التطبيع وتثبيت الهيمنة/ غالب قنديل

يظهر في خطب الاعتراض على صفقة القرن عدد من الأفكار التي تنم عن سطحية وسوء فهم عبر تحويل الموقف إلى مجرد تضامن مع الأشقاء الفلسطينين ضد تصفية قضيتهم وهذه العقلية من شأنها تمييع أي مجابهة فاعلة وحاسمة تقيم سدا حقيقيا في وجه هذا المشروع الذي ينطلق من تصفية قضية فلسطين وانهاء اوهام خمسين عاما حول التسويات والحل السلمي والدولة الفلسطينية المستقلة ليفتح الطرق امام مشروع شامل للهيمنة الاستعمارية الصهيونية على المنطقة العربية في جميع المجالات بحيث تصبح مقاومة هذا المشروع شرطا لا بد منه للدفاع عن خيار التحرر والاستقلال الوطني في أي بلد عربي.
اولا منذ مؤتمرمدريد ربطت الولايات المتحدة مبادراتها حول تسوية الصراع العربي الصهيوني بفرض التسليم بوجود الكيان الصهيوني الغاصب وبإقامة علاقات طبيعية معه على قاعدة الاعتراف وقد تنبه الرئيس الراحل حافظ الأسد لذلك في فرضه لشرط ترابط المسارات وترتيب جداول التفاوض الذي كسره المخطط الأميركي الصهيوني الرجعي باستدراج القيادة الفلسطينية إلى اتفاق اوسلو.

التصميم على التطبيع لا يبغي فحسب الى إنهاء مناخ العداء للصهيونية والتخلص من الكراهية بين العرب وإسرائيل او إزالة الحواجز النفسية في المنطقة كما تزعم الرواية الأميركية بل إلى تحويل إسرائيل لوكيل إقليمي يضمن تبات الهيمنة الاستعمارية الغربية على المنطقة بحيث تمر بها جميع خطوط النقل والمواصلات والعمليات المالية والتجارية ويتم إدماجها في قلب البنى الاقتصادية الاجتماعية للبلاد العربية كقوة مهيمنة وكوكيل اول للاستعمار الغربي مما سيجعل المنتجين العرب عبيدا وخدما عند شركات متعددة الجنسيات يسيطر عليها الرأسمال الغربي الصهيوني الذي يمسك بتلابيب الاحتكارات المالية العالمية الكبرى.

ثانيا كشفت تجربتا كمب ديفيد ووادي عربة منذ السبيعينات مجموعة من الخفايا المكتومة في التخطيط الأميركي الصهيوني فقد فرضت معايير أميركية اقتصادية تشترط شراكة صهيونية إلزامية في العديد من القطاعات الاقتصادية وتمثلت بنسبة مئوية مرسومة سلفا لمكونات اميركية صهيوينة في السلع المنتجة لا تقل عن 11 بالمئة بينما تكشفت خطط لنهب الغاز والنفط والفوسفات تحت عناوين الشراكة المتوسطية التي ليست سوى عباءة للتطبيع مع العدو وكما تبين أنه تم تحضيرمشاريع معدة سلفا للتحكم بصناعات الأدوية والخدمات الطبية والتأمينات والأسمدة وبالقطاعين الزراعي والصناعي برمتهما.

وقد كشفت بعض دروس معاهدة شولتز (اتفاق 17 أيار ) التي أسقطتها المقاومة في لبنان وتجربة غزو البضائع الصهيونية للأسواق اللبنانية بعد الاحتلال عام 1982 ان الكيان الصهيوني يخطط لتدمير الصناعة والزراعة في البلاد والهيمنة على السوق بكميات ضخمة وبأسعار منافسة.

ثالثا ليست الدولة العبرية حاضرة صناعية متقدمة بل وكيلا غربيا مفضلا ولم تشحن إلى لبنان أو مصر او الأردن سيارات من صنعها أو شاحنات وآلات مصانع تعرضها للبيع بل هي فككت المعامل اللبنانية ونقلتها وأغرقت الأسواق بالبيض والبطيخ والخضار وبالبسكويت والشوكولا وغيرها من السلع الغذائية.
كما ظهر في الخطط الصهيونية الغربية للهيمنة جعل الكيان الصهيوني عقدة المواصلات والمصارف ومركز السياحة الإقليمية وهذا ما كشفته في لبنان تجربة ما بعد الطائف عندما ظهرت خرائط الطرق التي اعدتها شركة باكتل الأميركية وفيها تصميم للقسم اللبناني من الأتوتسترادات الضخمة التي تربط لبنان بفلسطين المحتلة بوصفها طرقا عابرة للحدود إلى الأردن ومصر وشبه الجزيرة العربية والخليج وبعد العدوان على سورية شكل خط نقل الحاويات التركية عبر فلسطين المحتلة إلى الأردن والخليج نموذجا اختباريا لتطبيع فعلي غير معلن.

رابعا التصميم على التطبيع في سياق تصفية قضية فلسطين هو السبيل لتمرير مشاريع الهيمنة والنهب وربطه بالحوافز المالية يؤشر على الأداة الأميركية الصهيونية المستخدمة في إخضاع المنطقة بعد استنزافها بالديون والحروب ولمنعها من المشاركة في أي صيغ إقليمية بديلة للبناء الاقتصادي من خارج الهيمنة الاستعمارية بعدما اتاحت التحولات العالمية بدائل جدية ومجدية كمشروع الحزام والطريق الصيني.

إن حاصل التطبيع ليس فحسب إنهاء العداء لإسرائيل وتعديل المناهج التعليمية وفرض واقع إعلامي ثقافي خاضع للهيمنة دشن الترويج له الإعلام والتمويل القطري بالكامل منذ ربع قرن بل إن المطلوب هو نسف جميع فرص التحرر من الهيمنة الغربية اللصوصية ومنع أي توجه جدي لبناء اقتصاد وطني ذاتي المركز وحظر الالتفات إلى الشراكة الواعدة مع قوى الشرق الصاعدة التي توفر فرصا هائلة للتطوروالتقدم ونقل التكنولوجيا كما برهنت تجربة إيران منذ انتصار الثورة ويمكن بالمقارنة بين النموذجين الإيراني والخليجي التعرف على المسافة الحضارية الشاسعة بين طريق التقدم بخيار التحرر والاستقلال وطريق الخضوع والإذعان للهيمنة رغم الثروات الخليجية الصخمة التي بددت عائداتها في المصارف الأميركية والغربية وفي تمويل حروب التدمير والغزو الغربية وصفقات السلاح التي جعلت حكومات بعض الدول ألعوبة في قبضة الابتزاز الأميركي المهين.

التحليل الاخباري

مقالات ذات صلة