أعناق الغمام ودَيْن المطر/ فيصل طالب*      

تتناسل السنوات العجاف، فلا تنفكّ تأتي بالأزمات بمختلف أشكالها وألوانها، والناس يهيمون على وجوههم! هو الزمن الذي أنكر نفسه على جيلنا ذات مرّة ونحن نفتح عيوننا على الدنيا، ثمّ استعاد هذا النكران في الهزيع الأخير من تقلّبه المضني في ليل متقطّع بين الأحلام والكوابيس، وكأنّه القدر الذي لا يهمل ولا يمهل!

ما هذا النصيب من الحياة التي بخلت على الناس بالبديهيات وأبسط الحقوق في العيش الكريم غير المنغّص بالانسداد المتكرّر للآفاق، وغير المطمئن إلى الغد، وغير الآمن على مستقبل الأبناء والأحفاد ! هل تكوّرت مصائب الدنيا والتفّت على هذه النقطة من جغرافية العالم لتكون اختزالاً وتعبيراً عن أزماته ومشكلاته؟! هل يستحق هذا البلد الصغير بمساحته، الكبير برسالته وطموح أبنائه، أن يلقى كلّ تلك الشدائد، وهو الذي اختار أن يكون نقطة استقطاب في محيطه وبؤرة إشعاع للعالم، بما يحمل في طيّات تركيبته وتكوينه وموقعه من نموذج خلّاق للتواصل الإنساني الذي يبحث عن التلاقي والحوار والاغتناء؟!
هل تغيّر وجه لبنان وصورته؟ هل فقدنا وهج ذلك الوطن الذي عرفناه وخبرناه، فبات مثاله ذكرى وعبرة ودرساً في التاريخ ليس إِلَّا؟! هل ما يجري الآن هو إسدال الستار على حقبة من زمن كان الوطن الصغير فيها حاجة وضرورة للجميع، عندما كان يقال إنّ لبنان لو لم يكن موجوداً لوجب اختراعه؟ تُرى هل تقاس الأوطان، ولبنان بالتحديد، بحقبة مضيئة من هنا أو أخرى مظلمة من هناك، أم بمبررات الوجود والدور والرسالة؟

كثيراً ما يخلط بعض الناس بين مفهوم الدولة بإداراتها ومرافقها وقوانينها وإجراءاتها، وبين مفهوم الوطن، فيجعلون منهما، من دون وجه حق، مصدراً واحداً لكل ما يثير الشكوى واللوم والتقصير والشعور بالاغتراب الداخلي والقطيعة معه، فينفرون من واقعهم، ويسعون للخروج منه إلى أربع رياح الأرض، طلباً لمستقبل يتسرّب كالماء من سلال العجز، ولو نالت أشواك الفراق والغربة منهم ومن ذويهم ألماً، واكتوت قلوبهم معاً بنار الشوق والحنين.

ما يعيشه اللبنانيّون في هذه الأيام من ضيق وضنك وقلق وخوف وإحباط أمر غير مسبوق في تاريخهم الحديث، وذلك بفعل التداعيات المتسارعة للأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والصحية المتراكمة التي يمرّون بها …، وما نتج منها من تدهور خطير في قيمة العملة الوطنية وارتفاع قياسي في أسعار السلع، وإغلاق مؤسسات تجارية وصناعية وسياحية وخدمية عديدة أدّى إلى انتشار البطالة وفقدان فرص العمل…، ثمّ يأتي الانفجار الكبير في مرفأ بيروت لترتفع إلى السماء صرخات الشهداء، ويقضّ أنين الجرحى مضاجع الأرض، وتنسكب الدموع من مآقي الوجع والأحزان، ويتفجّر الغضب من صدح الحناجر، ولتتمدّد المشاعر الملتهبة إلى العالمين… كلّ ذلك جعل الذين سبق لهم أن هجروا البلد يشكرون ربّهم على “نعمة الغربة”، وحَمَلَ بعض من بقي منهم في أرضه على تمنّي الرحيل اليوم قبل الغد، وبأيّ ثمن، ووحّد الفريقين معاً في النظرة السلبية إلى واقع بلدهم، والنفور منه، وتفضيل أيّ بلد آخر عليه، قريباً كان أم بعيداً، من العالم الأوّل أم من العالم السابع!

