ملاحظات رمضانية

لم تعد أجواء شهر رمضان المبارك اليوم كما كانت عليه من قبل.. زمن الخمسينيات والستينيات على ما أذكر.

طبعاً هذا الكلام ليس بجديد. فقد سبق أن أوردته في مقالات سابقة. لكنني وجدت من المناسبة أن أضيف اليه بعض ما استجد بهذا الخصوص. وهو ما ينبهنا اليه خطباء المساجد والمشايخ والعلماء ويختصرونه بالقول أن الشهر الفضيل هو شهر العبادة والتقوى والتوبة الى الله عز وجل وهنا بيت القصيد. بمعنى أنه ليس شهراً للترف والبذخ واللهو والتسابق الى إقامة الافطارات التي توجّه الدعوات اليها عبر بطاقات أنيقة مكلفة ومزخرفة تُعلِم المدعو أنها مقامة في أفخم الفنادق وأغلاها سعراً فيُسعد بداية ثم ما يلبث أن يتذمر أو يتململ لعلمه بأن الدعوة هذه ما هي الا لجمع التبرعات التي لا يدري كيف توزع، ومن هي الجهة التي تصل اليها وتستفيد منها. والتساؤل هنا لا يسري على جميع أصحاب هذه الدعوات من جمعيات ومؤسسات. إذ أن هناك المعروف منها والمشهود لها بفعل الخير ومساعدة المحتاجين والمعوزين، مع التركيز على اليتامى وذوي الاحتياجات الخاصة والمعوقين والمسنين، فيما نرى ونسمع عن جمعيات ومؤسسات لا يؤتى على ذكرها الا في مثل هذه المناسبات، ثم لا تلبث أن أن تختفي وتتوراى عن الأنظار.

لست هنا في صدد تناول ما ذكرت. وأكتفي بهذا الخصوص كي ألج الى ما أسعى اليه، وهو تبيان المتغيرات التي طرأت على أجمل شهور السنة.

بداية أشير الى أن أول ما يتراود في أذهان كثيرين، عند ذكر رمضان، المأكولات والمشروبات الخاصة بالشهر الفضيل بدءاً بالحساء مروراً بأطباق “ورق العنب” و”الكبة” على أنواعها والمحاشي، التي يرافقها “الجلاب” و”قمر الدين” و”السوس”. وهنا تكمن المغالطة الكبرى في نظري. إذ لا يجب أن نُقرِن الطعام عند ذكر الصيام. وأتمنى ألا أُفهم هنا على أنني أدّعي الفضيلة لنفسي وأقوم بتوجيه العِظات للآخرين. لا ليس الأمر كذلك. فأنا ممن طُبعِت في مخيلتي هذه الصورة الرمضانية منذ الصِغر ولازمتني في الكِبر، كما تُلازم كثيرين غيري. لكنني في الوقت نفسه لم أنسَ أبداً كيف كنت أنتظر، وشقيقتي الوحيدة الراحلة، على الشرفة رؤية وسماع مدفع الافطار ينطلق من قلعة طرابلس، حيث كان المشهد واضحاً من منزلنا الكائن في شارع المطران يوم كانت الأبنية والعمارات الشاهقة لم تكتسح الشوارع والأحياء بعد لتغطي كل ما هو جميل ولافت.

لم ولن أنس أيضاً المسحراتي وطبله الذي ننتظره عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل لنسمعه يذكر اسم الوالد رأفت رحمه الله يدعوه الى السحور ومعه كل أسماء الأباء المقيمين في العمارة والجِوار. كما كنا نتلهف لرؤية فرقة الوداع المسماة “طشم ديّم” تأتنينا في الأيام الأخيرة من الشهر الفضيل فتصعد السلالم باعتبار أن المصاعد لم تكن رائجة في ذلك الزمن. فتُقرِع الطبل على الباب ولا تغادره قبل أن تنال “الاكرامية”. وتحضرني هنا قصة طريفة لم تغب عن بالي يوماً. بطلها صديقي في “الثانوي”. وقد أضحى طبيباً معروفاً اليوم. صديقي هذا كان مغرماً بشابة وأراد أن يُعبّر لها عن هذا الحب، فانخرط في “فرقة الوداع” واعتمر كوفية وأمسك بفانوس مضيء وقصد منزلها فذُهِلت عندما شاهدته، لا بل ارتعبت خوفا من أن يكتشف أهلها هوية “روميو العصر” لكن الأمور مضت على خير حتى باتا زوجين تحت سقف واحد.

بالعودة الى أجواء رمضان أتوقف عند ظاهرة تكاثر عدد المصلين والمؤدين لـ “التراويح”. وهذا أكثر من جيد ومطلوب، على ألاّ تُفسد الصلاة هذه بارتياد البعض بعدها لحفلات الطرب والرقص.. نعم هناك مثل هذه الحفلات تُقام في رمضان. ولها روادها الكثر مع الأسف. وهذا ما لم نكن نعرفه أيام زمان، بل كنا نعرف أن آباءنا يأتون المنزل قبل أذان المغرب بقليل، بعد أن يكونوا قد صلوا العصر في المسجد وتلوا آيات من القرآن الكريم.. وهذا ما لا يتم في يومنا هذا على ما أظن مع بعض الاستثناءات بالتأكيد.

أيام زمان لم يكن “التلفزيون” طاغيا ومكتسحاً بيوتنا. ولا وجود للمسلسلات التي تنمو كالفطر في هذا الشهر تحديداً. حتى بات هناك من يربط بين حلول الشهر المبارك وشغفه بمتابعة ما يعرض الشاشات. ولا يُخفى على أحد أن منتجي هذه المسلسلات والممثلين والمخرجين وجميع العاملين فيها يعتبرون شهر رمضان فرصتهم للاكتساب وجني الأرباح، باعتبار أن هناك الملايين الذين يتسمرون أمام الشاشة الصغيرة ويتابعونها يوماً بيوم وحلقة بحلقة حتى بات حديثها يطغى أحياناً على الجلسات والسهرات الرمضانية. والطريف أن القيمين على محطات التلفزة عندنا يمنحون البرامج السياسية المسماة “توك شو” استراحة لمدة ثلاثين يوماً، افساحا في المجال أمام المسلسلات المتنوعة، والتي يدور معظمها حول علاقات غرامية أو ما شابه، من دون أن يكون لـ “رمضان” أي حضور فعلي. وإن حصل فمن باب الافطار أو الإعداد له أو التحلق حول مأدبته، والحديث في شؤون وشجون تلك العلاقات المعقدة، أو استحضار تاريخ البطولات والتضحيات من باب “رفع العتب” ليس إلا. وللمناسبة أشير أنه حتى تلاوة القرآن قبل أذان المغرب باتت تقتصر على بضع آيات لا يتجاوز عرضها الدقائق الخمس، فيما غاب الدرس الديني وتفسير الآيات التي ستُتلى على المشاهد. أما في السياسة، فصحيح أنها تنحسر على التلفزيونات عبر البرامج المخصصة لها، لكنها تبقى حاضرة وبقوة في حفلات الافطار، ذات الطابع السياسي، التي يتبارى فيها السياسيون في القاء الخطابات الرنانة التي تهاجم فلاناً وتحمل على علان، فيما الجميع تسمّر وتحلّق حوله بمناسبة كريمة ولا أحلى وُصفت بأجمل الكلمات ” شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ “.

أين نحن من هذا الوصف؟ّ!

أعاده الله عليكم بالخير واليمن والبركات والهداية.

 

ابراهيم عوض

(عن “البيان” الطرابلسية)

اترك تعليقاً