جهاد أيوب ل ” الانتشار “: كل موروثنا السياسي والديني والاجتماعي والإعلامي مشوه زرع فينا الفتن!

# لا أزال أبحث عن الاستقرار وعن لعبتي والوطن مع إني لا أخاف الجديد

# الأخطر أننا كجمعات مقتنعين بأننا مقتنيات الزعيم ومن أغنامه

# أرفض التاريخ بما وصلنا وأطالب بإعادة قراءته بموضوعية

# الإعلام حرامي والإعلامي ضحيته ونحن اليوم نعيش الإفلاس الإعلامي

# نحن أمة فراغات الوجود ونذبح بارقة الأمل فينا!

# علاقاتنا أزمات مخابراتية نتلصلص على بعضنا عبر “الواتس أب” و” الفيس بوك” ونشمت!

# حياتنا فوضى الجحيم و لا نوافذ مشرقة من حولها رغم تباعد الجدران والجيران

# أرواحنا متكسرة وإيماننا استعراضات العبودية وننتمي إلى ثقافة العبيد

# الشعر أهم من النثر ولكن النثر أخطر في الصوت وهذا ما لم يعد يدركه العرب!

# المثقف يعيش الانفصام وحضوره في قمامة الزعيم والقبيلة وصراعه مع رجال الدين والوظيفة

# المثقف العربي دمية من غير تأثير وكذبة من غير افتعال وثرثرات من غير الصوت


هو اليوم كما اخبرني يرغب بالصراخ، ويعتبر الاحداث الآخيرة عذبته، اراد البوح، واللطم، والكلام … وكان لبوحه صفحات!

يعيش البحث دائماً، يغامر في قول الأمور كما هي، لا يوارب، ولا يجامل على حساب الحقيقة، وفي كل مرة التقيه يدهشني بما توصل إليه في بوح الحقائق، والأجمل قدرته على تطور أدواته وبوحه، وصدق مفرداته.

دائماً لديه الجديد، ومنذ شهور صدرت له رواية ” الحقد الطائش” رواية قلقة واضحة شامخة في بناء مجتمع وطن، وأيضاً يقدم برنامجاً تكريمياً ناجحاً ومنافساً رغم انه في تلفزيون لبنان، ويستعد لإصدار رواية ” زائرة الفجر”، وديوان شعر ونثر يهديه إلى والدته عن دار أحمد بحسون…وفي هذا الحوار فتحنا لغة فلسفية مباشرة من أجل أن نعيد دور المثقف والإعلامي المسؤول…هو جهاد أيوب صديق وزميل وفي، تشكيلي مختلف، ناقد يحسب له الحساب، صحفي ذات بصمة، وروائي وشاعر وناثر صافع…والأهم حتى الآن لم يفقد الطفل الموجود بداخله، والذي يعرف كيف يتعامل معه…حوار فيه صراحة ووضوح وثقة لم نعد نتلمسها من غيره:

* مبارك اصداراتك الجديدة، السؤال يفرض نفسه هل من قارئ؟

– ” بعد ضحكة عالية” القارئ موجود، ولكن اختلفت الوسيلة، علينا اليوم أن نسأل، هل يوجد كاتب، وهل القارئ يثق بالكاتب، وهل لهذا الكاتب المثقف الدور التغييري…هنا المشكلة، وهنا القضية؟!

لم يعد للمثقف العربي أي دور في استخدام دوره، هو مجرد حضور باهت، حتى هذا البهتان مغرق بالتلاشي، نحن نعيش على أمجاد الماضي الذي انتقدوه وحاربوه، فقط نذكر الماضي للدلالة أننا نقرأ!

الكتاب اليوم أصبح صفحة في التواصل الاجتماعي، وبمجرد ما أن يرمي أحد الخبثاء فضيحة في خبرية حول الكاتب يصبح كتابه أكثر تداولاً وجدلية، ويطلب من دور النشر…الفضيحة في العالم العربي نجاحاً وثقافة!

