الثورة الثقافية طريق الثورة الفعلية/ غالب قنديل

تتعرض مفاهيم كثيرة للتحوير والانتحال في لبنان كأنما تتحقق نبوءة من قالوا قبل نصف قرن إن أردت ابتذال مفهوم او ظاهرة احضرهما إلى لبنان ليصبحا موضة استهلاكية تافهة تفرغ من محتواها جريا على تقاليد وعادات الاستهلاك اللبناني التي تحاكي الظواهر العالمية في قشورها وخوائها.

أولا ليست تلك الظاهرة من وجوه الفرادة اللبنانية وما أشبهها عالميا بتحويل صورة الثائر الأممي أرنستو تشي غيفارا إلى علامة فارقة للسلع يستهلكها الشباب في العقدين الأخيرين على الصعيد العالمي وقلما يعرف احد منهم شيئا عن شخص الإيقونة التي يتغنى بها وشما على يديه أو الوجه الذي يزين قمصانه او البيريه التي يتباهى باعتمارها على شعره الطويل تتصدرها نجمة خماسية مذهبة حتى تعبير الكومندنتي الشائع بين الشباب كنداء للصحبة لا يحرك فضول الملايين للبحث في سيرة القائد السياسي والعسكري والمناضل التحرري والأممي الذي قاتل حتى آخر نفس ضد الهيمنة الاستعمارية ولا غرابة لو سكنت العقول أفكار متعفنة تناقض رموز الموضة التي يتزين بها الملايين.

ثانيا يكثر اللبنانيون المتذمرون اللغو للمطالبة بثورة وبعضهم يعتبر ما حصل فعليا في 17 تشرين أول الماضي ثورة ويطلق على من قاموا بها تسمية الثوار ( أو السوار كما تلفظ ) ومعظم أصحاب هذه النظرية من مجموعات الإنجيئوز وبعض اليساريين الباحثين عن أدوار يتفنون في تبرير غياب البرنامج الثوري والقيادة الثورية المجربة وهما شرطا الوجوب الى جانب انفجار الغضب الشعبي في أي ثورة متخيلة وقد لقن السيد الأميركي المستتبعين فرضية أن غياب البرنامج والقيادة هو تدبير حميد ومفيد والغاية ن تكون له وحده القيادة وأدوات التحكم والتجيير .

ثمة في لبنان الكثير من بواعث الغضب والسخط والرفض امام مشاهد شيوع الفقر والعوز والغلاء والبطالة وبفعل الخراب الكبير المتراكم الذي لم تهتز بعده شعرة من نسيج العصبيات الطائفية والمذهبية المتناحرة كأنما التكيف اللبناني مع الأزمات ومعاناتهم العميقة بات حقيقة عامة مطلقة.

ثالثا منهجية التفكير والفهم العلمي تفترض البدء من حقيقة الترابط بين لبنان والمنطقة العربية حيث تظهر العقدة الرئيسية وهي الهيمنة الأميركية والغربية التي رعت النموذج اللبناني المتهالك وهي تعمل لإحيائه ومنع ولادة بديل تحرري وأهم دروس التاريخ القريب والبعيد في لبنان استحالة تجاوز هذه الحقيقة في التعامل مع أي مشروع ثوري مفترض في لبنان فلا مجال لإقامة فردوس متقدم ومستقر على كتف الكيان الاستعماري الصهيوني الذي انشيء ليكون قاعدة استعمارية متقدمة وجاهزة للتدخل دفاعا عن الهيمنة ولما عجز وتلاشت عناصر قوته امام محور المقاومة حضرت القوات الأميركية الأطلسية لتعاضده وتنوب عنه ونلك هي القوة المحركة لاحتلال العراق بعد ثلاثة أعوام من اندحار العدو أمام المقاومة اللبنانية قبل عشرين سنة من هذه الأيام بالتحديد.

رابعا يترتب على ما تقدم أن ما يفترض انه وجه داخلي للثورة المتخيلة او ما يسمى بالتغيير السياسي والاقتصادي الاجتماعي هو شديد الارتباط بالبعد الوطني أي بالتناقض الرئيسي مع منظومة الهيمنة الاستعمارية الصهيونية الرجعية .ومن هنا يمثل التمسك بخيار المقاومة حجر زاوية أساسي إلى جانب اولوية بناء جبهة وطنية متحدة تبني قواها لتقيم خطتها على ركيزتي التحرر من الوصاية والتشبيك الاقتصادي والسياسي بالمحيط القومي وتحديدا بسورية والعراق وأيا كان الشكل أو التسمية فإن هذه هي الحلقة المفتاحية لخلاص لبنان الفعلي بجعله عضوا في وحدة شرقية حرة مقاومة للهيمنة الأميركية الصهيونية.

خامسا إن إعادة بناء الاقتصاد الوطني لن تكون معجزة إن توافر البرنامج والإرادة ومع قرار الانتماء إلى تكتل إقليمي تتوسع الموارد والأسواق ومن الوهم والتخريف الغرق مجددا في أفعوانية شراء الوقت بالديون والرهان على أي مساعدات كانت ومهما كان الوقت المشترى لبهلوانيات الإدارة المالية “الرشيدة “سوف يستهلك ويتراكم معه مزيد من العجز والخراب ليعقبه انهيار شامل أفدح مما نحن عليه اليوم ومن الخبل المراوحة في فرضية ان تنظيف نظام معيوب من شوائب التقاسم والتربح تنهي ازمته الهيكلية الوجودية وتقضي على عقمه الاستهلاكي فعبثا سيكون البحث عن تغيير البراغي والمفاصل في آلة صدئة مهترئة ومخلعة من أساساتها.وما يجب وضعه في الحساب هو ضرورة فهم معاني التغييرات العالمية الهائلة اقتصاديا وماليا وانعكاساتها على مصالح لبنان القريبة والبعيدة.

سادسا إن إطلاق ثورة ثقافية في المفاهيم هو البداية في معركة الوعي وثمة عناوين مفتاحية يجب ان تعطى جهدا واهتماما فكريا وسياسيا كبيرا لتعبئة طليعة واعية جديرة بقيادة معركة تاريخية لابد منها دون تأجيل وهذه عينة من الأسئلة : كيف يمكن الانتقال إلى نموذج وطني انتاجي خارج الهيمنة وما هي خطوط ومحاور التكتل القومي الذي يجب التطلع إليه وأي شراكات نحتاج إلى بنائها مع سورية والعراق والشرق الواسع وصولا إلى إيران والصين وروسيا والهند وما هي نظرتنا لمستقبل العلاقة مع الخليج وغرب اوروبا وما هي الإمكانات الفعلية المتاحة لنا في كل من تلك العلاقات وماهي الصناعات والزراعات التي يجب العمل عليها في لبنان وتنميتها او استحداثها ضمن خطة استراتيجية للتنمية وأي دور إقليمي جديد للمصارف اللبنانية بعد إعادة هيكلتها وكيف يمكن تحقيق التكامل مع الجاليات اللبنانية في المغتربات ضمن شراكة مجدية للمقيمين والمغتربين وبالتالي للبلد.

مقالات ذات صلة