“كلنا قَتَلَة” / العميد منير عقيقي*

تَتَابُع النكبات الذي يتوالى على لبنان، وان كان يكرس موتا معلنا لبلاد الارز والبخور، فإنما يفعل ما هو اشد وامضى بنا اذ يُشَهّر بنا بوصفنا كلنا قتلة هذا الوطن، ومن دون ان يستثني احدا. فكان ما كان يوم الرابع من آب اذ دمرت بيروت وتصدع لبنان كله.

كلنا قتلة، لأننا رددنا كالببغاوات ما قاله جبران خليل جبران ولم نستجب شيئا مما دعانا اليه. ولأننا لم نفهمه حين قال “ويل لأمة تكثر فيها المذاهب والطوائف وتخلو من الدين… وتحسب المستبد بطلا… وترى الفاتح المذل رحيما، ولا ترفع صوتها الا إذا مشت في جنازة، ولا تثور الا وعنقها بين السيف والنطع…. وتستقبل حاكمها بالتطبيل وتودعة بالصفير، وحكماؤها خرس من وقر السنين…”.

كلنا قتلة، لأننا سكتنا عن التقصير والاهمال، في كل ما له علاقة بعيشنا. ولأننا على الدوام لم نحرك ساكنا في مواجهة سرقات موصوفة، ولم ننبس ببنت شفة في وجه الفساد والرشوة في المشاريع والمناقصات.

كلنا قتلة، لأن فضيحة صمتنا عن تجارة الدواء كانت مهولة بإزاء اسعار خيالية، ولأننا لم نقف مع اصحاب الامراض المستعصية لحفظ كرامتهم وحقهم في العيش فيما هناك من يتلاعب بادويتهم للابتزاز المالي.

كُلنا قتلة، لأننا جلسنا نستمع الى ارهابيي البيئة وهم يحاضرون فينا عن السلامة البيئية، بينما آلياتهم المدمرة تنهش جبالنا الخضراء وتلوث انهارنا وتشوه جمال طبيعتنا. ولأننا ارتضينا ان تفترش بعض شطآننا بـ”الزبالة” بدلا من حبيبات الرمل الذهبية، في مقابل ان تصادر حيتان الطوائف والمال الشطآن الاخرى لاستثمارات مالية نفعية.

كلنا قتلة، لأن بعض اعلامنا صار منبرا يصدح من عليه تجار الطوائف والهويات، فيما منع المواطنون من حق الشكوى والاعتراض الا بها هو مسموح به فقط ولاغراض معروفة. ولأن البعض الآخر حل محل الدولة ومؤسساتها، فصار يتلاعب بالوقائع في ابشع حملات مهمتها التدجين والتطويع وقلب الحقائق. ولأننا محكومون بالاهواء والعصبيات سقطنا جميعا حيث أُريد لنا السقوط بلا هوادة وبلا رحمة.

كلنا قتلة، لأننا ساهمنا في القضاء على التعليم الرسمي، الذي لو تمسكنا به لحفظ لنا ثروات هائلة، كان يمكن ان توظف لضمان مستقبلنا ومستقبل اولادنا.

كلنا قتلة، لأننا ارتضينا بحكم امراء الحرب من دون ان نعقد مصارحة ومصالحة تقطع مع الماضي لتبني حاضرا جديدا نقيا لمستقبل افضل. ولأننا اعتقدنا ان طوائفنا ستنقذنا وليس مواطنيتنا. لأننا لم نفرق بين الايمان بالله وبين القتال باسمه وعلى اسمه.

كلنا قتلة، لأننا سكتنا عن ظلامية العقول التي اقتادتنا كالخرفان الى معالف الاحزاب والحركات والتيارات. ولأننا علّمنا اطفالنا الحقد على الآخر قبل ان يعرفه ويتعرف اليه. ولأننا بحثنا عن الاختلافات ولم نسع وراء المشتركات لنبني عليها آمالنا ومستقبلنا. لأننا فضلنا الزواريب والاحياء على الوطن.
كلنا قتلة، لأننا جميعاً نتناسل من ثقافة البقشيش العثماني. ولأننا جميعا سكتنا على التوظيف الحزبي ـ الطائفي بدلا من التمسك بمعايير الكفاية والجدارة. ولأن القيم والاخلاق اضمحلت، فكان من الطبيعي ان تسيطر علينا طغم سياسية ومالية.

كلنا قتلة، لأننا سكتنا عن منطق “بدنا ننتخب لنوظف الصبي حتى يتزوج”، فمن الطبيعي حينها ان تصبح ادارات الدولة ومؤسساتها مستودعات للازلام والمحاسيب وليس للكفايات والمهرة.

كلنا قتلة، لأننا بحثنا عن مستقبل وطننا في ماضيه المشبع بحروب الكراهية، ولم نبحث عن مستقبل آمن. ولأننا احببنا لبنان ومعه “دولة ما”، ولأننا في الاساس لم نبنِ دولة بل اكتفينا بالتسويات التي تعقد عليه وفيه ارضاء لخارج كثير ومتعدد.
لكل هذه الاسباب كلنا قتلة، وكلنا شركاء في نكبة الرابع من آب، يوم الهول الافظع.

 

* رئيس تحرير “مجلة الأمن العام”

* عدد ايلول ٢٠٢٠

 

مقالات ذات صلة