في كتبي أجد القارئ المتابع دائماً، أنا أكتب عكس السائد، عندي قضية، وبحث، وصوت، ولغتي رغم انها مباشرة لكنها تعتمد على التبسيط، والأسلوب المعاصر، بحث لا انشائيات فيه، ولا شروحات كما لو استخف بعقل القارئ، ولا نظريات بالية…اكتب الواقع بتكثيف أحداثه، وبما يتولد من مصائبه، وبأسلوب يجعلك تشعرين بأن القضية بإشكاليتها وابطالها امامك…وهذا ما يميز كتبي وشخصيتي الأدبية!

* منذ متى نفتقد الصوت؟

– منذ أن سمحنا لغيرنا أن يفكر عنا، ومنذ أن بنينا مجسمات من تمر لنواطير الدين كي يوصلونا بالله، منذ أن زينا الباطل وحضناه بحجة الحفاظ على مكاسبنا في الزعامة والسلطة والوظيفة، وجدلية الكذبة في المكاسب الطائفية، منذ أن تنازلنا عن حقوقنا وأجلناها بحجة كذبة العيش المشترك والانفتاح الأعوج والأهوج، ومنذ أن خلعنا عقولنا، وارتدينا عقول “الهامبرغر “وأخذنا نقلد غيرنا…منذ أن ارتضينا أننا نفتقد الإنسان فينا، منذ أن تركنا ساحات الدبكة، وقررنا ان نغني الميجانا في حرم الديسكو، منذ أن عبدنا زعامات طائفية اقطاعية!

نحن أمة كل ما فيها أصبح خواء الضجيج، والعزاء الدائم، والعواء الفاجر خارج الزمن، كل من حولنا يصارخ، ينظر، يفلسف أتفه الأمور، ويجادل بلون المطر…نحن أمة لم تعد تؤمن بأن” الحياة وقفة عز”، ومن يؤمن بذلك وجب قطع رزقه، ومحاربته، ومطالبته ببلوغ سن الرشد، لا بل تتكالب من حوله براثيم أبناء العم والمال وألهم والخال والجار والمجرور!

* أين القصيدة والرواية والقصة والصوت من كل ذلك؟

– الرواية حاضرة وهذا زمنها، ولكن أين الراوي، أين ابن الأرض الذي يشتّم رائحة التراب في أول سقوط المطر، فرصة تضيع من زمن الرواية العربية إلا نادراً، والقصة لم تكتب بعد، بل مسكونة بالتنظير، ومسجونة بالتجريب غير الموجود، وما بعد كذبة المعاصرة، والقصيدة هجرت الشعر مع إن كل العرب على صفحات السوشال ميديا والفضائيات شعراء، يكتبون الشعر بفوضوية حالتهم، الشعر العربي عجوز يعيش الهذيان والخرف وفقدان الذاكرة، والنثر مجرد حالة انفعالية مرحلية…الشعر أهم من النثر، ولكن النثر أخطر في الصوت، وهذا ما لم يعد يدركه العرب!

والصوت لم يعد هنا ولا هناء، ولم يعد يستخدم…صوت المثقف العربي في حالة مضاجعة على سرير النظام السياسي والطائفي!

* كيف تقرأ النظام العربي اليوم كمثقف؟

– كلمة ” مثقف” اليوم اتهام، حالة من الانعزالية الفكرية والاجتماعية، صاحبها يعيش الفوقية، لذلك ارفضها، وأحاول أن أستعين عنها بكلمة ” كاتب، ناقد “، لربما استرجعنا ذات فجر قيمة ودور المثقف…نعم استطاع النظام العربي تشويه دور المثقف بإرادة المثقف، ذاك الرافض، والباحث، والمنتفض تم تغييبه، واستعانوا عنه بفراغات الثقافة والسن مثرثرة في برامج ساذجة ومنتشرة، نعم نجحت هذه السياسة المنظمة في إعلام النظام العربي خاصة فضائياً، ولكن إلى حين…إلى أن تعاود الشمس شروقها في قلوبنا وأفكارنا!

