رحيل وليد “الأفكار” وعوض الإعلام في زمن تغيرت فيه مفاهيم الكتابة!

===كتب جهاد أيوب

وليد عوض غيبه الموت عن مملكة إعلامية مزهرة ومختلفة في حينه، وصنعها كما يشتهي ويحب وتعلم وعلم…هو من مدارس لبنان الصحافية التي غزت العالم العربي باقتدار وهدوء.

وليد عوض من مداميك التجربة الإعلامية المشرقة في وطن كان منارة للإعلام في كل الوطن العربي دون شوشرات وبهرجانات هذا الزمان…

وليد عوض تتفق معه أو لا يعنيك خطه السياسي لكنك لا تتمكن من إلغاء مكانته، وتميزه، ومهنيته، وتفوقه في صناعة دوره في إبراز ما كان يؤمن به.

مهنياً كان مؤسسة فردية تغنيك عن شركة كبيرة ومجموعة أكبر من الموظفين، يدخل مكتبه لساعات، يمنع زيارته، يقفل هاتفه، ولا يتحدث مع احد، ولا يخاطب أحد، ولا يناقش يتشاجر يحاور أحد ويطبخ مجلة مجلته “الأفكار” من الغلاف إلى الغلاف… يكتب الافتتاحية، وكل سطر في الدائرة السياسية…يطلب فنجان القهوة ولا يشربه لكونه منشغلاً بتفريغ الحوارات، يضع العناوين وكان يعتبرها الجاذبة، يذهب إلى المجتمع، والفن والرياضة والتسالي والخاتمة…وبعد ساعات ينتهي من صناعة العدد دون ثرثرات ومشاكل إدعاءات هذا الزمن القاحط!

تأخذ المجلة موقعها في دائرة الصنعة بين الإخراج والتصحيح بإشراف وليد عوض حتى تخرج إلى النور كما هو يشتهي ويريد ويرغب!

مجلة “الأفكار” رسالته تشبه تفكيره وشخصيته، لا ينشر ما لا يقتنع به في كل اقسامها، لذلك يتدخل بكل شاردة وواردة، لم يكن يؤمن بالتخصص معتبراً على الصحافي أن يفقه بكل أقسام الصحافة، يتمرس فيها، بجرب يجادل حتى يتعلم أن يكون صحافياً وليس كاتباً ومنظراً!

وليد عوض من مداميك العمل الصحفي الورقي في الوطن العربي، وليس مصنعاً أو طارئاً، أو متطفلاً من أجل حالة سياسية مع إنه واضح الجهة والخط!

وليد عوض مدرسة لكل من عمل معه في ” الأفكار” بهيبته، ومهنيته، وخصوصياته الإدارية والمالية والوظائفية والاجتماعية…لديه مفاهيمه ومفهومه وفهمه لأصول الصحافة الورقية وأنت من دخل عالمه وليس هو، لذلك تنظيراتك مرفوضة ما أن تدخل عتبة المؤسسة!

لا تعنيه الشاشة كثيراً، ولا يكترث لها، واطلالاته عبرها قليلة وحسب ما يشتهي هو وما يلائم تطلعاته، ومع ذلك يعرف عن كل البرامج والعاملين فيها، وعن المشاكل والسمسرات واسرارها وفضائحها، وما يحدث في كواليسها كأنه يعمل معهم ولا ينقطع عن معرفة كل شاردة وواردة منهم!

عرفته صغيراً، وما أن يراني يبدأ بالحديث عن اللقاء الاول الذي جمعه مع الأسطورة صباح، يومها كان هاوياً في الصحافة ورحل هاوياً، وكانت هي ما كانت من نجومية الشمس، لم تتعامل معه بغرور، بل قدمت السند وتنبأت له بالتميز والنجاح المختلف، وهذا ما حصل وما كان…ويوم رحيلها جاء معزياً حزيناً، وقال لي:” اليوم في رحيل السيدة صباح بدأنا بخسارة لبنان فعلياً…في رحيل صباح رحل نور الفن”.

ذاكرته خصبة، ومتدفقة، ورغم اختلاف الأجيال يواكب الجيل الحالي بكل تناقضاته وسلبياته، وحاول أن يكون جامعاً ولكن بعد استشهاد رفيق الحريري كل المقاييس اختلفت في لبنان، وزادت المتاريس، حاول أن يؤدي دور الاطفائي فلم يتمكن كلياً، العمر أعطاه حكمة ولكنه سرق منه الصبر على ساسة هذا الزمن العجائبي !

يقترب كثيراً من الفن بكل أنواعه، ورغم أنه مجاملاً في رأيه الفني المكتوب، لكنه خارج الكتابة يتحدث بكل صراحة!

لا يجامل في مهنية العمل الصحفي كما هو يفهم، ورغم العمر لا يعتبر كلاسيكياً لكنه يعشق النمطية القديمة، وفي جلساته التحريرية واضحاً ومباشراً ومنتقداً وحاسماً يختلف كلياً عما رأيته منذ دقائق!

وليد عوض إعلامي كبير ضمن دائرة التنوع اللبناني وليس نسخة مكررة ونمطية، هو صنع مجده بتعب وكد، وقدم تجربة مضاءة اتفقت معه أو لم تتفق…في رحيله خسرنا واحة من العمل الصحفي المهني الصح.

مقالات ذات صلة