ذكريات مع وليد عوض/ طلال شتوي

اليوم، حين يسألني زملاء في مقتبل العمر تخرّجوا حديثا من كلّيات الأعلام عن كيفية الحصول على “فرصة” لممارسة المهنة، لا أتردد في الأجابة ممازحا: عليكم برصيف سينما “ستراند” في شارع الحمرا! انه أكبر مكتب توظيف في بيروت!

هذا ما فعلته ذات صباح عام 1983. قصدت بسطة الصحف والمجلات على ذاك الرصيف، وخلال أقل من 5 دقائق كانت مجلة “الأفكار” قد نادتني اليها. كان فيها كل السحر الذي يكفي لأغوائي. صاحبها ورئيس تحريرها صحافي كبير من جيل الروّاد وأحد كبار مجلة “الحوادث” في زمانها الذهبي وتلميذ عملاق الصحافة اللبنانية سليم اللوزي. وفوق ذلك فأن المجلة لا تزال في سنتها الأولى وتحمل كل زخم ووهج البدايات والتي يمكن أن تفسح لي مكانا آمنا فيها لكي أتعلّم أو أجن، وقد فعلت الأثنين معا!

الأهم بالنسبة اليّ، في تلك اللحظة، هو أن وليد عوض طرابلسي المولد والنشأة والهوى… ولم يكن لطرابلسي يكتشف بيروت مثلي سوى أن ينحاز الى حضن أهله. في تلك اللحظة كان وليد عوض، الذي لا أعرفه، هو كل أهلي في العاصمة التي لا ترحم العشّاق والمريدين… اما أن ترفعهم الى السماء وأما أن ترميهم عن صخرة الروشة وتواصل يومياتها المعتادة.

 

= صدقا، لا أعرف لماذا استقبلني وليد عوض بعد نحو 10 دقائق من وصولي. ربما لأنني من طرابلس، وربما لأنه يعرف اسم عائلتي والكثير عن أبي وعمي، وربما لأنه يتنفس ويأكل ويشرب “صحافة” وبابه لا يمكن أن يغلق في وجه ” مشروع زميل” لايملك في سجلّه المهني سوى الشغف وسنواته العشرين.

لم أمكث في مكتبه سوى دقائق كلّفني خلالها بكتابة مقالة سياسية عن الوضع في طرابلس ومقالة ثقافية أو فنية تاركا لي اختيار موضوعها، وحمّلني مجلتين فرنسيتين كانتا على مكتبه محددا لي موضوعين عن مايكل جاكسون وأرنست همنغواي. قال لي: هذا أول “التعارف” وهو ليس امتحانا، لأن ما ستكتبه سينشر في حال كان يستحق النشر! وقبل أن أغادر أردف ضاحكا: لا أنصحك بالترجمة الحرفية! اقرأ واكتب من جديد بلغتك.

مضيت مسرعا الى بيتي في شارع بشارة الخوري في البسطا التحتا وأنا أعدّ نفسي لليلة بيضاء بلا نوم. لقد وجدت مدرستي: مدرسة وليد عوض…

 

= في ساعة مبكرة من صباح اليوم التالي،كنت قد أنجزت كل ما كلّفني به “الأستاذ”… وهو اللقب الذي سأنادي به وليد عوض، كما يفعل الآخرون في مكاتب المجلة، خلال السنة التي سأمضيها في “الأفكار”.

لم أخطّط لأدهاش “الأستاذ”. كنت فقط أنتزع فرصي. لكنني أدهشته!

سرعان ما لاحظ وليد عوض أنني “جاهز”. قرأ المقالة السياسية… مقالتي الأولى، وضحكت عيناه.

 

= خلال لحظات كان وليد عوض قد وضع العناوين والمقدّمة وصحّح بقلمه بعض الأخطاء في اللغة ودفع بالمقالة الى النشر. التفت اليّ وقال لي: مكتبك مع جوزف وغسّان! جوزف بدوي كان محرر المحليات الأساسي وغسّان كنج كان يكتب في الشؤون العربية والدولية. وحين تساءلت عن طبيعة عملي بخفر اتفقا على أن “الأستاذ” سيجعلني “باس بار تو” وضحكا: كان الله في عونك!