* وهل النظام العربي اليوم يعيش خارج زمانه؟

النظام العربي اليوم من غير هوية، ولا يؤمن بالزمن، هو مجرد تراكمات للفراغات، أسير ما يطلب منه غربياً، هو كرسي مستأجرة من نظام غربي يحدد خطواته وما يتفوه به، من غير المسموح له أن يفكر لمصلحة شعوبه، هو أجير الوجود، وبحنكة مشغليه وضع يده على الإعلام، التربية، والمثقف …وحصل ما حصل!

النظام العربي الحالي طُلب منه اضعاف كل ما يملك حتى جيوشه أصبحت حواجز بين المتظاهرين، ولتنظيف نفايات اوساخ الساسة في المدينة، وبالطبع الغاية عدم تمكن هذا الجيش من قتال المغتصب الصهيوني، وعدم استرجاع ما سابه السياسي، وسلب من أرضه…المقاومة واستراتيجية التربية والعلم هي الحل، والنظام العربي الحالي مطلوب منه تشويه و تدمير وتقتيل كل براعم المقاومة، وتفعيل سموم الحرب عليها، لذلك يوجد جيوش إلكترونية وادعياء الثقافة والفهم ومرتزقة الإعلام من أجل زرع جرائمهم في حقها، ونجحت للأسف في الشارع العربي إلا ما تيسر!

أناس هذا الزمن

* الناس اليوم لم تعد تجتمع، منذ زمن لم يشاهدوا نظراتهم…لماذا ؟

– نعتقد أن التواصل الاجتماعي المعاصر ( واتس أب وفيس بوك) قرب المسافات، وفي الحقيقة جمد الروح، وسجن النفس في جهاز جامد، أشعرنا أننا نجتمع مع إننا نفترق في كل دقيقة ونحن نجلس في غرفة واحدة، وعلى أريكة واحدة…مشكلتنا أننا ننظُر ولا نرى، ونتحدث ولا نسمع، ونأمل بحياة أفضل ولا نشبع، ونأكل بسرعة من طعام ليس منا، ونذهب ولا نعود وإن عدنا نرفع أصواتنا ولا نتحاور، ونكمش العالم بيد وباليد الأخرى نكنس العاصفة والعاطفة وكل الثرثرات التي قيل إنها حوارات ورميت في زوايا كل الأزمنة!

* وماذا تغير فينا؟

– تغير فينا أننا لم نعد قلقين، ولا باحثين، ولا مجانين…نحن لم نعد نحن…نعتقد أننا عقلاء في زحمة الحياة المتغيرة بتكاليف تكالب التطور السريع، وما أن نختلي نصبح خارج العقلانية، وننشغل بخلع الأقنعة…كل لحظة نرتدي الاقنعة وفي كل لحظة نخلعها!

* وماذا عن علاقاتنا المعاصرة؟

‘ علاقاتنا أزمات مخابراتية، نتلصلص على بعضنا عبر “الواتس أب” و”الفيس بوك”، ونشمت، ونزرع فوضى في حضورنا رغم سرقة المعلومات بحجة المعرفة…نحن لم نعد نشعر بالألم المفروض علينا بسبب عملية العصر!

في الخاص

* من هو جهاد أيوب اليوم؟

– من الغباء أن أقول جهاد أيوب اليوم كما كان بالأمس، التجربة تغيرت وأصبحت انضج، والظروف مختلفة، كل ما هو من حولنا اختلف كلياً الطبيعة والفاكهة والعاب الاطفال وأشكال واذواق الناس والغناء والرقص والرسم والموسيقى…انا تأقلمت ولا اخاف الجديد لا بل اواجهه، أنا لا ازال ذاك الطفل الذي يبحث عن لعبته، وعن الاستقرار، وللأسف عن وطن!

جهاد لا يزال يمتلك الطيب والوضوح والصراحة مع بعض التحفظ، اليوم لا أعطي رأياً إلا إذا طلب مني!

