لبنان بين نفاد فترات السماح والمنطقة الرمادية: تشاؤم رغم الموازنة!/ رلى موفّق

يقول المفكّر رضوان السيّد أن عرب الجنوب، ويقصد بهم عرب دول مجلس التعاون الخليجي استطاعوا عقد اتفاقات واتخاذ إجراءات تحمي دولهم وشعوبها من تداعيات المواجهة المفتوحة التي تقودها أميركا مع النظام الإيراني الذي بنى سياسته التوسعية على زعزعة أمن المنطقة واستقرارها، واختراق بيئات دول الجوار. ويتساءل: ماذا عن عرب الشمال: العراق وسوريا ولبنان الواقعة تحت القبضة الإيرانية (الأردن يُستثنى من هذا التصنيف)؟ هل ستكون قادرة على حماية مستقبلها، وعلى تجنب دفع فواتير الرسائل والرسائل المضادة وعن قدرتها على استعادة استقرارها؟

هذا التساؤل الذي يتشارك فيه السيّد مع كثير من النخب المناهضة للتمدّد الإيراني في المنطقة وسياستها «التدميرية» لمفهوم الدول الوطنية، يُقابله قلق جدّي يُعبّر عنه عارفون بحراجة الواقع، وفي مقدمهم مرجع حكومي سابق. ينطلق هؤلاء المطلعون من يقين شبه راسخ بأن فترات السماح التي كانت متاحة للبنان الرسمي قد نفدت، واستحقت تالياً جميع «الكمبيالات»، التي منها ما هو مالي واقتصادي، ومنها متعلق بالتوازنات الداخلية كما بالتوازنات الخارجية والقضايا الإقليمية والدولية. والمأزق أن كل هذه «الكمبيالات» تستحق بالتزامن مع بعضها البعض، حيث لم يعد بالإمكان تأجيل الإيفاء وابتداع طرق ووسائل لكسب الوقت.

التشاؤم الذي يلفّ هؤلاء، رغم الارتياح الذي سُجّل بإقرار مجلس الوزراء مشروع موازنة العام الحالي، مرده إلى أن الخارج يريد أفعالاً لا أقوالاً سواء في ما خص الحكم الرشيد في إدارة الدولة أو سياسة لبنان في بُعدها الخارجي. لم يعد مقبولاً الإعلان عن التمسّك بسياسة النأي بالنفس ومن ثم خرقها، الأمر الذي يزيد من الانحسار الكامل للثقة بالدولة وقدرتها على ترجمة وعودها وقراراتها.

في النماذج القاتلة أننا نطلب الدعم لمنع الانهيار، وفي الوقت نفسه تُشن من على المنابر اللبنانية أفظع الحملات على الدول التي نريدها أن تدعمنا. ويقف الحكم في موقف المتفرج والعاجز. فاليوم سنشهد فصلاً جديداً من هذه النماذج – الاستحقاقات مع الإطلالة المتلفزة للأمين العام لـ«حزب الله» السيّد حسن نصر الله في الاحتفال الجماهيري الذي سيقام التاسعة والنصف مساء في الضاحية الجنوبية بمناسبة «يوم القدس»، والذي تتم التعبئة له ليأتي مشهداً حاشداً رداً على داعمي «خطة السلام» المُمَهّد لها في مؤتمر البحرين الاقتصادي شهر حزيران، والمنتظر أن تتكشف بنودها بشكل رسمي بعد شهر رمضان.

مشهد سيترافق مع خطاب تصعيدي لنصر الله بلغة عدائية ضد واشنطن وضد حلفائها العرب، في لحظة مفصلية ليس على مستوى الصراع العربي – الإسرائيلي المعني به الجميع، بل على مستوى المواجهة الإيرانية – الأميركية ومن خلفها شركاؤها الخليجيون، فيما تستضيف مكة المكرمة قمتين خليجية وعربية طارئة وثالثة إسلامية، في ظل التوتر الكبير بين دول الجوار وإيران، والذي يزداد تدهوراً بعد العقوبات الأميركية ضد طهران ومشاركة أبو ظبي والرياض في الموافقة على تعويض نقص السوق النفطي بعد تضييق واشنطن الخناق على إيران مع بدء تنفيذ مرحلة «تصفير صادرات النفط الإيراني».