 

= كل شيء حصل بسرعة. وليد عوض أراد أن أكون الحصان الرابح في فريق العمل وأنا سلّمت نفسي له بكل طواعية مفتونا باللحظة التي سأربح فيها السباق الى الأحتراف. أذكر أنه قال لي: يا طلال لا تزال بحاجة الى درع التثبيت! لم أفهم. عرفت لاحقا أنه درع يمنحه البطريرك للكاهن في مراسم سيامته واعلانه مطرانا!

 

= منحني “الأستاذ” مفاجأتين دفعة واحدة.

الأولى عبارة عن 900 ليرة، حرص على افهامي أنها مكافأة رمزية، وأن راتبي الشهري سيكون 1700 ليرة. وكان الرقم معقولا ويتقاضاه محترفون في المهنة في تلك الأيام.

المفاجأة الثانية كانت أهم: انقل أغراضك الى المطبخ!!

للوهلة الأولى اعتقدت انها مزحة! لكن “الأستاذ” كان يعني ما يقول. أردف موضحا لي: ستكون “سكرتير التحرير” وستتعلّم في المطبخ أسرار اللعبة.

لجأت يومها الى جوزف وغسان اللذين كانا في جلسة استرخاء ومزاح قبيل الأجتماع الأسبوعي لأسرة التحرير. وشرح لي جوزف بجدية أن المطبخ “مصطلح” في لغة المهنة يطلق على المكان الذي تتمّ فيه صناعة العدد، تحريريا واخراجيا. وأكمل غسان بأن “سكرتير التحرير” هو “عتّال” المجلة او الصحيفة، ويوصف عادة بأنه رئيس تحرير سيء الحظ!

تدّخل الدكتور عبد الله الطبّاع، بظرفه وكياسته، وكان قد سمع جزءا مما يدور بيننا، وقال لي بلهجة وقورة: يا ولدي ان مهمات سكرتيرية التحرير ستجعلك الرجل الثاني في المجلة بعد وليد عوض! وحبكت النكتة: ستكون مثل عبد السلام جلود!! وانخرطوا جميعا في نوبة ضحك! لم أكن قد سمعت بعبد السلام جلود! كان صاحب لقب “الرجل الثاني” في ليبيا بعد معمّر القذّافي…

 

= لقد تعلّمت في “المطبخ”، خلال 11 شهرا، كلّ ما أعرفه اليوم عن هذه المهنة. كانت مهماتي الجديدة تتقاطع مع رئاسة التحرير ومع المحررين ومع المخرج الفني والمنفذّين ومع أقسام الأرشيف والتنضيد والتصحيح والمونتاج، وصولا الى المطبعة.

كانت المهنة لا تزال تتصل بموروث عمره لا يقلّ عن نصف قرن من التقنيات والأساليب التي يصّح وصفها باليدوية، مقارنة بما طرأ عليها بعد سنوات قلائل من تحديث نقلها الى طور العصر التكنولوجي! لقد اختصر الكمبيوتر الكثير من الوقت والكثير من التعب، لكنه أخذ بالمقابل سحر “المطبخ” والمهارات التي يمكن أن يكتسبها صحافي ناشىء اذا أتيح له حظ البدء من “المطبخ”.

اليوم، أدرك كم أنا مدين لتلك المرحلة المبكرة في حياتي المهنية. لقد تعلّمت من وليد عوض كل شيء. فن العناوين، الرئيسي منها والفرعي والداخلي. فن المقدّمة وفن الأستهلال وفن “القفلة”. تعلّمت منه كيف نحوّل موضوعا باردا الى مادة صحافية ساخنة، وكيف نرمّم الورق المليء بالأخاديد والحفر ونجعل منه بنية متماسكة، وكيف نصنع الأثارة بدون ابتذال وبدون انزلاق الى سقوط مهني قد يكسبنا لمعة عابرة، لكننا سنخسر حتما الوزن والقيمة.

 

= عندما أبلغني “الأستاذ” أنه قرر السفر الى المملكة العربية السعودية لفترة قد تستمر أكثر من أسبوع، لم أفهم ما الذي يريد قوله!

كان هادئا ومرحا في ذاك الصباح التشريني، وأكمل شارحا: هذه أول رحلة لي خارج لبنان منذ تأسيس “الأفكار”! (وايضا لم أفهم)!