* أين وجدت نفسك إعلامياً بعد أن عملت في عدة مجالات إعلامية؟

– الإعلام كله واحد، وهذا المجال يوصل إلى ذاك، المهم الموهبة، نعم الإعلام موهبة، المهم انت تكتشفها قبل غيرك، ولكن أنا حاولت التفوق والمغامرة واعتقد نجحت، اكتب الرأي بمختلف أنواعه السياسي والاجتماعي والفكري، واكتب النقد وهذا الاصعب رغم أن بعضهم يعتقده سهلاً خاصة حينما يتعاملوا معه من خلف الشتائم، وامارس العمل الإداري في تجهيز الصحيفة المجلة بتفوق كما قالوا لي عن تجربتي الخليجية واللبنانية والسورية، والأهم اقوم بإعداد برامجي، واٌدرس ذلك في المعهد الدولي …يعني أنا مجموعة فروع إعلامية في شخصي، وهذا يتطلب الجهود الصعبة والسهر، والقلق والمتابعة والعلم وأيضاً التنازل عن معادلات، وواجبات العائلة…الإعلام حرامي، والإعلامي ضحية هذا الحرامي، وأن تنجح في هذا الزمن يعني هنا الصعوبة وبيت القصيد رغم أن الشهرة سهلة في هذه الايام لكون اصحابها تجار شهوات، وكلما تنازلنا فقدنا الإعلام فينا، وغالبية إعلام اليوم تنازلات مقرفة…نحن صنعنا نجاحنا بتعب الصبر، وجهود مضنية، وتعلمنا من الكبار…لا كبار في إعلام اليوم!

التسول والإعلام

* ما تحديات إعلام اليوم، وهل اختلف عن الماضي؟

– نعم إعلام اليوم يختلف عن الأمس، ووجب القول لكل زمان إعلامه، ولكن للأيام شخصيات إعلامية هي المدماك والأساس والمستقبل، اليوم نعيش الفوضى، وهنا التحدي الكبير، والسبب ان تجار المال والسياسة المشبوهة وليست السياسة الوطنية يتحكمون في الإعلام والإعلامي، وهذا أفرز متطفلين ومفلسين إعلامياً واخلاقياً!

ولا ننسى سهولة أن يصبح الغبي والجاهل إعلامياً بحجة ” شغلوه بالإعلام فلم نجد له وظيفة”، وبحجة المواقع الالكترونية المنتشرة كالنمل، وبغالبيتها لا علاقة لها بالإعلام، وأصحابها تجار مواقف وحرامية أخبار غيرهم…يجب أن ينظم ولا تعطى الرخص إلا لمن يفقه بألف باء صحافة المواقع، وهذا هو التحدي الإعلامي الجديد!

* وماذا عن الصحافة الورقية، هل هي متجهة إلى مثواها الأخير؟

– ليست المشكلة بالصحافة الورقية بل ببعض أصحابها، وببعض العاملين فيها… يسوقونها بأموال سياسية ومصالح خارجية، ولا يصرفون على تطويرها بل يبنون القصور لأولادهم أو يلعبون القمار وما شابه، وغالبية العاملين فيها حتى الآن لم يتصالحوا مع تكنولوجيا إعلام العصر، يعملون يكتبون يتحدثون من خلال عقلية قديمة سبقها الزمن…وهنا أشير إلى أن المعلن العربي حتى اللحظة يفضل الإعلان الورقي أكثر، لذلك علينا إعادة تغيير نمطية التواصل وكيفية كتابة الخبر والموضوع، واللقاءت خارج المجاملات، وكتابة الخبر السريع والعمودي خارج النص الانشائي، والنزول إلى الشارع والتحقيقات الواقعية، والاهتمام بالصورة والعناوين ونظافة الورق، وعدم سرقة الأخبار من السوشال ميديا والفضائيات، اجعل خبرك صادقاً و ملكك وليس سبقاً على حساب أعراض الناس والوطن…هذا ينقذ الصحافة الورقية قبل فوات الخسارة…إنها تتجه إلى الأفول!

