المحامية ساندريلا مرهج: النظام المحاصصي والطائفي كرّس الاقتصاد الريعي غير المنتج!

حاورتها الاعلامية كاتي يمّين 

حديثها يحاكي العقل والمنطق ويوقظ حس الإنسانية الذي شبع خدراً في هذا الزمن المتوحش. أما أفعالها ونضالاتها فتصب في أعماق العمل الوطني الشريف وتهدف الى بناء مجتمع أكثر عدالة واحتراماً لحقوق الإنسان.. هي المستقلة، المنخرطة في الشأن العام، المندفعة والمصرة على اقتحام الحياة السياسية وولوج عتبة السلطة التشريعية كي تكرّس علومها وخبراتها القانونية والحقوقية والإدارية لصياغة مستقبل أجمل وأكثر إشراقاً للبنان.. هي المحامية والكاتبة السياسية ساندريلا مرهج الحائزة على شهادات وعضوية مؤسسات دولية عدّة وعلى دروع تقديرية وأوسمة من منظمات وطنية وعربية ودولية لجهودها الإنسانية والحقوقية. مؤسسة ورئيسة منظمة “حرية حياة” التي تعنى بتعميم ثقافة الحوار و اللاعنف. لها مقال اسبوعي في موقع النشرة منذ اكثر من خمس سنوات. صدر لها عن دار الفارابي: كتاب سياسي بعنوان :”حدود الدم و خيوط الحبر”، كتاب خواطر بعنوان: “رائحة زنزانة”. ترشحت مستقلة للانتخابات النيابية عن المقعد الماروني في -بعلبك/الهرمل – دورة ٢٠١٨

معها دار هذا الحوار:

-انت المهتمة بالشأن العام، تكتبين المقالة السياسية، وقد جمعت بعض مقالاتك في كتاب ” حدود الدم وخيوط الحبر”. ما الذي دفع بك الى المغامرة في رحاب الكلمة وإصدار كتاب الخواطر: ” رائحة زنزانة” ؟

 

حياتي ..ولادتي و وترعرعي في زمن يرسم تاريخًا من الصراعات الدموية وفي وطن عاش الحروب ، الدمار ، التهجير، الاستشهاد، و الانتصارات والنهضة والعمران؛كما رسالتي في المحاماة بين أروقة قصور العدل وعتمة السجون والنظارات حيث اختبرت قضايا مجتمعية و إنسانية قاسية وحزينة لآلاف الموقوفين والمحكومين والمطلوبين؛ هذا العالم العاصف بين زوابع الجريمة والعقاب والأمن والمجتمع والإصلاح، ونشأتي في وطن عانى من الجراح، فضلا عن عشقي للغة العربية وكوني امرأة لها مشاعر مرهفة، كل هذه العوامل طبعتني وزرعت في نفسي مشاعر قومية، وطنية، وانسانية عميقة ورمتني في خضمّ الخيال الشعري فكتبت “رائحة زنزانة “. بداية، تحفظت كثيرًا عن نشر الديوان بخاصة انه من نوع “الشعر الحديث ” ،وأفضّل اعتباره خواطر. فللشعر أربابه. إلا أنني عدت وقررت النشر بعدما شجعني عدد من الأدباء و “دار الفارابي”.

 

– كمحامية صاحبة اختصاص وخبرة كبيرة في القضايا الجنائية، كيف تصفين الواقع الأمني في لبنان؟

 

لبنان من الدول المتقدّمة أمنيًا ، لا سيما على مستوى كشف الجرائم . ولا بدّ من الاعتراف بأن إنجازات قوى الامن المتصاعدة عبر السنوات الأخيرة في كشف المتورطين بجرائم ارتُكبت فعلا ،او في مهمات وقائية واستباقية لمنع حدوث الجريمة، حققت الكثير من الردع المطلوب. كمحامية جنائية، أعيش واقع ظروف الجرائم وشخصيات مرتكبيها وسبل كشفها والتحقيق فيها، يمكنني التأكيد ان القوى الأمنية، بظل الإمكانيات اللوجستية والتقنية غير الكافية التي بيدها، استطاعت ضبط المجتمع الى حد بعيد. كما وسارت قدماً في تطوير السلك الأمني الذي أتمنى له أن يحظى بالمزيد من التجهيزات التقنية الحديثة، وان تترافق جهوده مع سياسة أمنية تعاونية أمتن بينه وبين الأجهزة الأمنية كافة، وبينه وبين السلطة القضائية والمحامين و المجتمع المدني لتعزيز الثقة المتبادلة . ولا بدّ ان اذكر ان مؤسسة قوى الامن الداخلي اتخذت الكثير من الإجراءات المسلكية والعدلية لبعض العناصر الذين خالفوا ما تعهد به لبنان دوليًا و قانونيًا لجهة مناهضة العنف والتعذيب اثناء التحقيقات الأولية. ونحن كمحامين وناشطين في الدفاع عن حقوق الإنسان، وبالتعاون مع مؤسسة قوى الامن الداخلي، نسعى لأن يستمر تعميم نهج علوم تقنيات التحقيق الحديثة في هذا الجهاز. وانني أتمنى الآتي:

