طلال حاطوم: الإمام الصدر اطلق المقاومة في زمن كانت فيه تهمة

اعتبر مدير عام اذاعة الرسالة الدكتور طلال حاطوم  ان الامام المغيب السيد موسى الصدر اطلق المقاومة في زمن كانت فيه تهمة، وكان المقاومون يختبئون بين الصخور حرصاً من جاسوس او مفتن يخبر عنهم.

وخلال كلمته بعنوان “القدس الشريف في فكر الامام المغيب السيد موسى الصدر” التي القاها في الندوة الفكرية عبر العالم الافتراضي الذي دعا اليها مركز حوار الاديان والثقافات في لبنان بالتعاون مع مركز الامة الواحدة للدراسات الفكرية والاستراتيجية في ايران تخليدا للذكرى السنوية 42 لتغييب الإمام الصدر بعنوان “الامام الصدر رسول التسامح والتعايش اكد ان الرئيس نبيه بري جعل من حركة أمل ومجاهديها على مختلف مستوياتهم استعدادهم الدائم للدفاع عن حدود الوطن والمجتمع لكي يبقى لبنان سيداً حراً عزيزاً كريماً.

وجاءت الكلمة كالآتي: “بداية لا بد من توجيه اسمى ايات الشكر والتقدير لمركز حوار الاديان والثقافات في لبنان، ولمركز الامة الواحدة في طهران على الجهد المبذول لتحقيق هذه الندوة الفكرية المعنونة: “القدس الشريف في فكر الامام المغيب السيد موسى الصدر”.
والشكر والتقدير موصول لهذه النخبة من المفكرين والاعلاميين من مختلف الاتجاهات على ما سيقدمونه من ابحاث وكلمات سوف تغني ولا شك هذه الندوة، وستشكل مساحة ضوء على فكر الامام الصدر في موضوع المقاومة ومجتمعها ودورها في تحرير الانسان في كل مكان.

يتفق الباحثون والكثيرون ان الامام المغيب السيد موسى الصدر قد شكل ظاهرة فريدة في ما طرحه من افكار وما انتهجه من طريق في العمل من اجل الانسان في كل مكان بغض النظر عن انتماءاته الدينية او السياسية او المناطقية، وكان نبراسه ان الحوار وسيلة تلاقٍ وان الدعوة الى الوحدة هي السبيل الى تحصين لبنان وتمكينه من مواجهة الاخطار والتحديات من اي جهة اتت.

والامام الصدر استشعر الخطر الصهيوني على لبنان وعلى المنطقة وعلى العالم الحر بأجمعه مبكراً، وجهد في الدعوة الى مواجهته بشتى الاساليب والطرق و”بالاسنان والاظافر والسلاح مهما كان متواضعا”. مشدداً على ضرورة اتخاذ كل السبل الايلة الى رد العدوان الصهيوني عن لبنان والعمل من اجل تحرير القدس الشريف التي “يأبى شرفها ان تتحرر الا على ايدي المؤمنين الشرفاء”. حتى انه اعتبر ان القضية الفلسطينية هي في صميم عقل وقلب حركة امل فذكر في ميثاقها في المبد السادس: “فلسطين، الأرض المقدسة، التي تعرضت ولم تزل لجميع أنواع الظلم، هي في صلب حركتنا وعقلها وأن السعي لتحريرها أولى واجباتنا، وأن الوقوف إلى جانب شعبها وصيانة مقاومته والتلاحم معها شرف الحركة وإيمانها، لا سيما وأن الصهيونية تشكل الخطر الفعلي والمستقبلي على لبنان وعلى القيم التي نؤمن بها وعلى الإنسانية جمعاء، وإنها ترى في لبنان بتعايش الطوائف فيه تحدياً دائماً لها ومنافساً قوياً لكيانها”.
لم يسترح الامام الصدر في دائرة الانتظار، والتنظير الفلسفي للمواجهة، بل عمل بجدٍ من اجل تحويل الواقع المستكين في لبنان الى ان “قوة لبنان في ضعفه” الى انموذج يحتذى في قيام مقولة “ان قوة لبنان في مقاومته وفي تكامل هذه المقاومة مع الشعب والجيش في بوتقة واحدة” تكون سداً منيعا في مواجهة الغطرسة الاسرائيلية التي وصلت الى حد اعتبار انه بالامكان احتلال لبنان “بفرقة موسيقية من الجيش الصهيوني”.
وانتبه الامام الصدر ان لبنان لكي يستطيع المواجهة لا بد ان تعمم فكرة مقاومة العدو الاسرائيلي، وان يتمكن كل اللبنانيين من القراءة في كتاب واحد بعيداً عن الاختلافات السياسية التي كانت تتحكم بالشعب اللبناني تبعاً لاهواء سياسييه وزعمائه الذين اتخذوا اسلوب الحرمان والاقطاع ونظام الامتيازات وتقاسم المغانم في وطن اعتبروه “مزرعة”، سبيلاً للسيطرة على الناس وارغامهم على اتباع ارائهم ورؤاهم.