* أين تضع إعلام لبنان اليوم؟

– الإعلام مسؤولية، ونحن لم يعد لدينا إعلاماً مسؤولاً، بغالبية ما يخرج من لبنان إعلامياً خاصة الفضائي منه هو نوافذ مباعة للغرباء، وأبواق طائفية تفرح كلما زاد الجهل فينا، وتلعب الكورة العنصرية، والكره في المجتمع والوطن…إعلام لبنان لم يعد منافساً، والإغراءات التي كانت تمارس حول الجمال الشكلي والشهوات الجنسية والغرائز لم تعد مجدية…الآخر أصبح لدية إعلامه المتطور وثقافته، وسياسته، ومشاريعه، وأدلج مواطنه حتى سجنه بالرفاهية، ونحن يعيش أغلب إعلامنا على التسول، والشطارة في هدم الوطن من أجل سياسات خارجية تمتلك المال… نحن لدينا بارقة واحدة وهي الحرية، وحينما نفهم أن الحرية ليست انفلاشية بل هي قيد ومسؤولية عندها يعاد الوهج إلى الإعلام اللبناني، لدينا مواهب إعلامية رائعة ينقصها الفرص والعمل باحترام وليس تسولاً!

حياتنا

* كيف تقرأ حياتنا اليوم؟

– حياتنا فوضى الجحيم، لا نوافذ مشرقة من حولها رغم تباعد الجدران والجيران، حياتنا مرسومة من قبل الخارج، ونلعب في فراغاتها مبتسمين، وننفذ قراراتها جامحين إلى قتل بعضنا، ومشاهدة دماء اهلنا…

نحن أمة تعيش فراغات الوجود، وكلما ظهرت بيننا بارقة أمل نعمل على ذبحها، وتخوينها، وجلدها، وكلما انتصرنا يندس بيننا من هو يقول شقيقنا ليشوه أنتصارنا بهزيمة يشربها ويسكن فيها وقد يكون متزوجها !

* وكيف ذلك؟

– مجرد نظرة عابرة على بلادنا، شعوبنا، كتبنا، بسهولة نجد انفصام أطفالنا وتلاميذ مدارسنا، وجهل طلاب جامعاتنا، وتجاهل جامعاتنا لدورها في حراك يزرع الحوار، إلى فشل دور الأحزاب، وانغماس رجال الدين في شهوة الدنيا والشهرة، وشبابنا يعشق العضلات، والنجومية رغم فراغات الموهبة، وإصرار الزعامات بتكريس سياسة الغنم والفساد، وتناول طعامنا ونحن ننظر بطعام جارنا، ونحسد غيرنا دون عمل فعل الحركة، والأخطر أننا كجمعات مقتنعين بأننا مقتنيات الزعيم ومن أغنامه …

* هل لدينا علاجات؟

– لا علاجات في المرحلة الراهنة، ولا معالجات في كل أمورنا بل اجتهادات في كيفية أن نصبح مادة مفعول به، يحركها الجاهل الذي جعلناه زعيمنا ومحورنا ومُحرمنا، ويقرر عنا… نحن اجتياحات لنحن وننتمي إلى ثقافات العبيد!

* وهل هذه النهاية المخجلة؟

– هذا هو نفق الفوضى الوجودية، نحن الصدام الدائم دون هدف، لم نعد نعرف العفوية بل قوتنا بالشتم والتحريض على بعضنا حتى غدت أرواحنا متكسرة، كل هذا جعل منا عبيداً، وسُجنا في إيماننا الاستعراضي بالعبودية…نحن اليوم قوة في فراغ الحضور، ولا نشبع من استهداف بعضنا، والناجح منا، وإذا رأينا حقنا الطبيعي في المقاومة يرغب الكثير منا بقتل من هو مقاوم، ويتصدون له، ويجعلونه خائناً لكونه فكر في تحريرهم!

نحن!!