في النهاية قال لي ضاحكا: يا شيخ…ستكون المسؤول عن صدور العدد الجديد في غيابي، وكذلك عن التحضير للعدد الذي يليه، ريثما أعود.

وهكذا، بعد أن سلّمني وليد عوض مفاتيح اللعبة في “المطبخ”، قرر أن يسلّمني “أسرار” رئاسة التحرير. كان ذلك يعني ثقة كاملة من رجل يتابع كل صغيرة وكبيرة في مجلته، ويعمل بمعدّل 18 ساعة في اليوم، ويشرف بنفسه على كل الأبواب والزوايا، ويكتب في السياسة والأقتصاد والفن والثقافة، وصولا الى صفحات المجتمع والتسلية والأبراج.

أنجزت المهمة. صدر العدد في موعده، وبدأنا التحضير للعدد التالي. ورجع “الأستاذ” من سفره في وقت متأخر من النهار، واستدعانا بشكل طارىء الى اجتماع ليلي في منزله في منطقة المزرعة.

لماذا هذا الأجتماع الغريب؟ وما هو الحدث الجلل الذي دفع وليد عوض الى جلبنا من بيوتنا في ظلّ حالة منع التجوّل بعد الثامنة ليلا في كل مناطق بيروت الكبرى؟!

= استقبلنا وليد عوض بمجاملات سريعة، وألقى قنبلته في وجهي من دون أن ينظر اليّ: ما هذا العدد؟ هل تخططون لأقفال المجلة؟ كيف تفعلون بي ذلك؟!

ولم ينطق أحد! وتابع “الأستاذ” موجّها حديثه اليّ بشكل حصري: طلال باشا…كيف تنشر مثل هذا الموضوع الذي كتبته جوليا جابر؟ هل كنت متلهفا لملء الصفحات وأتتك “البيبرونة” فتلقفتها من دون تفكير؟!

تمنّيت لحظتها أن تنشق الأرض وتبلعني! وتوقعت أن تصهل القهقهات في الصالون! لكن الزملاء (ما أروعهم) لم يضحكوا، بل ازدادوا وجوما. والقى جوزف بدوي ببضع كلمات كافية لردع العاصفة: كلّنا مسؤولون عن العدد أستاذ وليد وليس طلال وحده…

كان موضوع جوليا يتضمن معلومات دقيقة، بالأسماء والأرقام، عن الأستثمارات العقارية لعرب الخليج في مدينة ماربيا الأسبانية، بحيث يشكل المال الخليجي نسبة 60 بالمئة من مجمل النهضة العمرانية التي تشهدها المدينة الأسبانية السياحية التي كانت مقصد أثرياء العالم! ولا أنكر أنني وضعت عنوانا للموضوع أراه اليوم كاريكاتوريا: الفتح العربي الأقتصادي يزحف الى اوروبا…

لكن المعلومة التي أوردتها جوليا بسطرين، والتي أدت الى “خراب البصرة”، كانت عن امتلاك الأمير سلمان (كان آنذاك أمير الرياض) لشارع كامل في ماربيا أطلق عليه اسم “شارع الرياض”! وأخبرنا وليد عوض بدراماتيكية أنه استلم نسخة من العدد وهو في طريقه الى موعد مع الأمير سلمان…وختم: لقد خربتم بيتي!!

أثناء هبوطنا في “الأسانسور” من الطابق الثامن، أطلق الدكتور الطبّاع أول ضحكة: ألم أقل لك أنك الرجل الثاني؟ ما حصل معك الآن هو ما يحصل مع كلّ رجل ثان في أي مكان في العالم! أشكر ربك أن وليد عوض ليس معمّر القذّافي وأنك لست عبد السلام جلود…

جوزف علّق بهدوء: الغريب هو أن وليد عوض تقصّد أن يقيم هذه الحفلة لطلال بحضور الجمهور…كنّا نحن الجمهور!

غسان تساءل: الم تلاحظوا أن جوليا جابر ليست مدعوة الى الأجتماع؟!

