كي لا تبكي “العروس”

يحتار المرء من أين يبدأ في الكتابة، وعمن يتحدث خصوصاً اذا ما كان الموضوع متعلقاً بمسقط رأسه، بالمدينة التي ولد وتربى وترعرع في ربوعها وعاش بين أهلها وأبنائها، واختال في شوارعها وأحيائها وأزقتها التي ما عاد الكثير منها كما كان عليه من قبل بعد أن ضرب معول “الحضارة” ضرباته في ثناياها وانتزع منها رمزيتها مديراً ظهره لمن قال “حافظ على قديمك جديدك ما بفيدك”. ولكن مالنا والأمثال الشعبية فالناس تلهث وراء التطور. وها نحن دخلنا عصر الانترنت حيث بات العالم كله أشبه بقرية صغيرة بين أيدينا. واذا كنا يوم ظهر التلفزيون قد بُهرنا ودُهشنا به، وأذكر أنه كان بداية نزيلاً في بيوت الميسورين نقصد من نعرف منهم لنشاركهم “الفرحة” قبل أن ينفروا من وجودنا ويصنفوننا ضيوفاً ثقلاء. فالتلفزيون بات اليوم بين أصابع الجميع يديرون نظامه كما يشاؤون، لا بل ينقلونه في جيوبهم بعد أن أضحى قزماً لا يتعدى حجمه حجم كف اليد، وبإمكان أن يوصلهم بمن يرغبون في أقصاع الدنيا ويلتقطون ما رغبوا من أخبار الكرة الأرضية.

انه الهاتف الجوال أو الخليوي، كما يفيدنا سيبويه، الذي ضبط ايقاع اللغة العربية لكن فاته أن هناك من سيستغلها على هواه ويخرجها من عقالها ومن على الشاشة الصغيرة إياها، أكانت في التلفزيون نفسه أو في مواقع التواصل الاجتماعي عبر تلك الآلة الصغيرة التي اخترعها والتي اتخذت أشكالاً عدة توزعت بين الواتس أب والفيسبوك والتويتر وغيرها…والتخاطب أنواع أيضاً لكن أخطره ذلك الذي يروّج لأخبار كاذبة مؤذية أو يعزف على وتر الفتنة وزرع الشقاق بين أبناء الوطن الواحد. إلا أنه يلعب دوراً معتبراً في تلميع صورة سبق أن  شوِّهت وهُمِّشت، كما كان حال طرابلس الفيحاء التي عانت من إهمال أهل الحكم لها على مدى عهود وسنوات واستفحلت البطالة في شبابها وافُتعلت جولات قتال داخلها. وكثيراً ما سمعنا على لسان مسؤولين كبار وقيادات أنها استُخدمت “صندوق بريد” لتصفية حسابات بين زعامات وقيادات وأحزاب حتى بلغت مرحلة كادت تُلغى من الخارطة اللبنانية، وثمّة من حاول إلباسها ثوب “قندهار”.

وإزاء ما لحق بها من أذية بالغة أصابت مجتمعها برمته وهزت دورته المالية والاقتصادية، لا غرابة أن تنتفض وتصرخ في وجه كل من أساء لها، لا بل تكشفه وتعرّيه وتهرع لتستعيد وطنيتها وأصالتها ورونقها ووجها الطيب المشعّ. ومع انطلاق “الثورة”، أو “الحراك” كما يُؤثر البعض اعتماد هذه التسمية، وجدت طرابلس فرصتها لتظهر على حقيقتها. فكانت السباقة  في الامساك بالشعلة التي غطّى نورها مساحة الوطن. ومن هنا لُقبت بـ “عروس الثورة”. وباتت مقصد جميع وسائل الاعلام المرئية والمسموعة المحلية والعربية والأجنبية وصولا الى المحطة الواسعة الشهرة “C.N.N” التي خصصت حلقة للإضاءة على “العروس” وزفّها بعبارات التقدير والإعجاب.

تلك “العروس” التي اختالت لشهرين، منذ السابع عشر من تشرين الأول العام الماضي، لم ترُق لمن اغتاظ من صيتها العطر الذي بلغته، فعقد العزم على تمزيق ثوبها أو نزع اللون الأبيض عنه ليستبدله بالسواد. ونقول هنا بأسف وتحسّر أنه وفِّق في ما سعى اليه، وإن الى حدٍ ما. وها هي الصورة المشرقة تُصاب بنتوءات بفعل الدواليب التي تُحرق داخل شوارعها وأحياء المدينة، وقطع الطرقات على أبنائها من دون أن يوضح لنا مفتعلوها ما غايتهم من وراء ذلك، إذ بعملهم هذا إنما يحولون دون سعي الناس الى أرزاقهم، ناهيك عن تعطيل المدارس والجامعات وكأن هناك من يريد “الانتقام” من العلم ونسف العام الدراسي مع ما يعنيه من ضرر فادح يلحق بتلاميذ المدارس وطلاب الجامعات والمعاهد.

من قلب تملّكته الغصة أمسكت بالقلم وكتبت على صفحتي “الفيسبوكية” أن عروس الثورة صار ثوبها أسود بقطع الطرقات وإحراق الدواليب. أضف الى ذلك ما نشهده حالياً في وسط بيروت من معارك واشتباكات وأعمال شغب وتحطيم محلات وواجهات وأرصفة وأعمدة قيل أن للطرابلسيين ضلع فيها وهذا ما لا نأمله ولا نتمناه.

وسط هذا الجو الضبابي والرغبة في عدم جعل “العروس” تهدر الدموع على خدّيها، أطلّ علينا خبرٌ مفرح من شأنه أن يخفف من وطأة ما نعانيه. وقد تمثل بافتتاح الوزير السابق محمد الصفدي مركز “مؤسسة الصفدي” الجديد الخاص بالتدريب على التلحيم في أعمال الغاز والبترول ذي الشهادة المجازة والمعتمدة دولياً، والذي يفسح المجال أمام عشرات الراغبين بتعلم هذه المهنة المربحة نظراً لقلة العاملين بها.

جميلٌ أن نرى مشروعاً تعليمياً ينهض وسط الركام الذي يحيط بنا والعاصفة التي استقرت في ربوعنا. كم بتنا نشتاق الى من يذكّرنا بالغد وبالمستقبل، الى من يهتم بإضاءة شمعة وسط ظلام البطالة المنتشرة في لبنان والتي بلغت نسبتها حوالي 46% لطرابلس والشمال الحصة الأكبر فيها.

كدنا ننزع من قاموسنا اليومي كلمة “تفاؤل” ونغرق في السوداوية ونبكي “العروس” خوفاً عليها وحرصاَ على إبقائها متلألئة. وستستمر كذلك بعون الله تعالى وهمّة كل من ينشئ معملاً ومعهداً ومؤسسة تفتح أذرعها لشبابنا المتعطشين الى العلم والعمل والارتزاق من عرق الجبين.

(عن “البيان الطرابلسية”)

مقالات ذات صلة