* من نحن في نظر جهاد أيوب الناقد والتشكيلي والأديب والصحافي والمحاور المشاكس؟

– منذ الولادة نخوض تجربة الفشل على صعيد بناء رأي عام وبناء مجتمع متماسك…نحن لا نزال قبائل تدعي الثقافة، وثقافتنا ثقافة العبيد واتعمد تكرار هذا، وثقافتنا لا تعرف من الثقافة غير الشعر الغزلي المكرر، والجمل البالية والافتراضية، والشعر الهيجائي المنتمي إلى التحقير والهبل الكلامي…نحن مجتمع فيه مجتمعات لا تلتقي إلا على الشر، ولا تفاخر بفجور إلا بالفكر التكفيري واللاغي، نحن قبائل في طوائف تدعي الدين والحق…نحن شعوب تتلون كي تدخل بلوحة تحت لواء الوطن، وبسرعة تعود إلى قبائلها حيث تنتظر بعضها على مفارق القتل بحجة الإلغاء، وبدعم من ونواطير الدين!

* ايعقل كل هذا الزمن المتغير ولم نتغير؟

– من غرائب الوجود تقوقع العرب في خانة الماضي، وتقوقع المسلم في “كان”، ويتحدثون عن الكتب ولا يفعلون، ورحماء على العدو وأشداء على بعضهم، وغالبية مساجدهم حزبية للتفرقة!

وتقوقع المسيحي في ماض لم يعد له وجود، ويصر أن يضمر عكس ما يقول، ويفعل عكس ما في الكتاب، والكنيسة لم تعد تؤمن بمساعدة وتنوير الرعية.

والمثقف فينا يعيش إزدواجيات لا يعرف فعل قيمة ما يكتب، هو أول المهزومين في داخله، لذلك الكتابة عند العرب مهرباً من الواقع وليست فعلاً للتغيير، الكتابة عند العرب ضباباً لعدم فهم ما يحاصرها، وخوفاً من الذات…المثقف العربي وحيداً يغني فشله، ويكتب علاقاته الجنسية، ويقول هذه حرية!

* كأنك تحمله المسؤولية؟

– بالتأكيد…لم يعد المثقف العربي فاعلاً لكونه باع نفسه وفكره وقلمه، وارتضى أن يكون بوقاً للسلطة، لم يعد المثقف العربي حاضراً لكونه ينام في نعمة الدجل في الكذب، والكذب في المواقف، ومواقفه في البحث عن دولار لا يشبع رغبات جوعه بل يشتريه حتى التهمة والتخمة!

* كيف تختزله؟

– هو يعيش الانفصام، ويبحث عن حضوره في قمامة الزعيم والقبيلة، وجراء صراعاته مع رجال الدين والوظيفة التي سيمنحها له الحاكم الجائر، لذلك من السهولة أن يصبح عبداً وليس حراً، وحينما يفقد المثقف حريته يصبح في الكتابة مجرد حالة تثرثر ومن غير قيمة وهدف، ومن دون أن يؤثر، وهو اليوم مجرد فراغات رغم الجوائز التي ينالها من الساسة…

المثقف يتحمل تخلف تاريخنا وتواريخنا، وتخلفنا، واستمرار تشتتنا…وسماحه بمشاركة السلطة جعلت منه دمية من غير تأثير، وكذبة من غير افتعال، وثرثرات من غير الصوت، وصوت لا يسمع المظلوم، ويعيش في مستنقع الوجود، وتكملة عدد في أحضان راقصة تلعب بالنار!

الولادة

* لا بد من ولادة...

– ولاداتنا متعسرة رغم أن العلاج أمامنا، ولكننا في مأزق العيش…”دعونا ننتظر غيرنا” وهذا هو مرضنا!

* يعني نستطيع الخروج من هذا المازق؟

– بالطبع نستطيع إذا بحثنا عن ذواتنا، وحررناها من ذاتنا المشوهة بسبب أن غالبية ما لدينا من ثقافات مزورة، وفنون مشوه، وتشكيل من دون صورة، وموسيقى غوغائية، وقصيدة لم نعد نعرف إذا كانت شعراً، وطعام لا نصنعه، وطريقة زواجنا الملتبسة، وإسلوب حياتنا المغتصبة، ومدارسنا تخرج الجهلاء، وجامعاتنا تتمتع بأمية لا تعرف القراءة والكتابة والحوار والآخر، والمتعلم فينا أمي في المعرفة، وزراعتنا وزراعاتنا لا تشبهنا…أرضنا لم تعد تعرفنا، نجلب إليها البذور من أميركا وهي مشوهة في جينياتها، ونزرعها في غير موسمها… نزرع القمح فنحصد الشوك، نأكل البطيخ فنهضم الشعير… لذلك كل ما فينا لم يعد فينا، وكل ما لدينا ليس منا، ونحن لم نعد نحن، ونحن لا يعرف من نحن…!