حرص الدكتور الطبّاع أن يوصلني الى بيتي بسيارته. قال لي خلال الطريق: أجزم أنك اتخذت القرار بعدم العودة غدا الى المجلة! لكنك “غلطان”! وليد عوض لن يتخلّى عنك بسهولة! اسمع يا طلال… ربما ما سمعناه هو الحقيقة وربما نصفها وربما لا شيىء منها…ولكن تأكّد أن ما حصل ناتج عن خوف وليد عوض من نجاحك المذهل والسريع. لقد خشي أن تخرج عن سيطرته واغتنم أول فرصة لكي “يأكل رأسك”! انه في حقيقة الأمر معجب بك وعارف انك ستكبر في المهنة في وقت قياسي!

 

= غادرت “الأفكار” بعد سنة واحدة فقط!

حتى اللحظة، لا أعرف كيف اتخذت ذاك القرار! كلّ ما أعرفه أنني كنت في الحادية والعشرين من عمري…أي في العمر الذي تكون فيه كلّ القرارات سهلة!

لقد أتاح لي وليد عوض فرصا استثنائية، ونجاحات استثنائية، وكان يدرك أنني لن ألبث أن أذهب بشجاعة وثقة الى أقداري الجديدة.

نقل لي يوما سائقه الخاص رامز، حديثا دار في السيارة بينه وبين صديقه رجل الأعمال واصف فتّال الذي سأله ببساطة: “كيف رضاك على الشتوي؟”، فأجابه “الأستاذ”: “خطير! موهوب وابن مهنة! بعد 8 سنوات، على الأكثر، ستكون له مطبوعته الخاصة”!

هل كان وليد عوض يضرب في الرمل؟!

لقد أسّست، مع زياد غالب، بعد 8 سنوات على هذا الكلام، مجلة “مرايا المدينة”… وتذكّرت يومها “نبوءة” أستاذي الأول.

= أستطيع القول أنني حظيت بشهرة غير متوقعة، خلال سنة “الأفكار”. صار لي قرّاء، وصار لي “اسم”! ووصلت رسائل الى المجلة تسأل: هل طلال شتوي شخص حقيقي؟!

كانت صوري في الحوارات المهمة، أو تلك التي تنشر في الصفحات الأخيرة التي أكتبها، تثير الدهشة: انه “ولد”! وقد وصلت رسالة بهذا المعنى، تولّى وليد عوض الرد عليها في أحد الأعداد، وكتب يومها: طلال شتوي تلميذ جامعة يتخصّص في الصحافة، وهو قد بلغ سن الرشد!!

أجريت خلال تلك السنة عشرات اللقاءات والتحقيقات. قابلت معظم رجال السياسة في لبنان آنذاك، والعديد من الأدباء والشعراء والفنانين. تعرّفت الى “بيروت” من ناسها ونجومها وصنّاع الحدث فيها. بل ذهبت ايضا في مهمتين صحافيتين الى دمشق، وشاهدت عن كثب “المنتدى” السياسي اللبناني الذي اتخذ مقرا له، لعقدين من الزمن، في فندق “الشيراتون” في العاصمة السورية، حيث كان بوسع الصحافي أن يلتقي في “اللوبي”، وزراء ونوابا ورؤساء أحزاب وشخصيات سياسية واعلامية، فضلا عن طامحين وهواة ومتطفلين، من كلّ المشارب والأتجاهات.

= أحببت شخصية وليد عوض. لقد نجحت في التسلل الى وجهه الآخر الذي لم يكتشفه معظم الزملاء، لأن “الأستاذ” كان يحرص على ادارة العمل بصرامة لا تخلو من القسوة أحيانا! في الحقيقة، كان يخفي ظرفا ساحرا، يحب النكتة ويجيد صنعها، وحين يمسك زمام الحكي فأنه يروي بمهارة تحبس أنفاس المستمعين. قال لي مرّة: الكاتب الذي لا يمتلك شجاعة التعرّي لن يصل الى الجمهور! الكتابة “ستريبتيز”!

= ذات يوم، خلال الأجتماع الأسبوعي لأسرة التحرير، روى لنا أن لديه معلومات دقيقة عن وجود بيت دعارة في شارع الحمرا، تديره امرأة تدعى “أفكار”، ويقصده وجهاء وأثرياء وربما سياسيون، وطبعا يتمتع بحمايات أصحاب النفوذ!

