السنيورة: علينا إستعادة الدولة وقوّة التوازن

لا يخفي الرئيس فؤاد السنيورة، رئيس الحكومة ووزير المال السابق، اغتباطه إزاء تبنّي الحكومة والقيّمين على الموازنة العامة للدولة ما كان يطرحه من افكار واقتراحات إصلاحية مالية واقتصادية وتلقى الرفض او التجاهل. ولكنه يعتبر ما تقرر خطوة أولى ومقدمة للمعالجة الناجعة، والتي تكمن في رأيه في ان تستعيد الدولة نفسها، اي أن تستعيد سلطتها وقرارها وسيادتها على كل مرافقها.

فالرجل يعتقد انه كان أول مَن شَخّص المشكلة المالية والاقتصادية التي تعانيها البلاد، وحدّد العلاج المناسب لها، وحاول طوال فترة تولّيه رئاسة الحكومة وقبلها وبعدها ولا يزال يدعو المعنيين الى اعتماد هذا العلاج، الى ان كان الأمر في بعض ما تضمنه مشروع الموازنة الذي أقرّه مجلس الوزراء قبل ايام بعد نحو 20 جلسة وأحاله الى مجلس النواب.

السنيورة، وبمقدار اغتباطه ضمناً بما حصل، فإنه في الوقت نفسه لا يخفي أسفاً لأنّ الاجراءات المتخذة لمناسبة الموزانة الجديدة ستكون موجعة ومؤلمة، وكان يمكن أن لا تكون وبعيداً عن الضغوط وما يمكن أن يرافقها من انفعالات «لأنه لم يعد في الامكان تحميل البلد ما لا يستطيع تحمّله»، يقول السنيورة لـ«الجمهورية»، مضيفاً: «انّ مفهوم الدولة لم يعد موجوداً، لأنّ الدولة باتت طاولة تتحلق حولها مجموعة من القوى وكل منها يحمل بيده منشاراً ليقتطع به حصته، ويتصرف على اساس انّ هذه الحصة هي حق مكتسب له، في حين انّ هذا الأمر مخالف للدستور».

ويرى «انّ الدواء الذي يعتمد لمعالجة الأزمة ربما يكون المناسب ولكنه غير كاف، فالمطلوب هو السير على الاوتوستراد للوصول الى المكان المقصود من دون الانزلاق الى الطرق الفرعية التي يمكن ان تأخذنا الى اماكن أخرى، كأن يكون مقصدنا إقليم الخروب فنكتشف أننا وصلنا الى عكار…».

والمطلوب، في رأي السنيورة، هو «ان يتخذ القرار بالمعالجة الفعلية، وهذا القرار ينبغي ان يقوم على احترام المبادىء والتي هي من الامور البديهية، واحترام الدستور واتفاق الطائف، والقوانين، ولا يجوز عدم احترام الدستور والقول اننا نريد تعديله بالممارسة (حسب حديث البعض). كذلك لا يجوز للبعض أن يقول «ما عاجِبني هالقانون ما بدّي طَبّقو».

ويرى السنيورة «انّ الاجراءات التي اتخذت على المستويين المالي والاقتصادي في إطار مشروع الموازنة ضرورية ولازمة، ولكنها غير كافية، يمكن اعتبارها خطوة اولى على الطريق، وينبغي ان تكون هناك قاعدة أساسية للاصلاح وهي ما تحتاج إليه البلاد، ربما تكون العملية اكثر وجعاً وإيلاماً، وكان يمكن ان لا تكون كذلك لو اتخذت سابقاً، وينبغي إجراؤها من دون مشكلات، وإلّا ستكون هناك كارثة، فالأزمة تَخطّت المعالجات الى مرحلة أصبحنا معها في حاجة الى استعادة الدولة التي باتت متناثرة ومبعثرة، وكلّ ينتزع منها «شقفة» وكلٌ يوظّف فيها على حسابه، وكل موظف يأخذ ولاءه من هذا الزعيم او ذاك».

«فالدول»، يضيف السنيورة، «تتبنّى برامج الإصلاح، التي هي في حاجة ماسة إليها، وتبادر إلى تنفيذها عندما تكون قادرة عليها، وليس عندما تصبح مجبرة على تنفيذها. عندها تكون العملية الإصلاحية قد أصبحت أكثر تعقيداً وأكثر إلحاحاً، ولكن عندها أيضاً يكون تنفيذها قد أصبح أكبر كلفة وأكثر وجعاً وإيلاماً ولكن أكثر عرضة للأخطاء، وربما قد لا تعود العملية الإصلاحية كافية لتأدية الغرض الذي تتوخاه الدولة من الإصلاح».