-ان تتم خصخصة إدارة السجون في لبنان لان السجون بوضعها الحالي تكبّد القوى الأمنية والمساجين معاناة كبيرة. ولست من محبذي إيلاء إدارتها لوزارة العدل ربما لأنني أعرف واقعها وخفاياها وصعوباتها.

-ان يتم انشاء مركز امني إلكتروني ٢٤/٢٤ cyber security control مهمته تلقي الشكاوى المباشرة حول الجرائم الإلكترونية والسيبرانية التي تتطلب المعالجة فور الإبلاغ عنها من قِبل اختصاصيي اتصالات أمنيين ولا تحتمل ترف الوقت للتقدّم بها في اليوم التالي امام النيابات العامة. فالجرائم المعلوماتية ترتكب بسرعة فائقة وتُمحى آثارها بسرعة اكبر، ما يتطلب جهدا امنيا سريعا وفعالا. وهذا طبعًا يفرض توقيع معاهدات تعاون أمنية دولية من قبل السلطة المركزية.

 

-كيف تنظرين الى الوضع الإقتصادي الراهن ؟

ما وصلنا اليه هو نتاج عوامل داخلية وخارجية عدة أبرزها، وبحسب تقديري، يكمن في الآتي :

أولاً: مرّ لبنان بحروب كثيرة. و تتطلب مرحلة ما بعد الحرب ، لا سيما في البلدان النامية ، استراتيجية “حفظ سلام ” متكاملة، تشمل سياسات لإعادة الإعمار والتنمية المستدامة في مختلف الميادين، وبناء نظام جديد على أسس الحداثة والإصلاح ضمن رؤية وطنية ملزمةطويلة الأمد. هذا ما لم يحصل في لبنان. لا بل، تمّت معالجة القضايا البنيوية بفوضى.

ثانياً: النظام المحاصصي والطائفي والتوافقي حقق بعض الأمن الوطني على الصعيد الأهلي. ولكنه بالمقابل ، أبقى على اقتصاد ريعي غير منتج. فالعجز الدائم في ميزان المدفوعات و ارتفاع الدين العام و اللجوء الى الاستدانة من المؤسسات المالية الدولية بغياب سياسة مالية ونقدية واقتصادية مننجة، حوّلت الوضع الاقتصادي الى نظام مهتزّ لطالما كان محفوفًا بالمخاطر الى ان دخل حدّ الانهيار .

ثالثاً: لم تستطع سياسة التنافس الحزبية، التي انتقلت الى السلطة بموجب قوانين انتخاب أعطت للأحزاب يدا كبرى في الحكم، من الاستفادة من الثروات الطبيعية والبشرية . قطاع الكهرباء مثلا كبّد الدولة مليارات الدولارات. ولم ينشئ لبنان الغني بالمياه و الهواء والشمس طاقة بديلة او متجددة. في حين نرى الدول المتقدمة تبحث في كيفية تصدير الكهرباء. وحتى اليوم لا يوجد حل لازمة النفايات.وكان من الممكن، في ظل العولمة الاقتصادية الاستفادة من موقع لبنان الاستراتيجي على البحر المتوسط عبر بعض الاتفاقيات التجارية الدولية.

أما فيما يخص النفط والغاز، فهما ثروة تأخر لبنان من الاستفادة منها. والدراسات تؤكد ان في برّ لبنان ايضا ثروة غازية. فضلا عن أن الثروة السمكية والحيوانية كما السهول الزراعية في البقاع وغيره قطاعات مهمشة. حتى في قطاع الصناعة، ثمة معاناة من الأنظمة القانونية والمالية البالية التي تعيق الابتكارات والتصدير.

