كم رغبنا يا شيخ سعد أن نصدّق ذاك الوعد!

كنتُ قد خشيتُ نزولك عن عرش التيّار الأزرق العابر للطوائف إلى حضيض من غرائز يتقن تحريكها خصومك المنافسون على نيل رضى حزب السلاح… وجاءت خشيتي في محلّها.

يا شيخ سعد، لا يَصدُق من يُنكر ذلك الإحساس الذي تبع الصدمة والحزن الكبيرين على استشهاد والدك الرئيس رفيق الحريري. إحساس بعدم الأمان، بقلق شخصيّ وعامّ في آنٍ معًا، خوف على البلد وعلى المصير.

فراغ رهيب أقام في الصدور حيث كانت لنا ترنيمة تنتهي دائمًا بعبارة تقول “والبلد ماشي”.

لذلك حلّت فينا طمأنينة كبرى حين قيل: ألبيت سيبقى عامرًا والباب مشرّعًا والحريري زعيمًا.

وكانت ضمانتنا الابن الثاني: سعد الدين.

إلى هذا الحدّ علّقنا الآمال عليك يا شيخ سعد، فإلى أين أخذتنا ومن علياء أيّة قمّة رميت بنا في القعر الذي نحن فيه اليوم؟

هل نستعيض عن مؤسّس جبّار كان يلفّ الكرة الأرضيّة ليحمي بظلّه الدافئ سلاح المقاومة برئيس سابق مترنّح يناطح مجموعة متضرّعين يرضعون من ذات الضرع ويضرعون إلى ذات القوّة ويستقوون بذات المتسلّطين على البلاد والعباد؟

أهكذا تدوم الرئاسة ويستمرّ الأمان ويستقرّ البلد فنرنّم من جديد ما ينتهي بعبارة “والبلد ماشي”؟

بل انشطرت اللفظة إلى نصفين وصار البلد: “ما شي”.

لا شيء يا شيخ سعد. لا شيء.

نودّع منتصف شباط وما يعنيه من حزن وعزاء، لا كلبنانيّين فقط ولا كأبناء طائفة رجعت تعرّف عن نفسها بأنّها “الأضعف بين الطوائف” بعد عزّ عرفته ووزّعت خيراته على كافّة أبناء الوطن… بل كحالمين ننتمي إلى عصر متقدّم، صدّقنا أنّ الذي عمّر وأنجز قد أنجب، وأنَّ مَن أنجب لا تضيع ذكراه ولا يفنى أثره…

لا نسألك ماذا فعلت بنا يا شيخ سعد بل: ماذا فعلتَ بأثر أبيك وذكراه؟

الإنسان في لبنان قبل طائفتك يحتاج إلى ما هو أكثر من فتى يحتضنه حزب السلاح، يحتاج إلى ما هو أكبر وأرقى من شابّ خلع السترة في الساحات متحدّيًا فأسقط معها العباءة وما تكتنزه من أمانة وقيادة، وراح ينقاد لأهل حماية ووصاية من جهة متحكّمة يبدو أنّها تفضّل عليه من كان إذعانهم لها أبكر وأكثر مردودًا وانصياعًا.

غيابك واستسلامك سمحا للممسكين بالرأس الثاني للسلطة في لبنان أن يختاروا لك وعنك رأسًا مرتجَلًا للسلطة الثالثة… فأين أنت ممّا وعدنا به باب البيت المشرّع بضمانة الابن الثاني، الوريث الحريص لأب لا يتكرّر؟

 ( زهير فاضل_اللبنانية) 

مقالات ذات صلة