لا يناقشنّ أحد في أمر هجرة شبابنا إلى حيث تحطّ بهم الرحال، ولا يستقيم القول الإنشائي بأنّ “عليهم التشبّث بالأرض، لأن الوطن يخسر بهجرة أبنائه أدمغته ونبضه وقدراته الواعدة وأمل المستقبل”، لأنّه لو أحسنت السياسات المتبعة منذ عقود إدارة البلاد، وقدّمت “دولة الإنتاج” على “دولة الريع”، وأطلقت التنمية المستدامة من عقال أدبيات الخطب الإصلاحية الورقية، وسعت لتقوية االانتماء بالنماء، وعزّزت قيم المواطنة والرقابة والمحاسبة ومكافحة الفساد، لكانت أبقت الطيور في موئلها، وجذّرت الأبناء في أرضهم، وأوجدت لهم فرص العمل المناسبة، وسمحت للعلاقة الطرديّة بين تقدّم الحالة الشبابية في المجتمع والعملية المتنامية لتطوّره أن تنطلق في مسارها الطبيعي.

البحث عن مستقبل تحت الشمس يطلق طاقات المرء وإبداعاته مشروع، في ظلّ المعطيات التي لا تلبّي طموح أبنائنا. غير أنّ فكّ الارتباط بمكان ولادتهم وملعب طفولتهم ومرتع نشأتهم أمر مستحيل: إذ إنّ الشكوى من السياسات العرجاء، وفقدان التخطيط، وغياب “مشاريع الدولة” لا الحكومات التي تأتي وتذهب من غير أن تضيف مدماكاً في البناء الاستراتيجي والرؤيوي للدولة، شيء، والتخلّي عن الروابط التي تشدّ المرء إلى وطنه شيء آخر.
صحيح أنّ قوّة الإحساس بالانتماء تزداد رسوخاً كلّما شعر المواطن أنّ له تأثيراً في تحديد مصيره، وفي صياغة الرؤى التي تلبّي حاجاته، وفي تحقيق كل ما من شأنه أن يصون كرامته ومواطنيته. لكن ذلك إذا تعثّر تحقيقه لا يعني أبداً تعذّر المثابرة على زرع بذور الأمل في الأرض التي تحتاج إلى من يرويها دائماً بالإصرار والثبات والإيمان.

إنّ الوطن ليس حدائق غنّاء ننعم بنسيمها في أوقات المسرّات، وصحراء لاهبة ننفر منها في زمن الشدائد والصروف. ليس الوطن “الأنا” والعائلة والمذهب والطائفة والعشيرة. هو كلّ هؤلاء، وقد انصهرت قدراتهم في بوتقة التضامن والتكافل والتكامل تحت سقف الوحدة الوطنية والمواطنية. الوطن ليس سؤالاً مفتوحاً على أجوبة متعدّدة الاتجاهات، بل هو جواب واحد لا يحتمل التأويل. هو دمع العين وقت الفراق وحين اللقاء. هو ضوء الحنين في عتمة الغربة، ونسمة الراحة في هجير التعب، وجدول البِرّ في قفار العقوق، وأغنية الفرح في ليالي الكدر، وصفاء النظر في دغل الغبش والدخان، وصمت التأمّل في ضوضاء الثرثرة والهذيان. الوطن قدر لا اختيار، فنحن لا نختار أوطاننا تماماً كما لا نختار أحلامنا وأسماءنا وألوان عيوننا. الوطن هو الأمّ والحبيبة والماء والهواء والفيء ورائحة المطر والخبز وعبق الأرض وأزهارها البريّة. والوطن في هذه الآونة تحديداً يدعونا، مقيمين ومغتربين، إلى تسديد ما له في رقاب الشرايين من دَيْن النبض، وفي أعناق الغمام من دَيْن المطر، وما لبيروت الجريحة وردة الدنيا وزنبقة العرب وأرزة لبنان الشامخة من موجبات الوفاء والعرفان.

قال النبيّ الأمين مخاطباً مكّة:
“والله إنكِ أحبُّ البلاد إليّ، ولولا أنّ أهلك أخرجوني منكِ ما خرجتُ”!

المدير العام السابق لوزارة الثقافة

مقالات ذات صلة