المعادلة كانت صعبة:
ـ جزء من اللبنانيين لا يرون الخطر الاسرائيلي او يتعامون عنه،
ـ وجزء اخر لا يملك مقومات المواجهة، فكيف بالصمود والمقاومة؟
وكان الامام الصدر يؤمن ان انشاء المقاومة، بالصورة التي يريد لها ان تكون فيها، امر لا يستكين ولا يتم الا بإيجاد البيئة الحاضنة وتأمين مقومات وجود دائمة ومستمرة وقادرة، لذلك هو لم يألو جهداً في العمل على خطين متوازيين:
الاول: مع ما يعرفه الامام الصدر وما خبره من معايشته للناس في مختلف المناطق اللبنانية من حرمان واهمال من الدولة يستوجب اطلاق الدعوة الى محاربته وصولا الى العدالة الاجتماعية ودولة القانون والمؤسسات التي تسمح بانماء متوازن يرفع الحرمان عن المناطق في الجنوب والبقاع والضاحية وبلاد جبيل وعكار وكل الاطراف المنسية والمهملة قصداً وعن سابق تصور وتخطيط، فكان انشاء “حركة المحرومين للمطالبة بحقوق الناس، كل الناس، لانها “حركة اللبناني نحو الافضل”، كما ورد في مقدمة ميثاق حركة امل.
الثاني: لمواجهة الاطماع والاعتداءات الصهيونية لا بد من اطلاق مشروع المقاومة القادرة والفاعلة والمتمكنة التي يحتضنها الناس ويشعرون بالانتماء اليها، فكان تأسيس “افواج المقاومة اللبنانية ـ أمل”، لتكون درع حماية لبنان والسعي الى تحرير القدس، وهو اعلن عنها وعن نموذجها بعد انفجار لغم تدريب في مخيم عين البنية (البقاع) في العام 1975، وقد جاء اعلانها: “ان مطامع إسرائيل في جنوب لبنان، ما يتجاوز الحياة والأرض وإنها تريد أن توطن الفلسطينيين وتنهي قضيتهم. وهم في المقابل يحملون السلاح من أجل العودة إلى أرضهم. لذلك وجب مشاركتهم في صراعهم المسلح مع إسرائيل حتى العودة”. فوق ذلك كانت الحرب الأهلية اللبنانية قد امتدت إلى أكثر من منطقة وكان الامام الصدر يتخوف أن تمتد لتشمل كل لبنان, وبالتالي لن توفر أي طائفة.

وكانت قناعته أن الدولة أعجز من أن توفر الحماية لمواطنيها، وأن الفرقاء المتصارعين سيتقاسمون مؤسساتها في ظل الخلل الفاضح في سياستها. عمل الامام الصدر تحت هذه الظروف على الحفاظ على السرية في تأسيسه لحركة أمل، إلا أن وقوع الإنفجار في عين البنية دفعه إلى الإعلان عن ولادة الحركة.
وقد قدمها وقدم مجاهديها: بأنهم “الفوج المعاصر لثورة سيد الشهداء الامام الحسين (ع)”. وكتب يومها جريح من حركة أمل: “كونوا مؤمنين حسينيين”.

الامام الصدر في منهجية تفكيره الواقعي كان يعرف ان المقاومة ليست ترفاً، ولا قوة عسكرية فقط، ولا يمكن ان تكون محرد تنظير، بل هي تكامل وتضافر جهود بين كل ابناء الوطن، لذلك عمل باصرار على تأمين شروط قيامها برؤية ثاقبة توضح القصد منها وترسم خارطة طريق لنشوئها:
1 ـ قدرة تنظيمية مرنة تستطيع ادارة الافواج.
2 ـ مدّ بشري يرفد المقاومة بالمجاهدين المدربين والمستعدين دوماً للقيام بواجب الدفاع عن الارض والعرض والسيادة.
3 ـ عقيدة ايمانية يستلهم منها المجاهدون الايمان بالمقاومة.
4 ـ فكر ناصع قادر على ان يسكن العقول ويرسخ فيها مفهوم المقاومة بوضوح لا لبس فيه.
5 ـ قدرات عسكرية يوفرها الجمهور للمقاومين عن قناعة بأنها جدار حماية لهم في مواجهة الاطماع الصهيونية والاعتداءات المتكررة.
6 ـ  الاهم، ان تسبح المقاومة في بحر من المؤمنين بجدواها والحريصين على استمرارها وبقائها و وديموتها فيحمونها في الداخل كما تحميهم على الحدود.