ويضيف السنيورة انّ «إقرار قانون سلسلة الرتب والرواتب كان «القشة التي قصمت ظهر البعير»، ولكنه لم يكن المشكلة الاساسية، وإنما الاحمال والمشكلات المتراكمة. اننا بتنا كمَن يحاول قطر «تريللا» بسيارة «فولزفاغن». وبدلاً من الذهاب الى المعالجة الفاعلة والناجعة، إذ بالجميع «يشوّلون» في «التريللا». فكيف يمكن لسيارة صغيرة ان تشحن احمالاً أكبر منها وأثقل؟ هذه هي حال الدولة الآن».

«ما فقدناه، يقول السنيورة، هو قوة التوازن التي يُحكم بها البلد وليس توازن القوى، فعندما يكون التوازن قوياً فإنه يحمي الجميع، أما توازن القوى فليس هو الحل. فلقد فقدنا قوة التوازن، والسؤال كيف لنا ان نتحمّل هذا الأمر في ظل الوضع الصعب الذي تمر به المنطقة والذي ينذر بمزيد من الصعوبات؟».

ولذلك، لا يمكننا ان نقول إلّا «الله يعين» و«ان الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم».

ولا يتردد السنيورة في التأكيد انه كان السبّاق والمثابر دوماً على طرح الاقتراحات والافكار الاصلاحية لمعالجة الاوضاع المالية والاقتصادية، والتي كان استخلصها من خبرة 10 سنوات امضاها وزيراً للمال، واعلنها في مؤتمر صحافي عقده في 28 ايلول 2004 لمناسبة اعداده مشروع قانون موازنة 2005، وبعثها برسالة في 22 نيسان الماضي الى رئيس الحكومة لمناسبة اعداد مشروع موازنة السنة الجارية. فهذه الاقتراحات والافكار التي واجهها معظم الاطراف السياسيين بـ«التمنع والتأجيل وعدم الرغبة في إقرارها على مدى الفترة 1993-2004» على حد قوله، يعود المعنيون اليوم الى اعتمادها مدخلاً لتحقيق الاصلاحات المالية والاقتصادية والادارية المطلوبة لخفض العجز وتفريج الازمة وتلافي الانهيار.

والسنيورة مثلما لخّص عام 2004 أسباب طرحه المواضيع الاصلاحية «بضرورة انتهاز الفرصة السياسية المتاحة والضرورة الاقتصادية الملحة وضرورة تنفيذ ما التزمنا به في مؤتمر باريس-2، حفاظاً على صدقية لبنان، وبما يمكنه من التوصلّ الى معالجة المشكلات التي تعاني المالية العامة منها»، فإنه يرى اليوم شبيهاً بالبارحة لمناسبة مقررات مؤتمر «سيدر». ويدعو، على ما يبدو، الى انتهاز الفرصة السياسية المتاحة والضرورة الاقتصادية الملحة وضرورة تنفيذ ما التزم به لبنان في مؤتمر «سيدر» حفاظاً على صدقية لبنان.

وكان الرئيس السنيورة قد بعث في 22 نيسان الماضي برسالة الى رئيس الحكومة سعد الحريري لمناسبة اعداد موازنة 2019، إستهلّها بالمقدمة الآتية:

«تتبنّى الدول برامج الإصلاح، التي هي في حاجة ماسة إليها، وتبادر إلى تنفيذها عندما تكون قادرة عليها، وليس عندما تصبح مُجبرة على تنفيذها. عندها، تكون العملية الإصلاحية قد أصبحت أكثر تعقيداً وأكثر إلحاحاً، ولكن عندها أيضاً يكون تنفيذها قد أصبح أكبر كلفة وأكثر وجعاً وإيلاماً ولكن أكثر عرضة للأخطاء، وربما قد لا تعود العملية الإصلاحية كافية لتأدية الغرض الذي تتوخّاه الدولة من الإصلاح».

