وذات مرة سمعتُ بعض الألسنة الخبيثة تلوك شائعة سخيفة مفادها بأن فيلمون وهبي هو رجل المخابرات السورية، بدرجة عميل أو متعامل. واستشطت غضباً لأني أعرف الرجل على حقيقته. كنت في الفندق نفسه شاهداً على زيارات قام بها مسؤولون سوريون، عسكريون ومدنيون، إلى فيلمون وهبي. أسماء معروفة جيداً لدى اللبنانيين لأنها كانت ترد في نشرات الأخبار آنذاك. هم الذين كانوا يأتون لزيارته يستمتعون بمجلسه اللطيف الحافل بالسخريات والطرائف ويستمعون إلى ما جدّ لديه من ألحان. ولم يكن للسياسة دخل في هذه السهرات. وهو لم يسعَ في يوم إلى التقرّب من أحد.

(العربي الجديد) 

مقالات ذات صلة