صفحات من حرب تموز ..و ال “لاء”الجازمة

كتب الدكتور طلال حاطوم: صفحات لم تعد مجهولة لتاريخ لن يرحم

لم تبدأ في تموز ولم تنتهِ في آب، فقبلها كانت الغرابيب السود تستبيح سماء الوطن وارضه وابناءه، وخلالها كانت الالة العسكرية العمياء تضرب خبط عشواء في البشر والحجر، فتدمر وتقتل وتشرد، كان البحر يحاول جهده تهريب امواجه الى الشاطئ رغم الحصار، وكانت طيور الجنوب ترفض الهجرة رغم طائرات الحقد، وكانت ارادة الصمود وثقافة المقاومة ومجتمعها على اصرار المواجهة والدفاع عن الوطن.

حرب تموز 2006 لم تكن مجرد حرب عدوانية اسرائيلية على لبنان، على الرغم من حجم كتلة النار والدمار الكبرى التي زج بها العدو الصهيوني في اتون المعركة مستهدفاً المدنيين والاطفال والمؤسسات والمنازل والمنشأت والجسور.

ويخطئ من يحجّم ـ وقتها او بعدها او الآن، الحرب في نتائج المعركة العسكرية وحدها، حتى وان كان لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته قد حقق انتصاراً تاريخياً في وجه القوة الصهيونية العاتية مستنداً الى قوة حقه في الدفاع عن ارضه وشعبه وسيادته والكرامة.

في ما يكشفه الاخ الرئيس نبيه بري في سلسلة الحلقات التي يكتبها الاخ الوزير علي حسن خليل، عن مجريات ما حدث في زوبعة غبار المعارك وخلف الكواليس، وما دار ابان الحرب العدوانية الاسرائيلية والخطط والمؤامرات التي كان كثيرون شركاء في صوغ عباراتها، وبث سمومهم بين اسطر الاقتراحات والمشاريع المطبوخة في البيت الابيض والمجلس العدواني المصغر، في ما يكشف، ما يعيد الى الذاكرة المثقوبة، اختياراً، لبعض من ضيع اتجاه البوصلة وحرف المسارات الصحيحة للموقف الوطني عن وجهته لصالح وعود عرقوبية بأن بقاءه في الحكم والتحكم والسلطة يتطلب منه الانصياع الى املاءات تفتت عضد الوطن وتبدد عناصر قوته وتجعله هباءاً منثوراً في الريح الاميركية الاسرائيلية التي تستهدف من عواصفها تغيير واقع المنطقة الى شرق اوسط كبير نقطة ارتكازه الكيان الاسرائيلي، واقتلاع كل مراكز الممانعة والمقاومة ومن يرفض السير في الركب الاميركي الصهيوني الذي كلنا ثقة انه لا يؤدي الا الى الخراب.

وعلى الرغم من ان الوزير الشاهد علي حسن خليل لم يتناول، بعد، الا الجانب السياسي والمفاوضات الصعبة التي خاض غمارها الاخ الرئيس نبيه بري بحكمة العارف بالخفايا، الممتلك القدرة على قول الـ “لا” الجازمة الحازمة الواثقة لكل العالم في سبيل احقاق الحق وعدم التفريط بذرة من تراب الوطن والحفاظ على مكوناته، وبصلابة المقاوم الذي خبر كنه المقاومة وعرف ابطالها الشهداء الذين سبقوا والذين ينتظرون وما بدلوا، هو المواجه بديبلوماسية المواجهة بالحق بدل البكاء على الاكتاف والارتماء بالاحضان. وعلى الرغم من ان حجم الدمار الذي لا يمكن وصفه ولا تصويره او حتى تخيله، الا ان الثابت ان لبنان المقاوم الذي انتصر بصموده كانت تحاك له المؤامرات وتدبر له الدسائس التي هي اكثر شراً وهولاً من الحرب نفسها وويلاتها وحتى النتائج، ممن يفترض انهم في المركب الواحد وانهم شركاء في وطن الارز، وتتبدى بوضوح مسيرة ملتوية لهم لا يمكن ان توصل الا الى تفيتيت الوطن وشرذمة ابنائه وجعله لقمة سائغة لعدو غاشم.

هي صفحات ليست مجهولة لأن من بقي الى جانب اهله وفي ساحة جهاده كان يعرفها، ويغفر، لكنه كان يمني النفس بأن يعود من ضلوا او ضللوا او توهموا او اشتبه الامر عليهم الى الرشد الوطني.

هي صفحات اراد من دبر امراً في ليل ضد اهله ان يبقيها مجهولة لكن نور الحقيقة الساطعة لم يكن بالامكان حجب ضوئه بقناع متلون بألف لون ولون.

هي صفحات كشفت غيضاً من فيض المؤامرة، ولم تتطرق، بعد، الى الجوانب الميدانية والانسانية والاجتماعية والنفسية، والاتي من حروفها وكلماتها واسرارها أعظم.

هي صفحات حق ملكيتها الحصرية هو للتاريخ الذي كُتبت صفحاته بدماء الشهداء الابرار، والتاريخ لا يرحم.

مقالات ذات صلة