وينطلق السنيورة من هذه المقدمة ليقول: «في ضوء ما يجري التداول في شأنه في هذه الآونة عن سياسات وإجراءات إصلاحية ينبغي اعتمادها لمعالجة المشكلات التي تراكمت على لبنان على مدى فترات طويلة، استعَصت فيها الدولة اللبنانية على جميع المبادارت الإصلاحية، وسادت خلالها السياسات الشعبوية والقرارات والإجراءات والممارسات الإرضائية التي أدّت إلى انتفاخ حجم الدولة وإلهاب توقعات المواطنين من دون ان تكون تلك الوعود والممارسات مستندة ومبنية على أسس اقتصادية ومالية صحيحة ومستدامة. ولقد كان آخر تلك الممارسات والإجراءات إقرار سلسلة الرتب والرواتب الجديدة بشكل غير مسؤول وغير متبصّر.

ومما زاد في الطين بلّة، أنّ تلك السلسلة الأخيرة قد أُقرّتْ في خضم حقبة ساد فيها تنافس شديد بين مختلف الدويلات الميليشياوية والطائفية والمذهبية على ابتلاع الدولة اللبنانية، وتجريدها من دورها وسلطتها وصلاحياتها. ولقد ترافق ذلك مع حالة امتناع واستعصاء شديدة غابت خلالها الإرادة، وغاب فيها أيضاً القرار السياسي الوطني والضروري للتقدّم على دروب الإصلاح الحقيقي. ذلك بما كان يعني بالتالي تقاعساً عن تبنّي وتنفيذ السياسات والإجراءات العملية والضرورية لمحاربة الهدر، والهدر المقونَن، والفساد، والإفساد من جهة أولى. وإمعاناً من جهة ثانية في الإصرار على عدم التلاؤم مع التحولات والمتغيرات المتعددة الأوجه الحاصلة في محيطنا العربي وفي العالم، وإغفالاً من جهة ثالثة عن التنبّه إلى التدني الحاصل في مستويات الكفاءة والإنتاجية في الدولة اللبنانية والارتفاع الكبير في كلفتها».

وأرفق السنيورة رسالته التي تلقاها أيضاً رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري بمشروع المواد الإصلاحية التي قدمه عام 2004 مع مشروع موازنة 2005، مع شرح «التوجهات والأهداف الإصلاحية التي تَوخّتها عملية اقرار المواد القانونية الاصلاحية المقترحة في مشروع موازنة العام 2005»، والتي كُنتُ قد أعلنتها في مؤتمر صحافي في 28/9/2004، وعن ذلك المشروع الذي أحاله الى مجلس الوزراء تحت عنوان: «موازنة شفائية لا تسكينية». وأكد أنّ «هذه البنود الإصلاحية، هي حصيلة التجربة الحكومية التي كَوّنتها خلال 10 سنوات من تسلّمي لمسؤولية وزارة المالية، وهي في معظمها قد ووجِهَت من معظم الأطراف السياسيين بالتمنع والتأجيل وعدم الرغبة في إقرارها، وذلك على مدى الفترة الممتدة من 1993-2004. وهي التي عَمِلتُ بعد ذلك على جمعها وتيويمها وإعادة تقديمها للحكومة اللبنانية في نهاية ايلول من العام 2004، من ضمن مشروع موازنة العام 2005».

ويختم السنيورة رسالته قائلاً: «إنني إذ أرى أنّ المواضيع المبحوثة والعديد من المعالجات الآن ما زالت في جوهرها هي كما كانت منذ 15 عاماً، أتمنى ان تجدوا دولتكم في هذه المواد وما ذكرته في المؤتمر الصحافي، وورقة التوجهات والأهداف الإصلاحية المرفقة ما قد يسلّط الضوء على ما يمكن إقراره منها الآن أو، على الأقل وكما ترون ذلك ملائماً ومفيداً، الاستنارة به بما يساهم في تعزيز مسيرة العودة إلى طريق الإصلاح الحقيقي في لبنان، الذي هو «طريق موحشة لقلة سالكيها».

وقد انتهى السنيورة في ورقته الإصلاحية، التي قدمها عام 2005، الى تأكيد واقع يشبه الواقع الذي تعيشه البلاد اليوم، وهو أنّ «هناك تقاعساً، وفساداً، وعدواناً على المال العام وعلى المستقبل الوطني، ولا بد من اتخاذ موقف من جهة، وتوليد إرادة سياسية واعية من جهة ثانية». ويعتبر «انّ الوقت وقت القرارات الكبرى والجريئة في الوقت نفسه، في مرحلة التحوّل والمخاطر التي نمرّ بها وتمرّ بها المنطقة. ولا يمكن القول انّ الظروف غير ملائمة، والأجواء غير منفتحة وسط ما يحدث، وما يُراد لنا أن نكونه أو نصير إليه».

(الجمهورية)