وإذا كان من الصعب على لبنان البقاء في المنطقة الرمادية عندما يكون المطلوب منه موقف يتعلق بالإجماع العربي في وجه التهديدات التي يواجهها محيطهم على يد إيران، فكيف سيكون عندها موقف لبنان الرسمي المشارك في القمتين العربية والإسلامية بشخص رئيس مجلس الوزراء، حين سيصل إلى مسامع المؤتمرين كلام نصر الله وتهديده ووعيده، إلا إذا كان المطلوب منه خفض السقف لملاقاة إبداء طهران استعدادها لتوقيع «معاهدة عدم اعتداء مع دول الخليج»، وإن كان ذلك مستبعداً في إطار سياسة توزيع الأدوار.

القراءة الخليجية، تذهب إلى أن الاقتراح الإيراني تطغى عليه ملامح التراجع الذي لا يمكن الركون إليه، كونه لا يعدو أكثر من تراجع تكتيكي كلامي تحوطه المناورة بعدما بدا جلياً لإيران أن دول الجوار قد خرجت من شرنقة الصبر الاستراتيجي الذي انتهجته لعقود تفادياً لجرّ المنطقة إلى مواجهات، وأن إدارة ترامب جادة في عقوباتها وعازمة على المضي بها دون هوادة ولن يكون لديها كما في السابق فرصة للالتفاف عليها والإفلات من الضغوط الشديدة وتوفير سبل صمود أكبر.

لا ثقة بإيران من قبل جيرانها. وما قمم مكة إلا إيذاناً بأن الكيل قد طفح من دولة تعتدي على الحرمين، وتعتدي على المسلمين وتفرّق كلمتهم وتخرّب مجتمعاتهم وتهجّر ناسهم وتزرع الشقاق وتدمر الحواضر العربية. هي رسالة بأن العرب والمسلمين في زمن الخيارات الكبرى هم مع المملكة العربية السعودية، وأن إيران من هذا المنظار دولة معزولة ومستقبلها مفتوح على مزيد من العزلة إذا استمرت على سلوكها الراهن، ولن تنتهج سلوكاً مختلفاً.

على أن الهدف من السمة الطارئة للقمم تتعدى تأكيد الدعم المعنوي والضغط الإعلامي إلى ما هو الدفع للوصول إلى ترجمة قرارات أساسية من شأنها أن ترسم أفقاً جديداً للمشهد في المنطقة. تلك القرارات في حقيقة الأمر ليست جديدة، لكنها لم تشق طريقها بالوتيرة التي كان يجب أن تحصل بها. أبرزها وأكثرها أهمية هو إخراج «الناتو العربي» إلى حيز الوجود. سبق أن تمّ التوافق على ذلك في قمم الرياض التي عقدت مع ترامب بعد انتخابه. كانت الاستعدادات قد بدأت لتشكيل قوة عربية – إسلامية تكون ذراعاً عسكرية حيث تدعو الحاجة إلى تدخل عربي في الدول العربية أو الإسلامية التي تشهد توترات.

كان يُفترض أن تشكل مصر رافعة مشروع «الناتو العربي» لجهة العديد إضافة إلى السعودية والإمارات والأردن، ولكن ترددت القاهرة آنذاك. اليوم المطلوب هو الوصول إلى صيغة يمكن معها أن ينطلق المشروع مجدداً إلى التنفيذ في إطار تعزيز القدرات العربية المسلحة في مختلف المنظومات الجوية والصاروخية والبرية والبحرية، لا سيما وأن موازنات ضخمة يتم تخصيصها للسلاح والحاجات الدفاعية، ويتم الذهاب كذلك إلى عقد اتفاقات دفاعية مع الغرب من خلال إنشاء قواعد عسكرية لسنوات مدفوعة التكاليف، فيما الاستراتيجية الخليجية ولا سيما السعودية تقوم على مفهوم بناء القوة الذاتية العربية – الإسلامية بالتعاون مع الحلفاء الغربيين في مواجهة التهديدات التي تواجه دول الخليج العربي والمنطقة بالمجمل.

عنوان هذه التهديدات هو اليوم إيران التي ستكون ركيزة قرارات القمم الطارئة. ويبدو أن الاتجاه العربي والإسلامي في إطار ممارسة ضغط دبلوماسي ودولي على إيران يذهب نحو التوجه إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار ضد إيران جراء اعتداءاتها على الدول العربية على غرار القرارات التي تصدر ضد إسرائيل. ولم تعد مقولات «حسن الجوار» وعلاقات الأخوّة» تفيد في تبريد المناخات الحارة في الدول العربية بعد نفاد سياسة الصبر لديها، وخصوصاً لدى السعودية، الدولة ذات التأثير الأكبر نظراً إلى مكانتها ودورها وموقعها العربي والإسلامي.

(اللواء)

مقالات ذات صلة