الإصلاح واجبٌ وطني

كتب العميد منير عقيقي *

لم يعد لبنان قادرا على الاستمرار في ما هو عليه. اضحى امام خيارين كلاهما مرّ:

·      اما ان يستمر في سقوطه المريع

·      او ان يقود الجميع، من دون استثناء، عملية حوار واصلاح شاملة

في حال العكس من ذلك، ليس علينا سوى حصد المزيد من التوترات السياسية والازمات الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والصحية.

ما حصل ليس ازمة في قطاع. ما نحن عليه هو انذار اخير قبل الانهيار. الدعوة الى الحوار والاصلاح لا تعني ابدا التخندق في مواجهة المطالبين بالتغيير. لكن خوض مسار التغيير في لحظة حساسة ودقيقة للغاية في المنطقة ينطوي على مخاطر كارثية، لذا قد تكون العملية الحوارية – الاصلاحية اقل ضررا.

التهيّب من التغيير هو عمليا الخوف من اللحاق بالتصدعات التي خلّفها ما سُمّيَ بـ”الربيع العربي” الذي اطاح دولا، وغيّر خرائط، ناهيك باسقاط الدساتير حتى صارت هذه الدول تبحث عمن يصيغ لها دساتير تضمن استقرارها الاجتماعي والاقتصادي عدا السياسي.

اما في لبنان فما زالت هناك ضمانات للنجاة من اعطاب “الربيع العربي”، واهم هذه الضمانات هي الدستور وما تضمنه في مقدمته، وكذلك الجيش والمؤسسات الامنية. ما تمر به المنطقة ومنها لبنان من تبدلات وتقلبات بين ليلة وضحاها يستدعي رؤية لا تصلبا في الرأي.

خاض لبنان تجارب مريرة على امتداد مئويته، لكن لم يسبق له ان بلغ هذا المستوى من التحديات وهو يلج الى مئويته الثانية. ذلك ان خط التوترات الداخلية المشروعة التي انطلقت اثر الانهيار في سائر القطاعات، معطوفة على التوترات الاقليمية وصراع الامبراطوريات والاحلاف، يبعث على قلق وجودي بكل ما للكلمة من معنى. في مثل هكذا لحظة حساسة ودقيقة، حيث تتقرر فيها مصائر دول وجماعات، قد يكون من المفيد لنا جميعا الاسترشاد بما قاله حميد فرنجية عام 1957 في البرلمان مخاطبا وزير الخارجية في حينه شارل مالك: “اسمح لي يا معالي الوزير ان ادلك على قاعدة ذهبية وهي ان الخير يصبح شرا اذا اختلف عليه اللبنانيون، وان الشر يصير خيرا اذا اتفقوا عليه”.

ما انتهى اليه لبنان لم يكن وليد لحظته، بل كان جراء السكوت الجماعي والمتمادي على تآكل مؤسسات الرقابة وتحييدها وانعدام معايير الشفافية ومكافحة الفساد. وكذلك جراء تلكؤ مؤسسات اخرى عن القيام بواجباتها وادوارها التي من اجلها انشئت. كل ذلك كان يجري مصحوبا بعقلية انتهازية مقيتة تؤجج وتؤلب مشاعر الجماعات ضد بعضها البعض، فيما الدولة تتآكل تحت وطأة تناتش الجماعات لها. وكان الصمت سيد الجميع بإزاء اقتصاد هجين ومفتعل ولا يحوز عناصر قوة واسس متينة.

ان الانسدادات التي وصل اليها لبنان ليست عادية على الاطلاق، وتستدعي معالجات استثنائية هدفها انقاذ لبنان واللبنانيين الآن وليس غدا. لكن في المقابل ـ وليس من باب الاشتراط على احد او في وجه احد ـ فإن اي محاولة اصلاحية او انقاذية او مطلبية او اعتراضية او تغييرية، ينبغي لها ان تأخذ في الاعتبار، وباعلى معايير النباهة السياسية الوطنية، ان المنطقة على فوهة بركان جراء التعثرات الداخلية والخارجية التي ما برحت تتراكم منذ سنوات.

الوضع المستجد غيّر وجه لبنان وصورته ودوره، فلم يعد القطاع المصرفي عنصر جذب، وانهارت قطاعات السياحة والتعليم والصحة والتجارة والخدمات، ناهيك بضمور مبرر للحركة الثقافية في المجالات الفنية والادبية والاعلامية ودور النشر. لم يعد لبنان مستشفى المنطقة ولا مصرفها ولا جامعتها. الاسوأ من ذلك ان لا قعرا مرئيا لهذا الانهيار حتى اللحظة. ولن يكون هناك اي يقين بوقف هذا السقوط، ومن ثم العمل للنهوض، الا بعملية اصلاح جدي تعيد الى الدولة اعتبارها ايا تكن التضحيات والمسؤوليات.

في هذا الوطن تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا، فلنحمِه ليكون دولة فعالة لها حضورها، بدلا من ان يكون ساحة تجارب للغير.

* رئيس التحرير المسؤول في مجلة ” الأمن العام”

 

مقالات ذات صلة