*وماذا عن مصادرنا؟

– مصادرنا خيارات مجهولة…وخروجنا لا ينجح إلا بمقاومة أرواحنا، وبأن نبتعد عن شهواتنا، ونقرر من نحن…نحن نحتاج إلى انتفاضة وليس ثورة، نحن نخرج إذا قررنا المقاومة، وأمنا بالمقاومة…والمقاومة فيها مقاومات تنطلق من الذات إلى الاشمل!

* أفهم منك أن الثورة مؤجلة؟

– الثورة تُسرق وتزيد من الدماء، وأرضنا مشبعة من شرب الدماء بسبب الثورات المفروضة وليست جراء ما نعانيه مع إن ما نعانيه مصيبة، ثوراتنا متخمة من شرب دماء الأشقاء، فقط الحقيقة مطلوبة لكنها تؤجل، وفي التأجيل انتفاضة ذاتية، ومن ثم مقاومة مدروسة تنبع من البسطاء، وتغذي الشرفاء، وتسحر المثقف الخامل، ليصبح ذا شأن!

* ماذا نحتاج؟

– نحن نحتاج إلى ثقافة مقاومة، وفنون ثائرة بجنون يختلف عن الحماقة، نحتاج إلى مناقشة كل تاريخنا وتواريخنا، ورفض ما ليس عقلانياً وواقعياً ولا جمال فيه، لا بد من الماضي ولكن بمناقشته، وتحريره من الكذب الذي صنع الابطال الافتراضيين، وجعل من سيرة لأشخاص عاديين والظروف أوصلتهم إلى السلطة وأحياناً غير كفوئين وبسرعة ننصبهم أنبياء، وسرقنا منهم صفة الإنسان!

نحتاج إلى سيادية لقيمة الشخص فينا لا أن نشخص الوجود!

نحتاج إلى رفض التاريخ بما وصلنا وإعادة قراءته بموضوعية فكرية وسياسية دون مجاملات، وبعيداً عن العنصرية والمذهبية…تثبيت أفكارنا لا يبنى بالكذب وبتجاهل الحقائق وتزويرها… كل موروثنا مشوه، وزرعت فيه فتن بسبب الحشو الكبير من الكذب الميثاقي وتفاهمات الغدر والاغتيال، نحتاج إلى قراءة عقلانية لكل موروثنا!

* هل توضح أكثر؟

– كلامي لا يحتاج إلى وضوح لكونه أوضح من الوضوح…نحن أمة اعتمدت على كتابة تاريخها بالكذب، وحينما نرغب بقراءة تاريخنا نأتي بكتب ومصادر غربية…حينما الآخر الذي استعمرك واستعملك واحتلك يكتب تاريخك يعني أنت دخلت الأوهام والتوهان، ولن تستعيد ثقتك، التاريخ يكتبه القوي، والقوي كتب تاريخنا كما يشتهي فزوره!

وفي الدين كذبنا التاريخ والمحطات، وأدخلنا العاطفة وأهملنا الحقيقة لنصبح طوائف تكفر بعضها رغم أنها من ذات الدين، وغيرنا السير والعناوين والشخوص، وجعلنا من الحق باطلاً…هنا يجب أن نقف مطولاً، ونعيد قراءة معمقة وليس مجرد القصص المكتوبة طائفياً!