وقد اصر الامام السيد موسى الصدر على تحديد الهدف بوضوح وشفافية في المؤتمر التأسيسي الاول بأن قال:”سلاح ابناء حركة أمل له وجهة واحدة: صدور جنود العدو الاسرائيلي”.
من هنا، كان تأسيس المجتمع المقاوم المبني على فكرة اساس هي: ثقافة المقاومة وتعميمها على كل الاطياف اللبنانية وعدم حصرها في الشيعة وحدهم، او في ابناء الجنوب فقط.
ومن هنا، ايضاً، سارع الامام السيد موسى الصدر الى محاولة اقناع اللبنانيين، دولة واحزاباً وطوائف، بضرورة الاسراع في بناء استراتيجية دفاعية وطنية تقوم على الاسس التالية:
1 ـ تعيين الاخطار الاسرائيلية ووحدة الرأي والموقف منها، وخصوصاً الخطر العسكري والاحتلال ومحاولة العدو الاسرائيلي تمرير وسائل تقسيم لبنان وتفتيت وحدته، واحتلال الجنوب وتصفية القضية الفلسطينية.
2 ـ تحديد دور الدولة بوصفها المسؤول الاول في الدفاع عن لبنان ووحدته وسيادته وحدوده وكرامته.
3 ـ رؤية موحدة للاطياف السياسية والاجتماعية والاهلية اللبنانية حول الخطر الاسرائيلي الشامل الذي لن يترك منطقة في لبنان دون استباحتها (وقد بان هذا الامر في الاعتداءات المتكررة وخصوصاً عدوان 1982 واحتلال بيروت، وعدوان تموز 2006 حيث لم تسلم منطقة من القصف الصهيوني من جرود البقاع الى جونية وجبيل وبيروت..).
4 ـ بناء مجتمع مقاوم كشرط من شروط التصدي للخطر الصهيوني وتداعياته، ورفض فكرة ومحاولات الكيان الاسرائيلي بمد جسور واهية ووهمية (الجدار الطيب) لمحاولة التمسكن والاحتيال على المجتمع الدولي. ومن هنا كانت فتوى الامام الصدر: “اسرائيل شر مطلق والتعامل معها حرام”، لمنع ضعفاء النفوس من ان تستغلهم اسرائيل ليشكلوا (دفرسواراً) داخل بيئة المقاومة وجمهورها.
5 ـ على الرغم من وجود المقاومة الفلسطينية، انذاك، وقيامها بعمليات عسكرية ومواجهات مع العدو الصهيوني، الا ان الامام الصدر اصرّ على تأسيس مقاومة لبنانية ضد العدو الاسرائيلي كون لبنان هو المعني بالدفاع عن ارضه.
6 ـ دعم البنى التحتية في المناطق المواجهة مباشرة للعدو الاسرائيلي لتثبيت الناس في ارضهم وتأمين مقومات الصمود لهم في اماكنهم، وتحويل القرى الى نقاط ومراكز احتضان للمقاومة في كل حين.
7 ـ تأسيس المؤسسات التربوية والمهنية والكشفية وتخريج افواج من المقاومين المؤمنين بالمقاومة سبيلاً للتحرير (مهنية جبل عامل في صور، كشافة الرسالة الاسلامية التي ارادها الامام الصدر ان تكون نوعاً من انواع صيانة المجتمع، (اعتبرها الشهيد محمد سعد خط الخط).

وقد اكد رئيس حركة أمل دولة الرئيس نبيه بري غير مرة على هذه الثوابت وسعى من اجل استمرارها، ومن هنا كانت توجيهاته بان تسمى المدارس والثانويات على اسماء الشهداء ان في مؤسسات أمل التربوية او المدارس الرسمية التي بنيت في المناطق، فترى: ثانوية الشهيد محمد سعد، ثانوية الشهيد بلال فحص…، كل ذلك من اجل تبقى فكرة المقاومة التي خلدها الشهداء بدمائهم مستمرة من جيل الى جيل، ولكي تعرف الاجيال ان كل نصر على العدو الاسرائيلي وكل مواجهة حررت ارضاً دفع الشهداء دماءهم ثمناً لها.

ليوم، كثيرون يتغنون بقوة المقاومة وبانصارها وبيئتها ومجتمعها وثقافتها، ويعتبرونها ملجأهم، ويتحدثون عن قوتها وقدرتها وتسليحها، وصناعتها لتوازن الرعب والردع، وفرض شروط وقواعد الاشتباك، وكثيرون، يتغافلون، او لا يعرفون، ان الامام المغيب السيد موسى الصدر اطلق المقاومة في زمن كانت فيه تهمة، وكان المقاومون يختبئون بين الصخور حرصاً من جاسوس او مفتن يخبر عنهم، وان رئيسها الرئيس نبيه بري اراد ان تكون حركة أمل ومجاهديها على مختلف مستوياتهم: على اهبة الاستعداد دائماً للدفاع عن حدود الوطن وحدود المجتمع كي يبقى لبنان سيداً حراً عزيزاً كريماً”.

مقالات ذات صلة