ثالثاً: الصراعات الإقليمية والدولية ضيّقت على لبنان في مجال تقدمه الاقتصادي لا سيما لجهة وجهات التصدير الى الدول المجاورة . ونشهد اليوم تقويض القطاع الخدماتي القائم أساسا على المصارف والسياحة. وقد بدأت سياسة شدّ الخناق عليه. لذا فإن سياسة الإنقاذ الاقتصادي في المرحلة القادمة، بعد أزمة “كورونا”، يجب ان ترتكز على قاعدة جوهرية و هي “الانفتاح الدولي” بدءًا من العمق العربي الى دول العالم من دون الوقوف عند الاعتبارات الضيقة للمكونات الوطنية المتنافسة. وانني على يقين من استحالة وضع سياسة إنقاذية اقتصادية للبنان بلا سياسة خارجية جديدة تبدّي مصلحة الوطن ضمن حدود السيادة والاستقلال.

 

-ماذا بشأن مستقبل الشباب اللبناني؟

الشباب اللبناني يعاني من التهميش وقد فقد ثقته بالدولة، وطالب بمكافحة الفساد. البطالة، وانعدام فرص العمل، و تدهور المجتمع، و انسداد أفق المستقبل، عوامل تؤدي بالبعض منه الى آفات خطيرة كالمخدرات. الهجرة اليوم من لبنان لم تعد فقط هجرة أدمغة. اليد العاملة تهاجر أيضا. والخريجون يهاجرون الى دول تتنافس فيها القطاعات المنتجة. الطبابة و التعليم والسكن والعمل ليست بمطالب، بل هي حق مكتسب ولكنه غير مؤمن للكثيرين. اللبناني يحب أرضه، وإن غادرها مظلومًا و مستضعفًا ومرغماً، كي يقيت عائلته او أهله، او ليبحث عن مستقبل، فلا بد ان يفعل، وهو باكٍ ومقهور وقلبه مكسور على وطنه وأحبابه .

 

-ما هي الحلول المقترحة؟

أكبر خطأ ارتكبته الحكومات في لبنان هو عدم وضعها رؤية وطنية شاملة تضمن لكل فئة من شبابنا أدنى مقومات الحياة الكريمة.. فشبابنا من بيئات مختلفة ومستويات علمية متفاوتة و حالات اجتماعية متناقضة.وهو يشكل ثروة بشرية لا تعرف قيمتها الا الحكومات التي تعاني من مجتمعات هَرِمة. انها ثروة ديمغرافية يجب استثمارها في مشروع النهضة. ولكي نخلق فرص عمل للشباب، لا بد من إعطاء اولوية لتحفيز الاستثمارات الخارجية في لبنان بمجالات شتى. وهذا يتطلب نظام مصرفي وتشريعي ومالي ونقدي خاص و يجب ان يكون من الأولويات.

والحلول باختصار، منها ما هو قريب الأجل ،ومنها ما هو بعيد الأجل أو مستدام. يجب أن تكون الأولوية لإنقاذ لبنان من الانهيار التام عبر اعادة هيكلة النظام. وهذا يتطلب مؤتمرا وطنيا، انتخابات نيابية وفق قانون نسبي حقيقي ، حكومةً مستقلة وسيادية ، رؤى وطنية ملزمة، شراكةً حقيقية بين القطاع العام والخاص، احتراما وتكريسا للمواطَنة والحوكمة ، دعما للقطاعات المنتجة، وسياسةً خارجية جديدة قائمة على اتفاقيات ثنائية او ثلاثية مترافقة مع ثورة تشريعية داخلية في العديد من الميادين.

على المدى القريب ، لا بد من إنقاذ العملة الوطنية. وللأسف، لا أفق أمامنا الآن سوى القبول ببعض الدعم من مؤسسات مالية دولية ضمن شروط لا تمس بسيادتنا. وهذا ايضا دين!

ولكي يتحقق كل هذا، يجب الحفاظ على أمننا الوطني. فحماية وتحصين لبنان من الاعتداءات الخارجية والحفاظ على السلم الأهلي، أساس لتحقيق الأمن الاقتصادي المرجو لسداد الديون.

 

 

– هل انت راضية عن حضور المرأة في الحياة السياسية بعد هذه القفزة النوعية في عدد النساء بالحكومة ؟

أهنئ السيدات اللواتي تبوأن مناصب وزارية في كل الحكومات لأنّهنّ أثبتن جدارة وجدية و مسؤولية عالية، كما أهنئ السادة الرجال الذين بادروا وتجرأوا على تسميتهن وأصرّوا على منحهن حقائب تتسلمها نساء لأول مرة في لبنان وفي العالم العربي، مثل وزارتي الداخلية والدفاع. فهذه خطوة كرّست دور لبنان الريادي لجهة احترامه حق المرأة في الحياة السياسية. وقد رسمت وأسست لمرحلة سياسية جديدة بالنسبة للشراكة بين المرأة والرجل في هذا المجال. وأتمنى لهذه المرحلة ان تستمر وتتقدم.

