هل هناك أفق لحل وطني لبناني؟!/ غالب قنديل

يبشّر البعض بوصفات مبنية على مبدأ الخضوع للهيمنة الأجنبية، وهذا البعض اللبناني يضم أكثر من فريق سياسي مرتبط بالهيمنة الأجنبية وتابع لها في نمط تفكيره وتصرفه السياسي من عقود. وبعض الجماعات التي زعمت أنها شقّت عصا الطاعة على القوى التقليدية وتكشّفت عن مشاريع لتثبيت الهيمنة الأجنبية وافتضح أمر ارتباطها بالأجنبي وخضوعها له. أما الصنف الثالث من القوى المحلية فهو يضمّ الأطراف الوطنية التي تستهول خوض معركة التغيير والتحرّر، وتحجم عن تبنّي البرامج الوطنية المناسبة.

أولا: إن التحدّي اللبناني الراهن بحكم طبيعته لا يحتمل الترقيع أو المواربة، وشاءت القوى السياسية كلها أم أبت، فهي مطالبة بإشهار وصفة لحل الأزمة الخطيرة، التي تملي عليها تحديد خياراتها بصورة واضحة لا مجال فيها للمناورة. وعلى اللبنانيين اليوم أن يختاروا بين مواصلة العيش باللهاث خلف الانهيارات المتلاحقة والتّدحرج في مهاوي الكارثة الاقتصادية والمالية، وبين تلمّس السبل الآيلة الى النهوض من جديد، وسلوك الطريق الصعب للتحرّر وإعادة البناء بعد الكارثة، وهذا ما تتحاشاه جلّ القوى السياسية والأحزاب والتجمعات القديمة والجديدة، اللاهثة خلف الحدث، والعاجزة عن الابتكار وطرق أبواب التغيير المنشود.

لبنان يحتاج الى قادة شجعان وشباب مستعدين لطرق أبواب المستحيل وخوض غمار التحدّي في إنقاذ بلادهم، والطريق الى ذلك يبدأ، قبل كل شيء، بهوية استقلالية مناهضة للهيمنة الغربية وخارج نموذج السمسرة والتبعية لمنظومة دولية إقليمية لصوصية، تتحمّل مسؤولية فاجعة البلد المنهوب.

ثانيا: ليست إعادة البناء الوطني بعد الخراب الحاصل والمتراكم خلال عقود معجزة أو هدفا مستحيلا، لكنها تستدعي قرارا وإرادة قوية وفكرا خلاقا يبتكر خطة لإعادة البناء الوطني وللنهوض، عبر تنمية الموارد الوطنية للثروة، وإحياء دورة الانتاج الزراعي والصناعي، وفتح بوابات المستقبل المتقدّم، الذي يمتلك لبنان خميرة ثمينة لمواكبته، من خلال نخبة شبابه المتعلّم، الذي تنعدم أمامه الفرص على أرض الوطن، وتبتلعه المهاجر التي توظّف طاقاته الخلاقة والمؤهّلة في خدمة اقتصادياتها، ويُحرم الوطن من أبنائه القادرين على صنع المعجزات، لو اُتيحت لهم الفرص في بلدهم المنكوب بزعامات لا تشبع من التهام الثروات وتكديسها من قروش الفقراء وعرقهم ومن طريق مستقبل أبنائهم المصادر. ويقينا إن أبواب استعادة أبنائنا المهاجرين ليست موصدة، ولكن بناء الفرصة وتوليد الأمل وإنعاش الأحلام الوطنية، هو التحدّي الحقيقي الذي علينا مواجهته دون إبطاء.

إن خلاص لبنان ينتظر من يبادر بإطلاق النداء الى شبك الأيادي والسواعد وشقِّ طريق جديد بعيد عن كل ما استهلكناه من وصفات بائسة وبالية خلال السنوات الماضية، واستهلكنا معه كمية متضخمة من الشعارات الكاذبة، التي أوهمت الناس بخلاص قريب، وتكشّفت عن فجيعة مدوّية من خلال وحش الدين العام، الذي أكل وجوه العافية، وأعدم فرص النهوض وإعادة البناء على حساب الطاقات الوطنية الفتية.

ثالثا: تلوح من جديد فرص حقيقية أمام لبنان، ولكنها تتطلب تبلور إرادة وطنية صلبة وواعية بمستوى التحدّي، فالنهوض من حالة الخراب والنضوب يتطلّب خطة وطنية جذرية وشاملة لإحياء موارد الثروة ولمجابهة التحديات بطاقة لبنان البشرية المميزة وبما يختزنه من موارد، وما يستطيع اكتسابه من مكانة في محيطه، تؤهل اقتصاده لأدوار ريادية، اذا اُحسنت خطط إدارته وتأهيله وتنميته.

الفرصة موجودة كما كانت سابقا، ولكن كلفة التأخير في المبادرة ستكون أكبر مما سبق كلما مرّ المزيد من الزمن مع إدمان اللبنانيين للعبة هدر الوقت وتضييع الفرص. ويجب أن نضع في اعتبارنا أنه في الاقتصاد المعاصر لا توجد أدوار مؤبدة لبلدان بعينها، مهما كانت إمكاناتها وقدراتها أو ميزاتها، ولبنان أحوج ما يكون الى حركة سريعة تنقذه من المنحدر الخطير، وتستدرك ما فاته من الزمن دون خطة جديدة لإعاة البناء الوطني، ترمّم موارده وتحيي قطاعاته الاقتصادية الانتاجية والخدماتية بناء على تعريف جديد ومعاصر لوظيفته ودوره في محيطه القريب، وفي مداه الشرقي الأوسع.

رابعا: على اللبنانيين أن يبلوروا تصورا حول إعادة البناء الوطني لاقتصادهم والوظائف التي يطمحون اليها بعد التغييرات التي عصفت بالعالم، وأن يحدّدوا شركاءهم بمنظور المصلحة الوطنية، ويتحرّروا بالتالي لملاقاة المستقبل برؤية متكاملة، تعرّف دور لبنان الاقتصادي المستقبلي إقليميا ودوليا، والفروع الاقتصادية الإنتاجية والخدماتية التي يجب أن تتصدّر الاهتمام، والشركاء المناسبين الذين ينبغي السعي الى التفاعل معهم والبحث عن الفرص المشتركة على قاعدة الاستقلال والتكامل المصلحي، وهذه عملية نظرية وفكرية تمثّل قاعدة لا بدّ منها لصياغة تصوّر حول خطة النهوض الاقتصادي، ومن دون هذا التصوّر سيبقى كل الكلام خليط أمنيات وثرثرة لا طائل منها في مجابهة التحديات الواقعية.

الفرص موجودة وهي حافلة بتحديات كثيرة تستدعي إرادة ووعيا، وأسلوبا علميا في تفكيك العقد ورسم طريق النهوض. ومن غير هذا المثلث سنبقى نراوح في المكان، ونجترّ ما سلف من أمجاد دارسة لقطاعنا الخدماتي، الذي علينا أن نسأل علميا عن فرص إحيائه وإعادة تعريف دورة في المنطقة العربية والعالم على أسس عصرية جديدة، تراعي ما تراكم من تغييرات وانقلابات في الواقع الاقتصادي العالمي.

مقالات ذات صلة