فاجأنا وليد عوض عندما اقترح أن تجري المجلة تحقيقا تحت عنوان ” الأفكار تفضح مدام أفكار”! وصدمني صدمة العمر حين كشف عن خطته المبيّتة: طبعا، الزميلات لا يصلحن لهذه المهمة، وكذلك الزملاء المتزوجون لا يجوز أن نحرجهم أمام زوجاتهم! لا يوجد سوى طلال لكي يلعب دور الزبون ويعود بتحقيق تقوم له بيروت ولا تقعد!

لم أصدّق ما سمعته! تابع من قبيل الأغراء: يا شيخ، ستدخل التاريخ!! وارتسمت الأبتسامات على وجوه الزملاء، قبل أن ينخرطوا في ضحك متصل وهم يسمعونني أصرخ: ابدا!! لا أستطيع يا أستاذ! أبي سيشنقني لو فعلت ذلك…

= في أيلول 1984، وقبل أن أذهب الى اجازتي السنوية القصيرة، للتحضير لأمتحانات السنة الثانية في كلية الأعلام، أبلغت “الأستاذ” أنني غير عائد الى “الأفكار”! لقد ارتبطت مع “الحسناء”…

ربما اعتقد وليد عوض أنني أناور!

سأكتشف في نفسي، منذ تلك اللحظة، أنني بارع في المناورة، لكنني لا أحبّها! لم أكن أناور…

في البدء، حذّرني بأنني أخاطر بمستقبلي الواعد في الصحافة السياسية، في حال اتجهت الى الصحافة الأجتماعية والفنية. وأضاف ساخرا: تريد أن تشتغل في مجلات “النسوان”؟ أنت هنا مشروع صحافي سياسي يحاور رؤساء دول وزعماء! هل جننت يا طلال؟!

وفي محاولة ثانية لردعي، عرض عليّ أن يضاعف لي راتبي، بغض النظر عن الرقم الذي سأتقاضاه في “الحسناء”.

وكانت المحاولة الأخيرة عندما دعاني الى الغداء في مطعم فاخر في “الروشة”. كان يشعر بأنه سيخسرني قبل الأوان! قال لي أنه يمتلك ترخيص مجلة اجتماعية اسمها “المشاهير”، وأنني سأكون رئيس تحريرها، و:”سنكمّل بعضنا يا طلال! تساعدني في “الأفكار” وأساعدك في “المشاهير”…ونصنع معا ما لا يمكن أن يصنعه سوانا”!

كان جوابي الوحيد: أنا لا أفعل الآن يا أستاذ وليد الا ما فعلته أنت في بداياتك، فعندما عرض عليك أن تكون الرجل الأول، لم تتردد في ترك موقع الرجل الثاني! اني أحبّ “الأفكار” وأحبّك وأحبّ الزملاء وأحبّ نجاحي السريع على يديك… ولكنني لا أستطيع أن أرفض الذهاب الى مغامرة التحدّي الكبير المعروض عليّ: رئيس تحرير أعرق وأشهر مجلة اجتماعية في لبنان والعالم العربي. مجلة عمرها أكثر من 60 سنة، سبقني الى رئاسة تحريرها عمالقة من عيار سعيد عقل وأنسي الحاج ونبيل خوري وسواهم من الأسماء الذهبية في الصحافة والأدب.

فوجئت بعد أيام بأتصال تأنيب من نقيب الصحافة محمد البعلبكي، الذي ربطتني به صداقة ودودة مما يمكن أن ينشأ بين صحافي شاب ونقيب الصحافة. قال لي: ما هذا يا طلال؟ ماذا فعلت بوليد عوض؟ لقد تعب عليك وعلّمك وقدّمك الى الناس، وله عليك حق الأستاذ على تلميذه!

شرحت للنقيب تفاصيل ما جرى معي، وقلت له أنني لم ولن أكون يوما الا تلميذ وليد عوض، لكنني راغب بخوض تجربتي الجديدة، بالرغم من كلّ المخاطر! وفهم النقيب. وضحك. قال لي: انه يحبّك لدرجة الغضب والغيظ، وهو يسمّيك “طلال حسنين هيكل”!

ما أجمل وليد عوض…

*مقاطع من كتاب “بعدك على بالي”

مقالات ذات صلة