بالمقابل، لست راضية عن حضور المرأة في البرلمان. فعلى صعيد الانتخابات النيابية الأخيرة، ورغم الإيجابيات التي تحققت في ارتفاع نسبة السيدات المرشحات للانتخابات، بقي العدد الذي فاز غير لائق بدور لبنان الريادي والمجتمعي في المنطقة. من ناحية اخرى، ثمة فارق بين واقع المرأة الحزبية و تلك المستقلة. فالمرأة المستقلة تعاني الكثير من الإجحاف والتظلّم في الحياة السياسية اللبنانية، ونادرا ما يحكى عن هذا الموضوع بجرأة. فهي،تعتبر أولاً، مجردة من النفوذ السياسي. ما يجعل نظرة الناس اليها تفتقر غالبا الى الثقة، بحيث يعتبرونها غير قادرة على منحهم الأمان المرجو مقارنة بشخص حزبي لا سيّما اذا ما كان رجلاً. ولكن هذه النظرة بدأت تتغير قليلا. ثانيا ، تُعتبَر المرأة المستقلة، بنظر بعض القادة السياسيين، من خارج المنظومة الحزبية وبالتالي دعمها يكون خارج البحث. فهي حتى غير قادرة على منح بعض المتزعمين تحالفًا حزبيًا يؤسس لقاعدة شعبية. وهذه النظرة بدأت أيضا تتغير بعدما ثبت ان نسبة كبيرة من القواعد الشعبية سئمت منظومة التحالفات الحزبية التقليدية، وتطالب بمستقلين.ثالثا”، تُهمَّش المرأة المستقلة في كل الميادين. وغالبا ما تدفع ثمن مواقفها السياسية فتبقى مُستبعدة من الفرص، رغم كفاءاتها ومؤهلاتها. ففي الإعلام مثلا، حيث معظم وسائل الإعلام مملوكة من احزاب او جهات تسعى الى تسويق المنضوين في صفوفها، يحجب الضوء عنها، ما يصعّب التواصل مع الرأي العام.

 

 

– برأيك، ما هو تأثير التشريع في لبنان على السياسات التنموية؟

السياسة التنموية كناية عن رؤية وطنية شاملة لعدة قطاعات تتضمن مجموعة مشاريع ضمن كل قطاع، ولكل مشروع برنامج عمل او اكثر ضمن استراتيجية تنفيذية. هذه الاستراتيجية لا بدّ وان ترتكز على مشروعية وواقعية وتخطيط، آخذة بعين الاعتبار الجغرافيا الوطنية والثقافة المجتمعية والموارد المتوافرة، كما مدى جدوى وفاعلية المشروع ومردوده المادي والمعنوي.

إن حجر الأساس للتنمية هو التشريع. التشريع لا يُفترض ان يكون عملًا جامدًا بل متحركًا، مواكبا لتطور المجتمع، ومتوازنا مع المتغيرات التشريعية العالميةبما يتوافق مع السيادة الوطنية والمصلحة العامة. هو عمل ابتكاري لا بدّ وأن يُسنّ من اصحاب الاختصاص من الحقوقيين بطبيعة الحال، وبالتعاون مع خبراء في مجال موضوع التشريع. من هنا، أهمية مناقشات اللجان النيابية التي يجب ان تنفتح اكثر على المجتمع المدني والأهلي لإشراكه فيها بعيدا عن المحسوبيات.

ولا بد من الإشارة الى ان السياسة التنموية تتضمن ايضا إنشاء ودعم قطاعات حديثة.

 

– كونك إختصاصية جامعية بإدارة الأعمال، ما هي المفاتيح الأساسية لإدارة الدولة ؟

صراحة، أستغرب ان يظن البعض ان اختصاص ادارة الاعمال ينحسر بالتجارة فقط! لا أظن ان اي دولة في عصرنا الحديث وفي ظل العولمة المتحققة باستطاعتها ان تنهض إذا لم تعتمد ركائز علم الادارة وفق المفاهيم العلمية الدولية. ولكي ننجح بإدارة دولة ذات نظام ديمقراطي برلماني و اقتصادي حر ، لا بد أن نراعي الآتي:

١- توافر مؤهلات الإدارة لدى القيّمين ومنها الكفاءة والجرأة والتعاون الجَماعي والانفتاح والإيمان بالمواطَنة والتحلّي بالأخلاق.

٢-التخطيط الملزم المستدام.

٣-الشراكة بين القطاع العام والخاص.

٤-استثمار الثروات الطبيعية والبشرية.

٥-وضع أهداف وطنية محلية ودولية سيادية ومنافِسة.

 

مقالات ذات صلة