* أنت أكثر تشاؤماً؟

– أنا أكثر واقعية، وأكثر فهماً للحقيقة، وأكثر وعياً بتاريخنا، وأكثر تفهماً للفراغ الذي أصبح أمراً واقعاً لحصوله، وأكثر تفهماً لموروثنا الديني والاجتماعي المشوه، وتاريخنا المزور…ليس كل ما لدينا هكذا… فموتانا وجب محاسبتهم فكرياً خارج الحقد والعاطفة والعشق الاستحماري الجامح إلى تشويه السيرة والحكاية والعمر…نحن أمة تبالغ في كل الأشياء…أومة تؤمن بالخالق حتى التعصب، ولكنها تصنع آلهة من بشر حتى القتل!

* ماذا عن روايتك الآخيرة ” الحقد الطائش ” وجديدك الأدبي؟

– هي رواية باحثة عن وطن، وقلقة على الإنسان في الوطن، رواية اعتمدت ألإسلوب السريع في السرد وهذا ما يميزني عن غيري، ابتعد عن السرد الإنشائي الممل بل أدخل في الحدث مباشرة، ومن الحدث أصل إلى مجموعة أحداث مترابطة وصافعة.

الحقد الطائش تتحدث عن صناعة الزعيم في بلاد الشرق، وتدور في قصور أهل السلطة والنفوذ من خلال قصة حب شيقة…لا بد من القراءة.

كما أنني في صدد إصدار ديوان نثري جديد مطلع العام فيه صفحات من والدتي، وبعد شهور يصدر لي رواية ” زائرة الفجر” هي صرخة واقعية سأتحدث عنها في حينه .

* في العام الماضي تم اختيارك كأفضل ناقد في الشرق الاوسط، وهذا العام اختاروك من قبل الرابطة العالمية للإبداع والعلوم الانسانية ضمن 100 شخصية مؤثرة في العالم…نبارك لك، ونسأل كيف تم الاختيار؟

– شكراً لك، انا لا اعرف أصحاب هذه الجهود والجوائز والاختيارات، العام الماضي تم الاتصال بي وإعلامي أن المؤسسة المانحة والمتواجدة في فرنسا اختارتني بين 2000 شخصية معروفة تعمل في الشرق الاوسط، وهذا العام كانت الجائزة على مستوى العالم، هم يراقبون، لديهم شخصيات تراقب في كل العالم ونحن لا نعرفهم، يتابعون، ويضعون النقاط…كما أن البعض ارسل ملفاته ولكنه لم ينل الجائزة…حصولي على هذه الجائزة العالمية هو إثبات أن مسيرتي رغم التعب والجدية والاتزان واحترام العمل والذات والحروب وقطع الأرزاق يعني أنني كنت على حق، ومسؤوليتي الجادة فازت، وهي جائزة إلى من علمني أصول الإعلام والحرف، والتعب وأمي.

* تقدم اليوم برنامجاً ناجحاً على شاشة تلفزيون لبنان، كيف السبيل كي تعود هذه الشاشة إلى مجدها السابق؟

– سؤال في محله، برنامجي يكرم ذاكرة تكالبت عليها غالبية الفضائيات اللبنانية وشوهتها، وهو تحية لجيل صنع الوطن، والغريب رفض البرنامج من أكثر من فضائية لبنانية بحجة احياء الاموات، تلفزيون لبنان رحب دون شروط، ولم يفرض قيود أنانية، بل اشترط احترام الوطن فقط…لذلك برنامجي يحصد نسبة عالية من المتابعة، وانا قدمته بطريقة مغايرة لا فرض عضلات ثقافية وفهمية ولا ثرثرات فيه، وأصغي واحترم ضيوفي…كما أن تلفزيون لبنان لديه إمكانات النهوض والتميز، يحتاج إلى مدير عام مغامر ومجنون، يضع حداً لتدخل الزعامات السياسية الطائفية، وينطلق إلى التفوق، وبعد فشل الفضائيات اللبنانية وطنياً، وتعيش في زوايا تحقيق غايات مشبوهة، وفشل الإعلام الحزبي والطائفي تلفزيون لبنان لا يزال النافذة والانضج وطنياً رغم محاولاتهم لإغتياله كل يوم.

ع. س

مقالات ذات صلة